يَصِل أحمدُ بن عبد الله الزَّهْرَانِيُّ في هذا الكتاب بين تأصيل منهج التَّفسير الموضوعيِّ وتطبيقه على قضايا من العقيدة والعبادات والأخلاق ونظام الأسرة، مُبيِّنًا كيف يُعين جمعُ الآيات المتَّحدة في الموضوع على فهم مقاصد القرآن الكريم، واستكمال دلالاته، والرَّبط بين أحكامه وتوجيهاته. ويُحَرِّر مفهوم التَّفسير في اللُّغة والاصطلاح، ثمَّ يُعَرِّف التَّفسير الموضوعيَّ بأنَّه دراسة الآيات التي تعالج قضيَّةً واحدةً وهدفًا مشتركًا، وإن تفرَّقت في السُّور واختلفت ألفاظها، مع مراعاة أسباب النُّزول، والمتقدِّم والمتأخِّر، والاستعانة بالسُّنَّة النَّبويَّة وأقوال السَّلف. ويُوضِّح فوائد هذا المنهج في تفسير القرآن بالقرآن، والجمع بين المُطْلَق والمُقَيَّد، والعامِّ والخاصِّ، والمُجْمَل والمُفَصَّل، وإزالة ما قد يُوهِم التَّعارض بين الآيات. ويَتَتَبَّع جذوره في مصنَّفات المتقدِّمين، مستشهدًا بكتاب مقاتل بن سليمان في آيات الأمر والنَّهي والحلال والحرام، وبما صنَّفه العلماء في الوجوه والنَّظائر، مُفَرِّقًا بين حداثة المصطلح وسبق العلماء إلى ممارسة هذا اللون من التَّفسير. ويَعرض طريقتَيْن للبحث فيه: دراسة السُّورة القرآنيَّة باعتبارها وحدةً متكاملةً تجمع موضوعاتها غايةٌ كبرى، مُمَثِّلًا بسورة المنافقين، ودراسة القضيَّة الواحدة في القرآن الكريم كلِّه بجمع آياتها وتحليلها. ويُفَصِّل خطوات الطَّريقة الثَّانية، بدءًا باختيار الموضوع وجمع الآيات وترتيبها، وصولًا إلى شرح معانيها والرَّبط بينها في ضوء السُّنَّة الصَّحيحة وفهم السَّلف الصَّالح.
وتَتَجَلَّى تطبيقات هذا المنهج أوَّلًا في دراسة العقائد القرآنيَّة، حيث يُقَرِّر المؤلِّف ترابط العقيدة والشَّريعة، ويُبَيِّن أنَّ التَّوحيد أصل دعوة الأنبياء عليهم السلام، وأساس الإيمان والعمل. ويَعرض أركان الإيمان السِّتَّة وما تشتمل عليه من أصول الاعتقاد، ثمَّ يُفْرِد الإيمان بالملائكة ببحثٍ مُوَسَّعٍ، فيُثبِت وجودهم وأسماء من سمَّاهم القرآن الكريم، وصفاتهم وأعمالهم، مُستشهدًا بالآيات والأحاديث الصَّحيحة وأقوال المفسِّرين. ويَتَنَاوَل جبريل وميكائيل ومالكًا ومَلَك الموت، وما ورد في أوصاف الملائكة من الأجنحة والقوَّة والطَّاعة والتَّسبيح والعبوديَّة لله تعالى، وقدرتهم على التَّمثُّل في صُوَر البشر. ويَستعرض وظائفهم في تبليغ الوحي، وحفظ العباد، وكتابة أعمالهم، وقبض الأرواح، والاستغفار للمؤمنين، وشهود مجالس الذِّكر والصَّلاة، ونصرة المؤمنين في القتال، وما يتَّصل بالملائكة من أحوال يوم القيامة. ويَنتقل إلى الإيمان بالرُّسُل، فيُوضِّح حقيقتهم ووجوب الإيمان بهم جميعًا، وتفاضلهم، وخصائص أولي العزم منهم، ووحدة دعوتهم إلى عبادة الله تعالى وحده. ويَخُصُّ نوحًا عليه السلام بدراسةٍ تستقرئ أساليبه في دعوة قومه، وما اتَّسمت به من التَّرغيب والتَّرهيب، والصَّبر والمصابرة، والتَّذكير بنِعَم الله تعالى وآيات قدرته، مع بيان مواقف قومه من التَّكذيب والسُّخرية والاستكبار، وثباته على دعوته ورفضه طرد المؤمنين، وما ابتُلي به في زوجه وابنه، وما انتهت إليه دعوته من نجاة المؤمنين وهلاك المكذِّبين.
