يرصد أبو بكر محمَّد زكريَّا في هذا الكتاب تطوُّر العناية بسيرة النَّبي صلى الله عليه وسلم في المؤلَّفات البنغاليَّة، منذ ظهور الكتابات الشِّعريَّة الأولى في القرن الخامس عشر الميلادي إلى اتِّساع التَّأليف والتَّرجمة والدِّراسات المتخصِّصة في العصر الحديث، مع تحليل أبرز المصنَّفات وتقويمها من حيث صحَّة الأخبار، والاعتماد على المصادر الأصيلة، وسلامة الاتِّجاهات العقديَّة، وجودة الأسلوب والتَّرجمة. ويعرِّف باللغة البنغاليَّة وأصولها وتطوُّرها، وأثر اللُّغات العربيَّة والفارسيَّة والأرديَّة فيها، وعلاقة انتشار الإسلام في منطقة البنغال بنشأة الكتابة عن السِّيرة النَّبويَّة. ويبيِّن مصادر السِّيرة في القرآن الكريم والحديث النَّبوي وكتب المغازي والتَّاريخ والدَّلائل والشَّمائل، ثمَّ يستعرض المصنَّفات الأولى التي تناولت جوانب من حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم، ومنها منظومات «رسول بيجوي» و«نور نامه» و«نبي بنغشه»، وما اشتملت عليه من أخبار المولد والمعراج وسائر وقائع السِّيرة. ويناقش ما شاع في هذه الكتابات من الغلوِّ والإطراء والحكايات غير الموثَّقة، لضعف الصِّلة بالمصادر الأصيلة وقلَّة التَّمكُّن من تمييز الرِّوايات الصَّحيحة والضَّعيفة. ويتتبَّع انتقال التَّأليف من النَّظم التَّقليدي إلى النَّثر البنغالي في القرن التَّاسع عشر، وظهور المصنَّفات التي تناولت السِّيرة النَّبويَّة كاملة، مع بيان أثرها في ثقافة النَّاطقين بالبنغاليَّة وما بقي فيها من أخطاء وأخبار موضوعة.
ويستعرض مؤلَّفات غير المسلمين في السِّيرة النَّبويَّة، ولا سيَّما كتابات جماعة «برهما سماج» الهندوسيَّة والمنصِّرين، محلِّلًا ما تضمَّنته من طعون وشبهات، أو محاولات للتَّقريب بين الإسلام والهندوسيَّة بتغيير المصطلحات الإسلاميَّة وإخضاع بعض المفاهيم العقديَّة للتَّصوُّرات الهندوسيَّة، مع التَّمييز بين الكُتَّاب الذين أساؤوا إلى السِّيرة النَّبويَّة والذين تناولوا شخصيَّة النَّبي صلى الله عليه وسلم بالتَّقدير والاحترام. ويعرض ما واجه به علماء المسلمين هذه الكتابات من ردود ومصنَّفات، ثمَّ يحلِّل أبرز المؤلَّفات البنغاليَّة الأصيلة، ومنها «سيرة حضرة محمَّد صلى الله عليه وسلم وآراؤه الدِّينيَّة» لعبد الرَّحيم، و«سيرة المصطفى» لمحمَّد أكرم خان، و«النَّبي العالمي» لغلام مصطفى، و«حضرة الرَّسول الكريم صلى الله عليه وسلم: حياته وتعاليمه» الذي أعدَّه باحثو المؤسَّسة الإسلاميَّة ببنغلاديش. ويوازن بين ما امتازت به هذه الكتب من حسن التَّرتيب والأسلوب الأدبي والدِّفاع عن السِّيرة النَّبويَّة، وما وقع فيه بعضها من الاعتماد على الرِّوايات الواهية، أو الغلوِّ في وصف النَّبي صلى الله عليه وسلم، أو إنكار بعض المعجزات الثَّابتة تأثُّرًا بالاتِّجاه العقلي. ويتناول كذلك المصنَّفات التي اختصَّت بجوانب معيَّنة من السِّيرة، كالبشارات بالنَّبي صلى الله عليه وسلم في الكتب الدِّينيَّة السَّابقة، والمولد والمعجزات والمغازي والشَّمائل والأخلاق والحياة الأسريَّة والسِّياسة النَّبويَّة، ويناقش ما ورد في بعض كتب البشارات من نصوص منسوبة إلى الدِّيانات الهندوسيَّة، وما يحيط بها من إشكالات. ويفرد عنايةً بمؤلَّفات السِّيرة الموجَّهة إلى الأطفال، مبيِّنًا خصائصها اللُّغويَّة والتَّربويَّة ومدى سلامتها من الأخبار الضَّعيفة والموضوعة.
ويتتبَّع حركة ترجمة كتب السِّيرة النَّبويَّة إلى البنغاليَّة من العربيَّة والفارسيَّة والأرديَّة والإنجليزيَّة، ويعرض أبرز الأعمال المترجمة، ومنها «سيرة ابن هشام» و«زاد المعاد» و«الرَّحيق المختوم» و«السِّيرة النَّبويَّة» لشبلي النُّعماني وسليمان النَّدوي، و«رحمة للعالمين» لسليمان المنصورفوري، و«نبي الرَّحمة» لأبي الحسن النَّدوي، إلى جانب الكتب التي تناولت المعجزات والأخلاق والهدي النَّبوي. ويناقش أمانة المترجمين، وسلامة نقل الأسماء والوقائع والمصطلحات، وما أحدثته التَّرجمة بواسطة لغة أخرى من أخطاء في بعض الأعمال، فضلًا عن المشكلات المتعلِّقة بنقل الرِّوايات الضَّعيفة أو الآراء العقديَّة المخالفة دون تحقيق أو تعقيب. ويبيِّن تفاوت التَّرجمات بين ما امتاز منها بالدِّقَّة وحسن البيان، وما احتاج إلى مراجعة وتصحيح. ثمَّ يتناول الاتِّجاهات الحديثة في دراسة السِّيرة النَّبويَّة باللغة البنغاليَّة، وما شهدته من انتقال من مجرَّد سرد الوقائع إلى فقه السِّيرة واستخلاص الدُّروس والأحكام منها، مستعرضًا جهود المؤسَّسات العلميَّة والثَّقافيَّة والمجلَّات الإسلاميَّة في نشر البحوث المتعلِّقة بهدي النَّبي صلى الله عليه وسلم في التَّربية والتَّعامل مع الأطفال والأزواج وغير المسلمين، وإدارة الدَّولة والدِّفاع عنها وسائر شؤون الحياة، مع إبراز تطوُّر العناية بالتَّوثيق والتَّحقيق العلمي في الدِّراسات البنغاليَّة المعاصرة.