يجمع أبو منصور عبد الملك بن محمَّد الثَّعالبي في كتاب «من غاب عنه المُطْرِب» مختارات من بدائع الشِّعر والنَّثر العربيِّ، ينتقيها ممَّا استحسنه من أقوال الشُّعراء والكتَّاب والبلغاء في وصف المحاسن ومباهج الحياة، والغزل والإخوانيَّات والمديح، وما يتَّصل بالطَّبيعة والفصول والأزمنة ومجالس الأنس والطَّرب. ويجعل الإطراب معيارًا لاختياره، فيميِّز بين الكلام الذي يُعجب بحسن لفظه ومعناه والكلام الذي يتجاوز الإعجاب إلى تحريك النَّفس وإثارة الشَّوق والسرور. ويرتِّب مختاراته في سبعة أبواب، يُقسِّمها إلى فصول بحسب الموضوعات والأوصاف، ويجمع في كلِّ فصل بين المنثور والمنظوم أو يُفرد لكلٍّ منهما موضعًا. وينقل عن الصَّاحب بن عبَّاد وابن المعتز والبحتريِّ وابن الرُّومي والصَّنوبريِّ وكشاجم وأبي نواس وأبي تمَّام والمتنبِّي وأبي فراس الحمدانيِّ وغيرهم، ويُضمِّن الكتاب أبياتًا من نظمه، وما سمعه أو أنشده له بعض معاصريه. ويُبدي أحكامه على المختارات بعبارات التَّفضيل والاستحسان، فيصف بعضها بالحسن والملاحة والظَّرف، ويُقدِّم ما يجده أبلغ وأشدَّ إطرابًا على غيره، مع الإشارة أحيانًا إلى اقتباس بعض الشُّعراء معاني سابقيهم أو أخذها منهم.
ويبدأ بوصف الخطِّ والبلاغة وما يجري مجراهما، فيختار من النَّثر والشِّعر ما يُصوِّر جمال الكتابة وحسن الخطِّ وتناسق الحروف، ويورد التَّشبيهات التي تجعل المداد مسكًا، والحروف جواهر، والصَّحائف رياضًا مزخرفة، ويصل بين جمال الخطِّ وجمال صاحبه، ولا سيَّما في أوصاف الكتَّاب الحسان. ويتناول بلاغة الكلام وحسن وقعه في النُّفوس، فينقل من عبارات الصَّاحب بن عبَّاد وغيره ما يشبِّه رِقَّة الألفاظ بنسيم الصَّبا، وعذوبة المعاني بالشَّهد، وسلاسة البيان بجريان الماء، ثمَّ يورد أبياتًا في وصف فصاحة المتكلِّمين وجودة الخطاب، وما يُحدثه الكلام البليغ من تأثير في السَّامعين. ويخصُّ الكتب البليغة بفصول يذكر فيها ما قيل في جمال الرَّسائل وحسن موقعها من القلوب، فيُصوِّر الكتاب رسولًا للمودَّة، ومبعثًا للأُنس، وعوضًا عن لقاء الغائب، وينقل أشعارًا في الابتهاج بوصول الرَّسائل وتكرار قراءتها والاستمتاع بما تضمَّنته من المعاني. ويختم هذا الباب بأوصاف الشِّعر الحسن، وما قيل في عذوبة نظمه وحلاوة إنشاده وقدرته على استمالة النُّفوس، مع إبراز الصُّور التي تُشبِّه الأبيات باللآلئ المنظومة والجواهر المنتقاة.
ويُفصِّل في أوصاف الرَّبيع وآثاره وسائر فصول السَّنة، فيجمع ما قيل في بهجة الرَّبيع واعتدال هوائه، وتجدد خضرة الأرض وتفتُّح الأزهار وتغريد الطُّيور، ويورد من أوصافه المنثورة والمنظومة ما يصوِّر الأرض وقد اكتست حللًا من الحرير والوشي، والأغصان وهي تتمايل كقدود الحسان، والرِّياض وهي تبتسم بعد بكاء السَّحاب. وينتقي أشعار ابن المعتز والبحتريِّ والصَّنوبريِّ وغيرهم في المفاضلة بين الرَّبيع وسائر الفصول، وفي وصف نسائمه وطيبه وأثره في تنشيط النُّفوس واستدعاء الأُنس. ويُخصِّص فصولًا لتشبيه محاسن الرَّبيع بأخلاق الإخوان والسَّادة، فيجعل اعتدال الجوِّ شبيهًا بحسن الخلق، ومطر السَّحاب نظيرًا لجود الكريم، ونضارة الأزهار مماثلةً لبشاشة الوجه. ويتناول البساتين والرِّياض وما تتضمَّنه من ألوان النَّبات والزَّهر، فيورد أوصاف الورد والنَّرجس والسَّوسن والأقحوان والشَّقائق والياسمين والآس والسَّرو، وما ابتكره الشُّعراء من تشبيهها بالخدود والعيون والثُّغور والحليِّ والثِّياب الموشَّاة. ويجمع أشعارًا في غناء الحمائم والبلابل والقماريِّ بين الأشجار، وما توحي به أصواتها من الطَّرب أو تثيره من ذكريات الفراق والشَّوق.
ويتناول المطر والسَّحاب والرَّعد والبرق، فيختار أوصاف الغيوم المتراكمة والبروق اللَّامعة وقطرات المطر المتساقطة على الأرض، وما يُشبِّه به الشُّعراء هذه الظَّواهر من دموع العشَّاق وابتسامات الأحبَّة ورايات الجيوش وحركات الكفوف. ويورد أبياتًا في الاستمتاع بأوقات الغيم والدَّجَن، وما يتَّصل بها من مجالس الشُّرب والأنس ودعوة الإخوان إلى الاجتماع. ثمَّ ينتقل إلى الصَّيف وحرارته، فيختار ما يشبِّه شدَّة القيظ بالوجد والاشتياق ونار الفراق، ويورد أشعارًا في وصف الهواجر والرَّمضاء وما يعانيه المسافرون في الحرِّ. ويبحث في الخريف وما يتَّصف به من اعتدال الهواء وطيب الثِّمار، ويخصُّ الأترُجَّ والنَّارَنْج والتُّفَّاح بفصول تجمع أوصاف ألوانها وروائحها ومذاقها، وما يُشبِّه به الشُّعراء هذه الثِّمار من الذَّهب والفضَّة والوجنات والخدود، مع إيراد رسائل لطيفة في إهدائها والتَّغزُّل بمحاسنها. ويتناول الشِّتاء وآثاره، فيجمع أشعارًا في شدَّة البرد ونزول الثَّلج، وما صوَّره الشُّعراء من تحوُّل الأرض والأشجار إلى بياض يشبه الكافور واللُّؤلؤ والفضَّة، وما اقترن بهذه المناظر من وصف مجالس الأنس والشُّرب في الأيَّام الباردة.
ويجمع في أوصاف اللَّيالي والأيَّام وأوقاتهما والآثار العُلويَّة ما قيل في اللَّيالي الطَّيِّبة القصيرة التي تمرُّ سريعًا على أهل الأنس والوصال، واللَّيالي الطَّويلة التي يثقل امتدادها على المحبِّين والمفارقين. ويورد أشعارًا في تفاوت الإحساس بطول اللَّيل وقصره بحسب أحوال النُّفوس، فيقصر على صاحب السُّرور ويطول على صاحب الهمِّ والسَّهر، وينقل من أوصاف النُّجوم ما يجعلها عيونًا ساهرةً أو جواهر منثورةً في بساط الظَّلام. ويتناول الهلال والبدر والقمر، فيختار التَّشبيهات التي تصوِّر الهلال زورقًا من فضَّة أو قوسًا دقيقًا، والبدر وجهًا مضيئًا أو مرآةً للسَّماء، وما يتعلَّق بظهورهما من صور الجمال والشَّوق. ويُفرد فصولًا للصُّبح وانبلاج ضوئه، وللشَّمس وإشراقها وامتداد أشعَّتها، وللأيام الممطرة وما يصاحبها من تغيُّر ألوان السَّماء والأرض. ويجمع رسائل الاستزارة التي يُدعى فيها الأصدقاء إلى اغتنام طيب الجوِّ وحسن الوقت، فينقل عبارات تجمع بين وصف الطَّبيعة والتَّشويق إلى الاجتماع. ويتناول التَّأسُّف على الأيَّام السَّالفة وما مضى من أوقات الشَّباب والأنس، ويختار ما قيل في الحنين إلى المجالس القديمة وتمنِّي عودة اللَّيالي التي اجتمعت فيها لذَّات الصُّحبة وصفاء العيش.
ويُفصِّل في الغزل وما يجانسه، فيبدأ بما عدَّه الشُّعراء والنُّقَّاد من أغزل الأبيات العربيَّة، وينقل اختلاف أذواقهم في تفضيل شعر جرير والعبَّاس بن الأحنف وأبي الشِّيص والمتنبِّي وغيرهم، وما تضمَّنته أشعارهم من وصف سلطان الهوى والتَّعلُّق بالمحبوب والصَّبر على الهجر والملام. ويتناول أوصاف محاسن المحبوب، فيُخصِّص فصولًا للشَّعر وما يُشبَّه به من اللَّيل والظِّلال، والعيون وما فيها من فتور وسحر، والثُّغور وما تُشبَّه به من الدُّرِّ والبَرَد والعقيق، ثمَّ يجمع الأبيات التي تضمُّ عدَّة تشبيهات في وصف الوجه والخدِّ والقدِّ والرِّيق وسائر المحاسن. ويورد مختارات من أوصاف النِّساء نثرًا، وما ابتكره البلغاء من تصوير الجمال بألفاظ الرَّوض والبدر والغصن والشَّمس والأزهار. ويتناول كذلك الغزل بالغلمان، فيختار أوصاف جمال الوجوه والقُدود، وما قيل في أحوال الغلمان وأفعالهم، من الكتابة والسِّقاية والملاحة والدَّلال، ويتوسَّع في وصف الصُّدغ والشَّارب والعِذار واللَّحظ، وما أحدثه ظهور الشَّعر في الوجوه من معانٍ وتشبيهات شعريَّة. ويُضمِّن هذه الفصول أحكامًا نقديَّةً على الأبيات، فيوازن بين التَّشبيهات من حيث اللَّطافة والغرابة وحسن التَّناسب بين المشبَّه والمشبَّه به.
وينتقل إلى الخمريَّات وما يتَّصل بها، فيجمع ما ورد في مدح النَّبيذ والخمر من أقوال الأدباء والحكماء والشُّعراء، وما وصفوا به الشَّراب من إزالة الهموم وإثارة السُّرور وبعث السَّخاء. ويختار عبارات منثورة تصوِّر صفاء الخمر وحمرة لونها ورِقَّة قوامها وحسن منظرها في الأقداح، مع ما ورد في تشبيهها بالنَّار والياقوت والشَّمس والورد. ويتناول السَّماع والغناء وما قيل في لذَّتهما وتأثير الألحان في النُّفوس، فينقل أقوالًا في فضل السَّماع وأثره في إحداث الطَّرب والشَّوق، وأشعارًا تجمع بين أصوات النَّاي والعود ومجالس الشُّرب. ويُخصِّص فصولًا لأوصاف النُّدماء وحسن معاشرتهم وظرفهم ولباقتهم، وما يبعثونه من السُّرور في مجالس الأنس، ثمَّ يورد أشعارًا تجعل الشَّراب وسيلةً لدفع الأحزان ومقاومة تقلُّبات الزَّمان. ويتناول أوصاف السُّقاة وما اجتمع لهم من حسن الصُّورة ورِقَّة الحركة، وما شبَّه به الشُّعراء الخمرَ عند دورانها في الأقداح، ويختار أبياتًا في الشَّراب المطبوخ وصفائه وحمرته. ويشير في بعض هذه المختارات إلى انتقال المعاني بين الشُّعراء، فيقارن بين بيت لأبي مطران الشَّاشي وأبيات لابن المعتز، وينبِّه إلى سبق أحدهما الآخر إلى المعنى الذي استحسنه.
