نبذة عن الكتاب:
يجمع محمد بن مبارك حكيمي في هذا الكتاب الأحاديث النبويَّة والآثار والفتاوى المرويَّة عن الصحابة رضي الله عنهم في أبواب الفقه العملي، مرتِّبًا إيَّاها بحسب المسائل التي يحتاج إليها المسلم في عباداته ومعاملاته وسائر شؤون حياته. ويعتمد على استخراج الروايات من كتب الحديث والمصنَّفات والمسانيد والسُّنن، مع إثبات أسانيدها، وجمع طرقها وألفاظها المختلفة، وبيان ما يصحُّ منها وما يضعف، والتنبيه على علل بعض الأخبار وما وقع في نقلها من أوهام. ويُصدِّر الأبواب بالأحاديث النبويَّة التي تُؤصِّل لأحكامها، ثمَّ يورد ما ثبت عن الصحابة من أقوال وأفعال وفتاوى، ليُعرف ما كانوا عليه من العمل، وما اتَّفقوا فيه أو اختلفوا، دون الالتزام بترجيح مذهب فقهي معيَّن أو التوسُّع في تعليل الأحكام.
ويمهِّد ببيان منزلة فقه الصحابة في معرفة السُّنَّة، وأهمِّيَّة الرجوع إلى أعمالهم وفتاواهم لفهم مراد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم من أوامره ونواهيه، والتمييز بين ما قصد به التشريع وما لم يُقصد به ذلك. ويذكر أعيان المفتين منهم، وفي مقدِّمتهم عمر وعليٌّ وابن مسعود وأُبيُّ بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهم، ثمَّ من اشتهر بالفتيا بعدهم، كابن عبَّاس وابن عمر وعائشة وأبي هريرة وغيرهم. ويُبيِّن أهمِّيَّة معرفة أصحاب كلِّ صحابي ممَّن حفظوا فقهه ونقلوا مذهبه، كعلقمة والأسود ومسروق في رواية فقه ابن مسعود، والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن في رواية علم عائشة. ويستعين بهذه المعرفة في المفاضلة بين الروايات المتعارضة، والكشف عن الأقوال التي نُسبت إلى بعض الصحابة ولم تثبت عنهم، مع التأكيد على أنَّ جانبًا من السُّنَّة حُفظ بأعمالهم وآثارهم الموقوفة، لا بالأحاديث المرفوعة وحدها.
ويبدأ أبوابه الفقهيَّة بكتاب الطُّهور، فيتناول أحكام قضاء الحاجة والاستنجاء والاستجمار، والوضوء ونواقضه، والغسل والتيمُّم، والمسح على الخفَّين، وأحكام المياه والنجاسات والحيض والنفاس. ويُورد في المسألة الواحدة ما نُقل عن عدد من الصحابة، مع بيان اختلافهم في التطبيق أو الفتوى، وما يصحُّ من الأخبار المنسوبة إليهم. ثمَّ يتوسَّع في أبواب الأذان والصلاة، فيذكر صفة الأذان والإقامة ومواقيت الصلوات، وشروط الصلاة وأركانها وهيئاتها، والقراءة والركوع والسجود والتشهُّد والتسليم، وما يتعلَّق بالجماعة والإمامة والاقتداء والتطوُّع. ويفرد مسائل للسهو وسجوده والقنوت، وأحكام الجمعة والعيدين والجنائز، وقصر الصلاة وجمعها في السفر، وصلوات النوازل، مع إيراد الروايات المتعدِّدة في المسائل التي اختلف فيها الصحابة والتابعون.
ويُخصِّص كتبًا للزكاة والصدقات والصيام والحجِّ والعمرة، فيعرض أحكام الأموال الزكويَّة وأنصبتها ومقادير الواجب فيها، ومصارف الصدقة وأحكام العاملين عليها، وما رُوي في صدقة الفطر. ويتناول ثبوت الأهِلَّة ونيَّة الصيام والسُّحور والإفطار والمفطِّرات والقضاء والكفَّارات والاعتكاف وصيام التطوُّع، وما نُقل عن الصحابة في اختلاف أحوال الصائمين. ثمَّ يذكر أحكام الإحرام والمواقيت والطواف والسعي والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنًى ورمي الجمار والحلق والتقصير، وما يتعلَّق بالهدي والفدية ومحظورات الإحرام، مستندًا إلى أحاديث حجَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأعمال أصحابه وفتاواهم في المناسك.
