كتاب الكامل في التاريخ لعز الدين أبي الحسن ابن الأثير الجزري PDF
أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة
أَرَّخ عزُّ الدِّين أبو الحسن ابنُ الأثير الجَزَرِيُّ في كتابه “الكامل في التاريخ” لأخبار الأُمَم والممالك والحوادث منذ ابتداء الخَلْق حتَّى سنة 628هـ، مُتَتَبِّعًا تعاقُبَ الدُّول والملوك، وما جرى في عهودهم من حروبٍ وفتوحاتٍ وثوراتٍ وفِتَنٍ وتحوُّلاتٍ سياسيَّةٍ واجتماعيَّة. وقد قصد إلى تأليف تاريخٍ جامعٍ لأخبار المشرق والمغرب، يتلافى به ما وجده في كتب المؤرِّخين من الإطالة المُفْرِطة أو الاختصار المُخِلِّ، وإهمال أخبار بعض الأقاليم، وتفريق الحادثة الواحدة في مواضعَ مُتَبَاعِدَة. واتَّخذ من «تاريخ الرُّسُل والملوك» للطَّبَرِيِّ أصلًا لما أورده من أخبار العصور المتقدِّمة، فانتقى من رواياته ما رآه أتمَّها، وأضاف إليها ما يُكَمِّلها من الرِّوايات الأخرى، ثمَّ استعان بكتب التَّاريخ المشهورة لاستدراك ما لم يَرِد فيه، وصاغ أخبار الحادثة الواحدة في سياقٍ مُتَّصلٍ يَجْمَع أطرافَها ويُوَضِّح تسلسلَ وقائعها.
ويبدأ بذكر ابتداء الخَلْق وما ورد في أخبار الزَّمان الأوَّل، ثمَّ أخبار الأنبياء عليهم السَّلام والأُمَم القديمة، وما اتَّصل بها من أخبار ملوك الفُرْس وبني إسرائيل والعرب وغيرهم، وصولًا إلى أحوال الجزيرة العربيَّة قبل الإسلام. ويُفَصِّل سيرةَ النبيِّ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، منذ مولده وبعثته إلى هجرته وغزواته وسائر أحداث حياته، ثمَّ خلافةَ الخلفاء الرَّاشدين رضي الله عنهم، وما شَهِدَتْه من فتوحاتٍ واتِّساعٍ للدَّولة الإسلاميَّة، ومن أحداثٍ وفتنٍ وقعت بين المسلمين. ويُوَاصِل تاريخَ الدَّولتين الأُمَوِيَّة والعبَّاسيَّة، مُبَيِّنًا أخبارَ الخلفاء والولاة والقادة، وحركاتِ الخروج والثَّورات، والصِّراعاتِ على الخلافة، وما ترتَّب عليها من تبدُّل موازين القُوَّة وانتقال السُّلطان بين الأُسَر الحاكمة.
وتَتَّسِع مباحثُه لتاريخ الدُّول والممالك التي قامت في أقاليم العالم الإسلاميِّ، ومنها الأغالبة والطُّولونيُّون والإخشيديُّون والفاطميُّون والبُوَيْهِيُّون والسَّامَانيُّون والغَزْنَوِيُّون والسَّلاجقة والزَّنْكيُّون والأيُّوبيُّون، فضلًا عن أخبار الأندلس والمغرب وإفريقيَّة ومصر والشَّام والعراق والجزيرة وخُرَاسَان وغيرها. ويَتَنَاوَل الحروبَ بين المسلمين والرُّوم، ثمَّ الحروبَ الصَّليبيَّة وما صاحبها من حصاراتٍ ومعاركَ واستردادٍ للمدن والحصون، وفي مقدِّمتها أخبارُ نور الدِّين محمود وصلاح الدِّين الأيُّوبيِّ ووقعة حِطِّين وفتح بيت المقدس. ويُورِد في أواخر الكتاب أخبارَ خروج التَّتَر، واجتياحِهم بلادَ المسلمين وما أحدثوه من قتلٍ وتخريبٍ واضطرابٍ، إلى جانب حروب الخُوَارَزْمِيِّين والأيُّوبيِّين وسلاجقة الرُّوم، وما جرى من الوقائع حتَّى نهاية سنة 628هـ.
واعتمد ابنُ الأثير في تاريخ الحوادث الإسلاميَّة ترتيبَ الأخبار على السِّنين، فأفرد للحوادث الكبرى عناوينَ مستقلَّةً، وألحق بها ما يتَّصل بأسبابها ونتائجها ولو امتدَّ وقوعُها إلى أكثر من سنة، وأورد الوقائعَ الصُّغرى في آخر كلِّ سنةٍ تحت عنوان «ذِكْر عِدَّة حوادث»، ثمَّ ذَكَر مَن تُوُفِّي فيها من مشاهير العلماء والأعيان والفُضَلاء. وتتخلَّل الأخبارَ تراجمُ الملوك والأمراء والقادة، ووصفُ المعارك والحصارات، وأحوالُ البلدان وما أصابها من غلاءٍ ومجاعاتٍ وأوبئةٍ وكوارث، مع إيراد الأشعار والرَّسائل وبعض الوقائع ذات الدَّلالة على أخلاق الحُكَّام وتدبيرهم. ويُعَقِّب المؤلِّف في مواضعَ على ما يَرْوِيه، مُبْدِيًا رأيَه في أسباب الحوادث وعواقبها، ومُبْرِزًا ما في التَّاريخ من عِبَرٍ وتجاربَ تتعلَّق بالعَدْل والظُّلْم وتقلُّب الدُّول ومصائر الملوك والأُمَم.