ولإظهار تكامل الدَّلالة العقديَّة في الآيات المتفرِّقة، يَستقصي المؤلِّف أدلَّة البعث بعد الموت، فيشرح معاني البعث والنُّشور والمعاد، وما يتعلَّق بالإيمان بالحساب والجزاء والجنَّة والنَّار. ويَستعرض الحجج القرآنيَّة على إمكان البعث ووقوعه، ومنها إحياء الموتى في الحياة الدُّنيا، وقصَّة أصحاب الكهف، وقصَّة الذي مرَّ على قريةٍ خاوية، وإحياء عيسى عليه السلام الموتى بإذن الله تعالى. كما يُفَصِّل الاستدلال بالنَّشأة الأولى على الإعادة، وبإحياء الأرض بعد موتها، وبخلق السَّماوات والأرض، وبأسماء الله تعالى وصفاته الدَّالَّة على كمال قدرته وعلمه وحكمته. ويَمتدُّ البحث العقديُّ إلى دراسة أهل الكتاب في القرآن الكريم، فيَجمع الآيات المتعلِّقة بمعتقداتهم في الله تعالى والملائكة والرُّسُل، وما حكاه القرآن من أقوال اليهود والنَّصارى ودعاواهم، ومواقفهم من الرِّسالة المحمَّديَّة والمؤمنين. ويَعرض ما تضمَّنته الآيات من إبطال نسبة الولد إلى الله تعالى، والرَّدِّ على دعاوى الاختصاص بالجنَّة والمحبَّة الإلهيَّة والأمن من العذاب، وما ارتبط بذلك من تحريفٍ وكتمانٍ للحقِّ ونقضٍ للمواثيق. ويَستعين بأقوال المفسِّرين وأسباب النُّزول في توضيح هذه المواقف، مع بيان ما قرَّره القرآن الكريم من أصول التَّعامل مع أهل الكتاب.
وفي تطبيقات العبادات، يَستقرئ الزَّهْرَانِيُّ الآيات المتعلِّقة بالزَّكاة، فيُبَيِّن منزلتها بين أركان الإسلام، وكثرة اقترانها بالصَّلاة، وما يدلُّ عليه ذلك من مكانتها في الشَّريعة. ويَبحث الألفاظ القرآنيَّة التي وردت بها الزَّكاة، والمعاني التي استُعمِل فيها لفظها، وما عُبِّر عنها به من الصَّدقة والإنفاق وإيتاء الحقوق. ويَشرح أحكامها العامَّة وشروط وجوبها، ومصارفها الثَّمانية، وما ورد في السُّنَّة النَّبويَّة من بيان أنصبتها ومقاديرها، وما يتحقَّق بها من تطهير النَّفس والمال، ومقاومة الشُّحِّ، وتنمية البذل والتَّكافل، ومواساة المحتاجين. ثمَّ تتَّجه الدِّراسة إلى الصَّوم في القرآن الكريم، فتُحَرِّر معناه اللُّغويَّ والشَّرعيَّ، وتُميِّز بين الإمساك عن الطَّعام والشَّراب وسائر المفطِّرات، والصَّوم بمعنى الصَّمت عن الكلام، وتُوضِّح منزلته وفضله وما يُحقِّقه من التَّقوى. ويَستعرض المؤلِّف أنواع الصِّيام الواردة في القرآن والسُّنَّة، ومنها صيام رمضان، وصيام الفدية، وصيام الكفَّارات المتعلِّقة بالظِّهار والقتل واليمين والحجِّ، وما يتَّصل بذلك من أحكام التَّتابع والإطعام والقضاء. ويُبَيِّن مظاهر التَّيسير في تشريع الصِّيام، من تحديد وقته، والتَّرخيص للمريض والمسافر، وأحكام الفدية والقضاء، وما يدلُّ على مراعاة الشَّريعة أحوال المكلَّفين وقدراتهم.
