يردُّ أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده في هذا الكتاب على من ينفي أن تكون حروف القرآن الكريم من كلام الله عزَّ وجلَّ، ويجعل الحروف التي تُتلى وتُسمع وتُكتب مخلوقةً، أو يفرِّق بين القرآن وما يُقرأ منه. ويعتمد في تقرير مذهبه على الأحاديث النبويَّة والآثار المرويَّة عن الصحابة والتابعين، ولا سيَّما حديث فضل تلاوة القرآن الذي ورد فيه أنَّ للقارئ بكلِّ حرف عشر حسنات، وأنَّ «الم» ليست حرفًا واحدًا، بل الألف حرف واللام حرف والميم حرف، ولكلِّ واحد منها عشر حسنات. ويجعل هذا الحديث أصلًا في الردِّ على من يعدُّ «الم» حرفًا واحدًا، أو يرى أنَّ الحروف المنطوقة ليست من القرآن نفسه.
ويمهِّد بأحاديث وآثار في لزوم السُّنَّة وترك الغلوِّ والبدع، ثمَّ يعقد بابًا فيما تُعرف به السُّنَّة من البدعة في الحروف، فيورد حديث ابن مسعود رضي الله عنه من طرق متعدِّدة، ويقارن بين ألفاظ رواته، ويذكر من رفعه إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومن وقفه على ابن مسعود. ويؤكِّد أنَّ الروايات تتَّفق على عدِّ الألف واللام والميم حروفًا مستقلَّةً في حساب ثواب التلاوة، ويناقش ما يراه من تحريف دلالة الحديث بالتفريق بين الحرف المقروء والقرآن المتلوِّ، أو بجعل الأجر متعلِّقًا بقرآن آخر غير الحروف التي ينطق بها القارئ.
ثمَّ يبحث العلاقة بين اللسان والقرآن، وما يُكتب للإنسان من الحسنات بتلاوة حروفه، مستدلًّا بقوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾، وبالآثار التي تذكر ثواب قراءة الحرف الواحد. ويورد أقوالًا عن ابن مسعود وابن عمر وعليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهم، ومحمد بن كعب القرظي ويوسف بن أسباط وغيرهم، في فضل تعلُّم القرآن وتلاوته. ويُناقش التفريق بين الحرف والكلمة والآية والسورة، وبين القرآن والكتاب، مستشهدًا بالروايات التي تستعمل لفظ «القرآن» في موضع و«كتاب الله» في موضع آخر للدلالة على المقروء نفسه.
ويعقد بابين مستقلَّين للردِّ على من ينفي الحروف عن القرآن أو عن الكتاب، فيورد أخبارًا تنصُّ على أنَّ الحروف المفردة من القرآن، ومنها الألف واللام والميم، ويُناقش القول بأنَّ الحروف مجرَّد علامات تدلُّ على كلام آخر لا يُتلى ولا يُسمع. ويؤكِّد أنَّ القرآن والكتاب اسمان للكلام المنزل نفسه، وأنَّ الحروف المقروءة داخلة فيه، ولا يصحُّ عنده إثبات قرآن مغاير لها. ويورد في آخر الرسالة أثرًا منسوبًا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في النهي عن الخوض في القدر والأمر بالاشتغال بتلاوة القرآن، ثمَّ يختم بأبيات شعريَّة في ذمِّ أهل الكلام والردِّ على القائلين بخلق القرآن ونفي الحروف عن كلام الله عزَّ وجلَّ.