عليّ بن مُحمَّد بن مُحمَّد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشَّيْبَانِيّ الجَزَرِيّ المَوْصِلِيّ، أبو الحسن، عِزّ الدِّين، المعروف بابن الأَثِير: مُؤرِّخٌ ومُحَدِّثٌ ونَسَّابَةٌ وأديبٌ، من كبار مُؤرِّخي الإسلام، وأحد الأئمَّة المُشتغلين بتاريخ الدُّول وأخبار الرِّجال وأنساب العرب. وُلِد بجزيرة ابن عُمَر سنة 555هـ، ونشأ بها في بيت علمٍ ورياسة، وهو أخو مَجْد الدِّين المُبَارَك بن الأَثِير، صاحب «جامع الأُصول» و«النِّهاية في غريب الحديث والأثر»، وضياء الدِّين نصر الله بن الأَثِير، صاحب «المَثَل السَّائِر في أدب الكاتب والشَّاعر». وانتقل مع أسرته إلى المَوْصِل، فتلقَّى العلم وسمع الحديث من جماعةٍ من شيوخها، منهم الخطيب أبو الفضل الطُّوسِيّ، ويحيى بن محمود الثَّقَفِيّ، ومُسْلِم بن عليّ السِّيحِيّ، ورحل إلى بغداد غير مرَّةٍ، حاجًّا ورسولًا من صاحب المَوْصِل، وسمع بها من عبد المُنْعِم بن كُلَيْب، ويَعِيش بن صَدَقَة، وعبد الوَهَّاب بن سُكَيْنَة، كما رحل إلى الشَّام، وسمع بدمشق من أبي القاسم بن صَصْرَى وزَيْن الأُمَنَاء، وحدَّث بدمشق وحلب. وروى عنه ابن الدُّبَيْثِيّ، وشهاب الدِّين القُوصِيّ، وكمال الدِّين ابن العَدِيم، وأبو الفضل ابن عَسَاكِر، وغيرهم. وبرع في التَّاريخ والحديث والأنساب والأدب، وكان واسع المعرفة بأخبار الأُمم والدُّول وأيَّام العرب ووقائعهم، مُتبحِّرًا في تراجم الرِّجال، ولا سيَّما الصَّحابة رضي الله عنهم، وعُنِي في أواخر عمره بسماع الحديث وروايته. واتَّصل بأمراء عصره، وتولَّى بعض السِّفارات، ثمَّ استقرَّ بالمَوْصِل مُنصرفًا إلى المُطالعة والتَّصنيف، وكان منزله مجمعًا للعلماء والأدباء وطَلَبَة العلم، واشتهر بالتَّواضع وكرم الأخلاق. قال ابن خَلِّكَان، وقد اجتمع به بحلب: «فوجدته مُكَمَّلًا في الفضائل والتَّواضع وكرم الأخلاق». ومن أشهر مُؤلَّفاته «الكَامِل في التَّاريخ»، وهو تاريخٌ عامٌّ مُرتَّبٌ على السِّنين، ابتدأ فيه بأخبار الخَلْق والأُمم السَّابقة، ثمَّ أرَّخ لظهور الإسلام والدُّول الإسلاميَّة وما تعاقب عليها من الحوادث، وصولًا إلى أواخر عصره، واعتنى فيه بأخبار المشرق والمغرب، والحروب الصَّلِيبِيَّة، وغزو التَّتَار لبلاد المسلمين، مع مناقشة بعض الرِّوايات وتعليل الحوادث. وله «التَّاريخ البَاهِر في الدَّولة الأَتَابَكِيَّة بالمَوْصِل»، في أخبار أتابكة المَوْصِل ودولتهم، ولا سيَّما بني زَنْكِيّ، و«أُسْد الغَابَة في معرفة الصَّحَابَة»، وهو كتابٌ كبيرٌ في تراجم الصَّحابة رضي الله عنهم، أفاد فيه من مُصنَّفات ابن مَنْدَه وأبي نُعَيْم الأَصْبَهَانِيّ وابن عبد البَرّ وأبي مُوسَى المَدِينِيّ، وجمع ما تفرَّق فيها من التَّراجم، ورتَّبها على الحروف، مع الاستدراك والزِّيادة. ومن مُؤلَّفاته أيضًا «اللُّبَاب في تهذيب الأَنْسَاب»، اختصر فيه كتاب «الأَنْسَاب» لأبي سعد السَّمْعَانِيّ، وهذَّبه واستدرك عليه وزاد فيه، وشرع في تأليف «تاريخ المَوْصِل» ولم يُتِمَّه. تُوفِّي بالمَوْصِل في شعبان سنة 630هـ، وقيل في رمضان، ورجَّح الذَّهَبِيّ أنَّ وفاته كانت في الخامس والعشرين من شعبان.