يستدرك ابن الأبّار القضاعيّ البلنسيّ في هذا الكتاب تراجمَ علماء الأندلس ورُواتها وفقهائها ممّن أغفل ابن بشكوال ذكرهم في كتاب «الصّلة» أو أغفلهم ابن الفرضيّ في «تاريخ علماء الأندلس»، ويستكمل ما نقص من أخبار بعض المترجَم لهم في الكتابين، مع تصحيح ما وقف عليه من أخطاء في الأسماء والأنساب والرّوايات. ولم يجعل عمله مجرّد ذيل يبدأ من حيث انتهى ابن بشكوال، بل عاد إلى العصور التي شملها الكتابان، واستخرج أسماء لم يرد ذكرها فيهما، وأعاد ترجمة بعض من سبق ذكرهم حين وجد في أخبارهم نقصًا أو في تعيين أشخاصهم ما يحتاج إلى تحقيق. وقد صرّح في مقدّمته بأنّه شرع في جمع مادّته في المحرّم سنة 631 هـ، في وقت اشتدّت فيه المحن بالأندلس وتتابع سقوط مدنها وتفرّق أهلها، وظلّ يعاود النّظر في تصنيفه بين الإقامة والرّحيل، حتى أخرجه بعد أكثر من عشرين عامًا من ابتدائه.
ويُعنى ابن الأبّار في تراجمه بضبط الأسماء والأنساب والكُنى والألقاب، وتعيين البلدان التي انتسب إليها أصحابها أو أقاموا بها، وذكر شيوخهم وتلاميذهم وما أخذوه من العلوم وما تولّوه من القضاء والخطابة والإمامة والتّدريس وسائر الخطط. ويستقصي أخبار رحلاتهم في طلب العلم، وما سمعوه في الأندلس والمغرب والمشرق، وما حملوه من الكتب والرّوايات، ويُثبت تواريخ المواليد والوفيات حيث تيسّر له الوقوف عليها. وتتفاوت التّراجم في مقدار بسطها، فمنها ما يقتصر على اسم المترجم له وبلده وشيء من شيوخه أو تاريخ وفاته، ومنها ما يتّسع لذكر مصنّفاته ومرويّاته ورحلاته ومجالس تعليمه ومكانته بين أهل عصره. وتبرز في هذه التّراجم أخبار المحدّثين والفقهاء والقُرّاء والقضاة والنّحويّين وأصحاب العلوم المختلفة، وما اتّصل بحياتهم من وقائع علميّة وأحوال اجتماعيّة.
ويُقيم المؤلّف استدراكاته على مقابلة الرّوايات والرّجوع إلى كتب التّراجم والتّاريخ وفهارس الشّيوخ وبرامج السّماع والإجازات وما وقف عليه من النّسخ والخطوط. ويذكر في مقدّمته طُرق اتّصاله بمصادره وأسانيده إلى أصحابها، ومنهم أحمد الرّازيّ وابن شعبان والزّبيديّ والقاضي عياض وابن عساكر وغيرهم. وقد أثبت أسانيد مصادره عند ابتداء الاعتماد عليها، ثمّ استغنى عن تكرارها في المواضع اللّاحقة طلبًا للإيجاز، وعيّن ما انقطع إسناده من أخباره ليتبيّن للقارئ وجه النّقل. ولا يكتفي بما وجده في المصنّفات، بل يقابل الأخبار ويستكمل الأنساب النّاقصة ويستخرج أسماء الشّيوخ التي أغفلها أصحاب التّراجم، ويستدرك تواريخ الوفاة وما يتّصل بأحوال الرّواة. ومن ذلك إعادته ترجمة أحمد بن يحيى اللّيثيّ لاستكمال نسبه وإزالة الاشتباه في تعيينه، وتعقّبه بعض الأسانيد التي اختلف فيها اسم الرّاوي أو نسبه، ومحاولته التّمييز بين أصحاب الأسماء المتشابهة بالاستعانة بما ثبت من رواياتهم وشيوخهم. كما يُنبّه على ما لم يتحقّق منه، ويصرّح بمواضع الظّنّ والتّردّد حين لا تتوافر لديه أدلّة كافية للجزم.
وقد خالف ابن الأبّار سابقيه في ترتيب الأسماء على الحروف، وأفرد لأصحاب الأدب تأليفًا مستقلًّا، مع إبقاء تراجم بعض من جمعوا بين الأدب ومجالس العلم في هذا الكتاب. وألحق بتراجم الرّجال قسمًا للنّساء، أثبت فيه أخبار من اشتهرن بالرّواية والقراءة والعلم والأدب والشّعر، وما اتّصل بحياتهنّ من أخبار. فذكر عابدة المدنيّة وروايتها عن مالك بن أنس، وحمدونة وعليّة ابنتي زرياب وما عُرفتا به من صناعة الغناء، وحفصة الرّكونيّة وما حُفظ من شعرها. كما ترجم لفاطمة بنت أبي عليّ الصّدفيّ، فذكر حفظها للقرآن وعنايتها بالحديث ومطالعة الكتب وحسن خطّها، ولفاطمة بنت سعد الخير البلنسيّ، فبيّن سماعها بالمشرق وروايتها بمصر وتاريخ وفاتها، وأثبت أخبارًا لغيرهما من النّساء مع ما تيسّر له من أسماء شيوخهنّ ومرويّاتهنّ وبلدانهنّ وتواريخ حياتهنّ.