وتَكْشِف دراسةُ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر عن جانبٍ آخر من التَّفسير الموضوعيِّ، إذ يُحَرِّر المؤلِّف معاني المعروف والمنكر، ويَجمع الآيات الدَّالَّة على وجوب الدَّعوة إلى الخير والنَّهي عن الشَّرِّ، وما ورد في ذلك من تكاليف للأمم السَّابقة والأمَّة المحمَّديَّة. ويُبَيِّن ما رتَّبه القرآن الكريم على القيام بهذه الفريضة من الفلاح والخيريَّة، وما ذكره من ذمِّ الأمم التي تركتها، وصلتها بصفات المؤمنين والمؤمنات، واقترانها بإقامة الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة. ويَعرض أقوال العلماء في حكمها، وما يتعلَّق بها من المسؤوليَّة الفرديَّة والجماعيَّة، ثمَّ يَتَتَبَّع استعمال لفظ «المعروف» في القرآن الكريم، معرَّفًا ومجرَّدًا من أداة التَّعريف، وما يدلُّ عليه في سياقات العبادات والمعاملات والأسرة والإنفاق والقول الحسن، مُبَيِّنًا اختلاف معانيه بحسب موضعه والقرائن المحيطة به.
وتَحْظَى القِيَم الأسريَّة بعنايةٍ ظاهرةٍ في النَّماذج التَّطبيقيَّة، حيث يستقرئ المؤلِّف الآيات الآمرة بالإحسان إلى الوالدَيْن، ويَشرح معنى البِرِّ وما يدخل فيه من طاعتهما في المعروف، ولين الجانب لهما، وحُسْن صحبتهما، والدُّعاء لهما. ويُبَيِّن منزلة هذا الحقِّ في القرآن الكريم، واقترانه بعبادة الله تعالى وشكره، وما دلَّت عليه الآيات من وجوب الإحسان إلى الوالدَيْن وإن كانا غير مسلمَيْن، دون طاعتهما في الشِّرك أو المعصية. ويَستشهد بمواقف الأنبياء عليهم السلام في البِرِّ، وبالأحاديث الدَّالَّة على عظيم حقِّ الأمِّ، وما يُوجب مزيد العناية بها من مشقَّات الحمل والولادة والرَّضاعة. وتتَّسع الدِّراسة بعد ذلك إلى نظام الأسرة في القرآن الكريم، فتُبَيِّن أصل خَلْق الإنسان من نفسٍ واحدة، والتَّكامل بين الرَّجل والمرأة، وما تقوم عليه الحياة الزَّوجيَّة من روابطَ وحقوقٍ وواجبات. ويَعرض المؤلِّف أحوال المرأة في الجاهليَّة من خلال أربعة محاورَ: التَّبرُّج وما قرَّرته الشَّريعة بشأن السِّتر والحِشمة، وكراهية ولادة البنات وما ارتبط بها من الوأد والاحتقار، وضياع حقوق المرأة والإضرار بها في الزَّواج والطَّلاق والميراث والعِدَّة والظِّهار والعَضْل، وأنواع الأنكحة الجاهليَّة التي أبطلها الإسلام أو حرَّمها. ويَستشهد بالآيات القرآنيَّة والأحاديث والآثار لبيان الأحكام التي عالجت هذه الممارسات، وصانت حقوق المرأة وكرامتها، ونظَّمت العلاقات الأسريَّة على مقتضى الشَّريعة.
وهكذا تتكامل في الكتاب الدِّراسة المنهجيَّة مع النَّماذج التَّفسيريَّة؛ إذ يَعود المؤلِّف في معالجة القضايا إلى جمع الآيات المتعلِّقة بها، وشرح ألفاظها وسياقاتها، والاستعانة بتفسير القرآن بالقرآن، والسُّنَّة النَّبويَّة، وأقوال الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين والمفسِّرين، مع عنايةٍ خاصَّةٍ بنقول الطَّبَرِيِّ وابن كثير والقرطبيِّ وغيرهم. ويُظْهِر من خلال هذه التَّطبيقات ما يُتيحه التَّفسير الموضوعيُّ من النَّظر إلى القضيَّة القرآنيَّة في مجموع نصوصها، وربط أصول الاعتقاد بأحكام العبادات وآداب السُّلوك وشؤون المجتمع، بدل الاقتصار على تفسير الآية بمعزلٍ عن نظائرها ومواضعها الأخرى.