وينتقل إلى أبواب النكاح والعِشرة والطَّلاق والعِدَّة، فيورد أحكام الخطبة والولاية والمهر والدخول والحقوق الزوجيَّة، وما يتعلَّق بالرَّضاع والمحارم والجمع بين النساء، ثمَّ يُناقش صور الطَّلاق وألفاظه والكنايات والأيمان المتعلِّقة به، والخلع والرَّجعة والظِّهار والإيلاء والعدد والاستبراء. ويجمع في ذلك فتاوى الصحابة في المسائل التي وقع فيها الاختلاف، مع تتبُّع الروايات المتعارضة عن الصحابي الواحد، وبيان ما ثبت منها وما لم يثبت. ويتناول بعد ذلك أحكام البيوع والمعاملات الماليَّة، ومنها الرِّبا والصَّرف والغرر وبيع الثمار والشروط والخيارات، وأحكام الديون والإفلاس والضمانات، ثمَّ الهبات والعُمري والرُّقبى والأوقاف وعطايا الأولاد واللقطة والضوالِّ.
ويُفرد كتبًا للأطعمة والأشربة والصيد والذبائح، فيبحث أحكام التذكية والصيد بآلاته المختلفة، وذبائح أهل الكتاب، واللحوم المحرَّمة والمشتبه فيها، وآداب الأكل والشرب. ويتناول أحكام اللِّباس والزينة والاستئذان، ومنها استعمال الذهب والفضَّة والحليِّ والخواتم، والتصاوير والتجمُّل والاختضاب وأحكام العورات. ثمَّ يجمع مسائل المواريث والوصايا، فيورد أنصبة الورثة، وأحكام الجدِّ والإخوة وأولاد الأبناء وذوي الأرحام والعَول والرَّدِّ، وما نُقل عن فقهاء الصحابة في مسائل الفرائض المختلفة.
ويتناول كذلك أحكام الحدود والجنايات والدِّيات والأيمان والنذور، فيورد ما ثبت عن الصحابة في إقامة الحدود وشروطها، والقصاص في النفس وما دونها، وتقدير الدِّيات والأروش، والكفَّارات وأحكام الحنث والنذر. ويخصِّص كتابًا للمغازي وسُننها، فيذكر أحكام الجهاد والشهادة والغنائم والأسرى وما يتعلَّق بسير الجيوش، ثمَّ يبحث في كتاب الأقضية صفات القاضي وآداب القضاء وطرق إثبات الحقوق والبيِّنات والأحكام المتعلِّقة بالخصومات. ويُتبع ذلك بكتب في الطبِّ والرُّقى، وتعبير الرؤى، والذِّكر والدعوات، فيجمع الأحاديث والآثار المتعلِّقة بالتداوي وعيادة المرضى والرُّقية، وآداب الرؤيا وتعبيرها، والأذكار المأثورة في الصلاة والصباح والمساء وسائر الأحوال.
ويعتني المؤلِّف في جميع هذه الأبواب بتخريج الأقوال الفقهيَّة المنسوبة إلى الصحابة، ولا يقتصر على نقل المشهور منها في كتب المذاهب، بل يتتبَّع أصولها المسندة، ويُقابل الروايات بعضها ببعض، ويُبيِّن ما وقع فيها من انقطاع أو إرسال أو اختلاف في الرجال والمتون، مستعينًا بأحكام أئمَّة الحديث ومناهجهم في النقد. كما يورد الروايات الضعيفة أحيانًا لبيان عللها، أو لإمكان الاعتبار بها عند وجود الشواهد والمتابعات، ويميِّز بين ثبوت الخبر وثبوت نسبته إلى الصحابي الذي يُحتجُّ بفتواه. ويهدف من هذا الجمع إلى تقريب فقه الصحابة رضي الله عنهم وطرق استدلالهم لطالب العلم، وإتاحة النظر في مجموع الأحاديث والآثار المتعلِّقة بالمسألة قبل الحكم فيها، وإظهار ما كان عليه العمل في القرون الأولى من الإسلام.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها: