يُبيِّن أبو عبد الرحمن محمَّد بن الحسين السُّلَمي النَّيسابوري في كتاب «آداب الصُّحبة» ما تقتضيه أخوَّة المؤمنين من حقوق وآداب في المعاشرة، مستدلًّا بالآيات القرآنيَّة والأحاديث النَّبويَّة، وراويًا بأسانيده آثار الصَّحابة رضي الله عنهم وأقوال الزُّهَّاد ومشايخ التَّصوُّف وحكاياتهم وأشعارهم. ويبدأ ببيان التَّوادِّ والتَّراحم والتَّعاون بين المؤمنين، وأثر الصُّحبة في دين الإنسان وأخلاقه، فيحثُّ على معاشرة أهل الصَّلاح ويحذِّر من صحبة أهل الهوى والجهل وطلَّاب الدُّنيا. ويميِّز بين آداب معاشرة المشايخ والأكابر بالتَّوقير والخدمة، ومعاشرة الأقران بالنَّصيحة والبذل، ومعاشرة المريدين بالتَّعليم والتَّأديب. ويؤكِّد ضرورة ستر عيوب الإخوان، والتماس الأعذار لهم، والصَّفح عن زلَّاتهم، وحمل أقوالهم وأفعالهم على أحسن المحامل، مع اجتناب الحسد والحقد والكِبر وسوء الظَّنِّ.
ويحثُّ على حفظ المودَّة والوفاء بالعهود والوعود، وصيانة أسرار الأصدقاء، ونصحهم دون مداهنة، والدِّفاع عنهم، ومواساتهم بالمال، وإيثارهم وقضاء حوائجهم، ومشاورتهم وقبول نصائحهم. ويُرشد إلى آداب اللِّقاء والسَّلام والمجالس والزِّيارة والاستئذان والمراسلة والضِّيافة، وتفقُّد أحوال الإخوان والسُّؤال عنهم، والصَّبر على جفائهم، والثَّبات على مودَّتهم وإن تغيَّرت الأحوال. ويحذِّر من الخصومة وإيذاء المؤمنين وقطع الصَّداقة لأسباب الدُّنيا، ويدعو إلى الرِّفق وكظم الغيظ وترك التَّكلُّف. ويربط السُّلَمي حسن الصُّحبة بصلاح الظَّاهر والباطن، فيؤكِّد أنَّ مراعاة آداب المعاشرة لا تنفصل عن الإخلاص والتَّوكُّل والخوف والرَّجاء والرِّضا والصَّبر وسلامة الصَّدر.