يؤرّخ ابن الأبّار القضاعيّ البلنسيّ في كتاب «الحلّة السّيراء» لملوك إفريقية والمغرب والأندلس وأمرائها وولاتها وأبناء بيوت الحكم فيها ممّن عُرفوا بالشّعر أو حُفظ لهم منه شيء. ويجمع في تراجمهم بين أخبار السّلطان ومآثر الأدب، فيذكر الولايات والفتوح والحروب وما تعاقب على أصحابها من عزٍّ وخلعٍ وأسرٍ ووفاة، ثمّ يورد ما نُسب إليهم من قصائد ومقطوعات، مبيّنًا مناسباتها وما اتّصل بها من حوادث. وتكشف هذه الأشعار عن وجوه متباينة من حياتهم، إذ تتردّد فيها معاني الفخر والحماسة والمدح والغزل والوصف والرّثاء والزّهد، وتتبدّل أغراضها بتبدّل أحوال قائليها بين التّمكّن من الملك وفقدانه، وبين الإقبال والإدبار، والنّصر والهزيمة، والإقامة والاغتراب.
وقد حدّد ابن الأبّار في مقدّمته نطاق اختياره، فابتدأ بمن دخلوا إفريقية من رجال الصّدر الأوّل، لصلتهم بفتوحها وتاريخ ولايتها، ثمّ أتبعهم بملوك المغرب وأمرائه وولاة الأندلس وحكّامها منذ دخولها في سلطان المسلمين. ورتّب التّراجم على تعاقب القرون الهجريّة، مبتدئًا بالمائة الأولى، مع مراعاة مراتب المترجم لهم وصلاتهم بالأحداث السّياسيّة في كلّ عصر. واستفتح بأخبار عمرو بن العاص وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عبّاس وعبد الله بن الزّبير، فأثبت ما يتّصل بمشاركتهم في الفتوح والولايات، وأورد ما وجد لهم من الشّعر، ثمّ مضى في تراجم الخلفاء والولاة وأصحاب الدّول المتعاقبة بإفريقية والمغرب والأندلس. وتتخلّل هذه التّراجم أخبار انتقال الحكم بين الأسر، وما نشب من منازعات على السّلطان، وما ارتبط بذلك من تحالفات وخصومات وثورات، إلى جانب أخبار المجالس الأدبيّة وصلات الأمراء بالشّعراء وما كان للشّعر من حضور في مخاطباتهم ومناسباتهم.
ولا يفصل ابن الأبّار شعر المترجم له عن الحادثة التي قيل فيها، بل يستعين بالأخبار على بيان دواعي النّظم، ويورد القصائد في سياق ما جرى لأصحابها. فقد حفظ من شعر بعض الملوك ما قالوه في الفخر بآبائهم وإظهار بأسهم، وما نظموه في وصف الرّياض ومجالس الأنس، أو عبّروا به عن لوعة الفقد ومرارة المحن. ويعتني عند نقل الأشعار بما وقف عليه من اختلاف رواياتها ونسبتها، فيعزو الأبيات إلى مصادرها من كتب التّاريخ والأدب والدّواوين، ويذكر ما تلقّاه عن شيوخه بالسّماع والرّواية، وقد يعترض على نسبة بعض الأبيات أو يرجّح قولًا على آخر مستندًا إلى ما ثبت لديه من وجوه النّقل. وتظهر عنايته النّقديّة كذلك في استحسان بعض المعاني والتّنبيه على براعة التّصوير، والموازنة بين الأبيات المتقاربة، والكشف عمّا وقع بينها من مشابهة أو اقتباس. ومن ذلك تعقيبه على أبيات نُسبت إلى غير قائلها، واستدلاله برواية تلقّاها عن شيوخه لتصحيح نسبتها، ومقارنته بعض الشّواهد بما يماثلها من أشعار المتقدّمين والمتأخّرين.
ويغلب على تراجم الكتاب الإيجاز وانتقاء ما يستحقّ الإثبات من الأخبار والأشعار، غير أنّ ابن الأبّار قد يستطرد في تفصيل الوقائع إذا اقتضت معرفة أحوال المترجم له ذلك. ويُظهر في أثناء هذه الاستطرادات عنايته بتمييز الرّوايات، فينقل ما اختلف فيه المؤرّخون من أخبار الفتوح والولايات، ويذكر وجوه الخلاف وما يراه أصحّ منها، وقد يصرّح بتوقّفه حيث لا يتبيّن له وجه التّرجيح. ولا يقتصر على المرويّات المكتوبة، بل يستفيد ممّا سمعه وقرأه على شيوخه، ويُثبت أحيانًا ما تفرّد بالوقوف عليه من الشّواهد، ويُنبّه على ما لم يصحّ عنده من الأخبار أو نسب الأشعار. وقد أفرد في آخر الكتاب بابًا لمن لم يعثر لهم على أشعار، فاقتصر على نُخب من أخبارهم، ورتّبهم على القرون كما فعل في سائر التّراجم، ليشمل ذكر من اتّصلت سيرتهم بتاريخ الولايات والحكم وإن لم يقف على شيء من شعرهم.