يُعرِّف أبو جعفر أحمد بن يوسف الفهري اللبلي في «فهرسته» بشيوخه الذين أخذ عنهم العلوم الدينيَّة في المشرق والمغرب، ويُثبت أسانيده إلى الأئمَّة ومؤلِّفي الكتب التي درسها ورواها، مع بيان طرق تلقِّيها من القراءة والسماع والمناولة والإجازة. وقد صنَّفها استجابةً لطلب جماعة من أهل العلم، وخصَّ عنايته بعلم الكلام وأصول الفقه، فتتبَّع سلسلة شيوخه في هذين العلمين وصولًا إلى أبي الحسن الأشعري، وترجم لأعلامها، وذكر ما تيسَّر له من أخبارهم ومؤلَّفاتهم وشيوخهم وتلاميذهم، وتواريخ ولادتهم ووفاتهم، مع إيراد ما شهده بنفسه من مجالس العلم وما بلغه من أخبار العلماء بأسانيده إلى ناقليها.
ويبدأ بذكر شيخه شرف الدين ابن التلمساني، وما قرأ عليه بمصر من «الإرشاد» لإمام الحرمين الجويني، وأجزاء من «البرهان» في أصول الفقه، و«غاية الأمل» للآمدي، وبعض المصنَّفات الأصوليَّة الأخرى، وينقل نصَّ إجازته له بالتدريس والإقراء. ثمَّ يتتبَّع شيوخ ابن التلمساني، فيترجم للمقترح والطوسي وأبي حامد الغزالي وإمام الحرمين الجويني، ويورد أخبارًا مطوَّلة عن تحصيلهم العلمي ومناظراتهم وتدريسهم ومصنَّفاتهم. ويتوسَّع في ترجمة الغزالي، فينقل أخبار انتقاله من التدريس والمناظرة إلى الزهد والتصوُّف، ثمَّ عودته إلى التعليم، وما عُرف به في أواخر حياته من الاشتغال بالحديث. كما يُفصِّل سيرة إمام الحرمين الجويني، ونشأته في طلب العلم، ورحلته إلى الحجاز، وتدريسه بالنظاميَّة في نيسابور، ومصنَّفاته في الفقه والأصول والكلام.
ويواصل تتبُّع سلسلة العلماء الذين انتقل عن طريقهم المذهب الأشعري، فيترجم لأبي القاسم الإسفرايني وأبي محمد الجويني والقاضي أبي بكر الباقلاني وأبي إسحاق الإسفرايني وأبي الحسن الباهلي وأبي عبد الله بن مجاهد البصري. ويُورد أخبارًا عن مجالسهم ومناظراتهم، وما جرى لبعضهم مع العلماء والملوك، ومنها أخبار مناظرات الباقلاني ورحلته إلى ملك الروم. ويعتمد في كثير من هذه التراجم على مرويَّات الخطيب البغدادي وابن عساكر وغيرهما، ويُثبت طرقه إليهم، مع نقل أقوالهم في أحوال العلماء وأخلاقهم ومكانتهم العلميَّة.
ويُفرد قسمًا مطوَّلًا لأبي الحسن الأشعري، فيذكر نسبه ونشأته، وانتقاله عن مذهب المعتزلة، وما نُقل عن مناظراته وردوده عليهم، ويُورد أقوال المحدِّثين والعلماء في الثناء عليه وتقرير مذهبه. وينقل أخبارًا عن أبي بكر ابن فورك، وأقوال البيهقي والخطيب البغدادي وابن عساكر وغيرهم في الأشعري وأصحابه، مع مناقشة بعض ما نُسب إليه من أقوال وانتقادات. ويتوسَّع في تعداد مصنَّفات الأشعري، ناقلًا أسماء كتبه في التوحيد والصفات والقدر والإمامة ودلائل النبوَّة والجدل ومقالات الفرق والردِّ على المعتزلة والفلاسفة وأهل الديانات الأخرى، وما ألَّفه في تفسير القرآن الكريم والمسائل الكلاميَّة المتنوِّعة.
ثمَّ ينتقل إلى طريق آخر من طرق تحصيله لعلم الكلام وأصول الفقه، فيترجم لشيخه شمس الدين الخسروشاهي، ويذكر ما قرأ عليه بالقاهرة ودمشق من مؤلَّفات فخر الدين الرازي، ومنها «الأربعين» و«الخمسين» و«المحصَّل» و«المحصول»، وما سمعه عنه من كتب الآمدي والغزالي، وإسناده إلى «المفصَّل» للزمخشري. وتتخلَّل ذلك تراجم للمطرزي وفخر الدين الرازي ووالده وأبي القاسم الأنصاري، مع أخبار عن مؤلَّفاتهم ومذاهبهم ومجالس تدريسهم. ويذكر كذلك اتِّصاله بعز الدين بن عبد السلام بالقاهرة، وملازمته له، وما جرى بينهما من مباحثات لغويَّة، وما قرأه عليه وأجازه بروايته، وما قرأه عز الدين عليه من تصانيفه في النحو واللغة. ويختم بترجمة سيف الدين الآمدي وذكر مكانته في الجدل والكلام وأصول الفقه، وأخباره في المناظرة، موضِّحًا أنَّ من سمَّاهم ليسوا جميع من أخذ عنهم العلم في رحلاته بالمشرق والمغرب.