ويبحث في الإخوانيَّات والمدح وما يضاف إليهما، فيجمع أقوال الأدباء في فضل الإخوان والأصدقاء، وما تؤدِّيه الصُّحبة الصَّادقة من ترويح للنُّفوس وتخفيف للهموم، ويورد ما قيل في تقديم المودَّة على القرابة، ودوام المحبَّة مع البُعد، وارتباط القلوب وإن تفرَّقت الأجساد. ويختار من شعر أبي تمَّام وابن المعتز وعبد الله بن طاهر وغيرهم ما يصوِّر منزلة الصَّديق، وحفظ العهد، والتَّسامح عن الزَّلَّات، وما يستوجبه الإخاء من الوفاء والإيثار. ويتناول الشَّوق إلى الأصدقاء عند الغيبة والفراق، وما يبعثه تأخُّر اللِّقاء من الحزن والحنين، فيجمع عبارات نثريَّة وأبياتًا تتمنَّى حضور الغائب وتصف مكانته في القلب. ويُفرد فصلًا للعتاب والاستزادة من المودَّة، فيورد ما قيل في أنَّ العتاب دليل على بقاء المحبَّة، ويميِّز بين عتاب الصَّديق الذي يُرجى إصلاحه وعتاب الملول الذي لا ينفع معه التَّذكير، مع اختيار الأبيات التي تصوِّر الجفاء والتَّقصير في حفظ الصُّحبة وما يترتَّب عليهما من شكوى وألم.
ويجمع في الباب الأخير فنونًا مختلفة من الشِّعر والنَّثر، فيبدأ بما قيل في الشَّباب والشَّيب، وما يصاحب الشَّباب من قوَّة وميل إلى اللَّهو والطَّرب، وما يثيره ظهور الشَّيب من التَّحسُّر على الأيَّام الماضية أو الرَّغبة في اغتنام ما بقي من العمر. ويختار أبياتًا تصوِّر الشَّيب أثرًا للهموم والفراق لا لتقدُّم السِّنِّ وحده، وأخرى تجمع بين الشَّيب واستمرار الميل إلى المتع والمسرَّات. ويتناول أقوال الملوك والسَّادة التي تدلُّ على الحِلم والكرم والعفو وسعة الصَّدر، فينقل كلمات منسوبةً إلى معاوية والمهلَّب بن أبي صفرة والمأمون وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، وما اشتملت عليه من معانٍ في الجود وحسن المعاملة وحفظ مكانة النَّاس. ثمَّ يجمع المدائح التي تصوِّر سخاء الممدوح وعلوَّ منزلته وشرف أخلاقه، وما ابتكره الشُّعراء من المبالغة في تشبيه جوده بالبحر والغيث، مع المفاضلة بينه وبين صور الكرم المعتادة. ويورد مدائح لأصحاب بعض الصِّناعات، ومنها الطِّبُّ والفَصْد والحلاقة والتَّنجيم، وما استعمله الشُّعراء في وصف مهارتهم من صور الطِّباق والتَّشبيه والتَّورية. ويختم الكتاب بمختارات من غرر الأبيات والشَّوارد في وصف الشَّمع والغزل والهوى والدُّموع والخمر واللَّيالي والنَّسيم، ينتقيها من شعر الصَّاحب بن عبَّاد وأبي إسحاق الصَّابي والمتنبِّي وجحظة البرمكيِّ والسَّرِيِّ الرَّفَّاء وغيرهم، جامعًا بين لطافة المعنى وحسن التَّصوير وما يُحدثه البيت من إطراب.