يروي أبو شيخ محمد بن الحسين البرجلاني في «الكرم والجود وسخاء النفوس» مجموعةً من الأحاديث النبويَّة والآثار والأخبار المسندة في فضائل الكرم والسخاء وحسن الخلق، وما يتَّصل بها من إكرام الضيف وإطعام الطعام والعفو والصفح وبذل المال والإحسان إلى الناس. ويبدأ بحديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمِّم صالح الأخلاق»، ثمَّ يُورد أخبارًا في شمائله وأخلاقه، وما عُرف به من الحياء والكرم وحسن المعاملة والتجاوز عن إساءة الآخرين. ويجمع إلى ذلك أقوال الصحابة والتابعين وأخبار العلماء والعبَّاد في السخاء والمروءة، مثبتًا الروايات بأسانيدها إلى من نقلها، وتُروى هذه المادة من طريق أبي عبد الله الحسين بن محمد المعروف بابن العسكري، عن أحمد بن مسروق، عن البرجلاني.
ويتناول فضل حسن الخلق ومنزلته في الإسلام، فيُورد ما رُوي عن عائشة رضي الله عنها في وصف أخلاق النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّ خُلُقه كان القرآن، وما ورد في عفوه وصفحه وتركه مقابلة الإساءة بمثلها. ويذكر أحاديث في فضل الحياء والحلم والرِّفق، والتحذير من الفحش والبذاءة والجفاء، وما رُوي عن الصحابة في أثر حسن الخلق في نيل رضا الله تعالى. كما يورد أخبارًا في صلة الأرحام والإحسان إلى من يقطعها، والعفو عمَّن يظلم، وضبط اللسان عند الخصومة، والحثِّ على مصاحبة أهل التقوى والأمانة.
ثمَّ ينتقل إلى إكرام الضيف وإطعام الإخوان، فيروي أخبارًا عن عليِّ بن أبي طالب وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، وغيرهم من الصحابة والتابعين، تُظهر عنايتهم بمشاركة الآخرين الطعام وإيثارهم بما لديهم. ويذكر ما كان يفعله الحسن البصري وخيثمة بن عبد الرحمن ومحمد بن سيرين من تقديم الطعام لإخوانهم والاحتفاء بهم، وما رُوي عن الحسين بن عليٍّ رضي الله عنهما من إكرام ضيفه بالطعام والطِّيب والمال. ويتناول آداب الضيافة، ومنها تعجيل تقديم الطعام، وعدم انتظار التكلُّف لإكرام الضيف، وألَّا يحتقر المضيف ما عنده أو يزدري الضيف ما يُقدَّم إليه.
ويجمع أخبارًا في سخاء العلماء وأهل الفضل، منها ما نُقل عن مجلس ابن عبَّاس رضي الله عنهما من اجتماع طُلَّاب القرآن والفقه واللغة والشعر، وما كان فيه من سعة الضيافة. ويُورد أخبارًا عن حمَّاد بن أبي سليمان، وما عُرف به من كثرة الإنفاق وإطعام الناس، ولا سيَّما تفطير الصائمين في رمضان وكسوتهم وإعطاؤهم المال عند العيد. ويذكر نماذج من إعانة المحتاجين وقضاء ديونهم، وبذل المال للسائلين، ومكافأة من يؤدِّي خدمة، والتجاوز عن الديون أو التنازل عن بعض الحقوق إكرامًا للآخرين.
وتتخلَّل الروايات أقوالٌ وحِكم في المروءة والتكرُّم واحتمال الأذى، وأخبارٌ تُبيِّن أنَّ السخاء لا يقتصر على كثرة المال والإنفاق، بل يشمل طيب المعاشرة وسعة الصدر وحسن الضيافة والصفح عن المسيء. ويعرض البرجلاني هذه المعاني من خلال المرويَّات نفسها، دون تفصيل نظريٍّ مطوَّل، جامعًا بين ما ورد من التوجيه النبويِّ في مكارم الأخلاق وما نُقل من تطبيقاتها في حياة الصحابة والتابعين والعلماء.