
نبذة عن الكتاب:
يبحث ابن رجب الحنبلي في هذا الكتاب حكم الاختلاف في رؤية هلال ذي الحجَّة، وقد ألَّفه إثر واقعة حدثت سنة 784 هـ حين غُمَّ الهلال فأكمل النَّاس عدَّة ذي القعدة، ثمَّ شاع أنَّ جماعة رأوا هلال ذي الحجَّة ولم يقبل الحاكم شهادتهم، فاضطرب بعض النَّاس في صيام اليوم الذي عُدَّ عند الجماعة يوم عرفة؛ خشية أن يكون في حقيقة الأمر يوم النَّحر، وامتنع بعضهم من صيامه، وقيل إنَّ بعضهم ضحَّى فيه. وينطلق من هذه الواقعة لتحرير أثر الرُّؤية التي لم تثبت عند الحاكم في الصِّيام والوقوف بعرفة والأضحى.
ويقسِّم المسألة إلى صورتين؛ أولاهما أن يكون الشَّكُّ مبنيًّا على قرائن مجرَّدة أو على شهادة من لا تُقبَل شهادته، إمَّا لانفراده بالرُّؤية أو لسبب يمنع قبول قوله. وينقل في هذه الصُّورة خلاف السَّلف في صيام اليوم الذي يوافق بحسب الحساب الظَّاهر يوم عرفة مع احتمال أن يكون في الباطن يوم النَّحر، فيذكر عن النَّخعي وغيره التَّوقُّف عن صيامه عند خوف موافقة يوم الذَّبح، ثمَّ يناقش حمل ذلك على الكراهة لا التَّحريم.
ويقرِّر أنَّ الأصل بقاء ذي القعدة وعدم دخول ذي الحجَّة حتَّى يثبت الهلال على الوجه المعتبر، كما يُستصحَب بقاء رمضان عند الشَّكِّ في دخول شوَّال. ومن ثمَّ لا ينهض مجرَّد احتمال أن يكون اليوم العاشر من ذي الحجَّة إلى تحريم صيام ما عُدَّ عند النَّاس يوم عرفة. ويذكر أنَّ الاحتياط في مثل هذه الحال يمكن أن يكون بصيام اليوم الثَّامن والتَّاسع إذا اشتبه أوَّل الشَّهر، لا بتحريم صيام اليوم التَّاسع لمجرَّد الشَّكِّ.
ثمَّ يسوق ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها حين سُئِلَت عن صيامها في يومٍ ظنَّ بعض النَّاس أنَّه يوم النَّحر، فقرَّرت أنَّ الأضحى إنَّما يكون يوم يضحِّي الإمام وجماعة النَّاس. ويستخرج من ذلك أنَّ يوم عرفة ويوم النَّحر لا يتعلَّقان بمجرَّد عدد الأيَّام في حساب فرد أو جماعة محدودة، بل بما استقرَّ عليه عمل المسلمين مع إمامهم. ويستدلُّ بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «الصَّوم يوم يصوم النَّاس، والفطر يوم يفطرون، والأضحى يوم يضحُّون»، ويربط به الحكم عند وقوع الخطأ في دخول الشَّهر.
ويبحث تبعًا لذلك حكم الحجَّاج إذا أخطؤوا في يوم الوقوف بعرفة؛ فيذكر أنَّهم إذا وقفوا في اليوم العاشر خطأً أجزأهم الوقوف، ويعرض الخلاف فيما إذا وقع وقوفهم في اليوم الثَّامن. ويجعل من أصول المسألة أنَّ عرفة هي اليوم الذي يجتمع فيه النَّاس على الوقوف، كما أنَّ الأضحى هو اليوم الذي يجتمعون فيه على التَّضحية، فلا ينفرد بعضهم بتعيين يومٍ آخر لمجرَّد اعتماد رؤية لم يثبت بها الحكم العام.
وأمَّا الصُّورة الثَّانية فهي أن يشهد برؤية هلال ذي الحجَّة من يثبت الشَّهر بشهادته في الأصل، لكنَّ الحاكم لا يقبلها لعذر أو تقصير؛ فيبحث هل يجب على الشَّاهد ومن يثق بخبره أن يعمل بمقتضى الرُّؤية في خاصَّة نفسه، أم يلزمه موافقة جماعة المسلمين. ويصل هذه المسألة بالخلاف فيمن رأى هلال شوَّال منفردًا: هل يفطر سرًّا اعتمادًا على رؤيته، أم يبقى صائمًا حتَّى يفطر النَّاس.
وينقل على هذا الأصل أنَّ من رأى هلال ذي الحجَّة وحده، أو بلغه خبر الرُّؤية ممَّن يثق به ولم تثبت عند الحاكم، لا ينفرد بالوقوف بعرفة ولا بالتَّضحية قبل النَّاس؛ لأنَّ الوقوف والنَّحر من الشَّعائر الظَّاهرة المتعلِّقة بالجماعة والإمام. ويذكر أنَّ من قال بعدم فطر المنفرد برؤية هلال شوَّال يرى استحباب صيام اليوم الذي تعرفه الجماعة يوم عرفة، وإن كان في حساب الرَّائي هو اليوم العاشر، لأنَّ العبرة في هذا الحكم باليوم الذي تعارف النَّاس عليه واجتمعوا فيه على الشَّعيرة.
ثمَّ يناقش علل منع الانفراد بمخالفة الجماعة، فيذكر اتِّقاء التُّهمة، ومنع الاختلاف وتشتُّت الكلمة، وعدم جعل كلِّ إنسان في منزلة الحاكم في إثبات الشُّهور والشَّعائر العامَّة. ويقارن ذلك بمسائل أخرى تتعلَّق بتقدُّم الأفراد على الإمام، كالفطر والنَّحر وبعض أحكام صلاة الجمعة، ليميِّز بين ما يجوز للإنسان العمل فيه بعلمه في خاصَّة نفسه وبين ما يتعلَّق حكمه بإمام المسلمين وجماعتهم.
ويفرِّق في آخر البحث بين المسائل التي يظهر فيها الحقُّ قطعًا، فلا يجوز للإنسان ترك ما علمه لمجرَّد موافقة الأئمَّة والنَّاس، وبين المسائل الاجتهاديَّة التي تتعلَّق بقبول الشُّهود وردِّهم، إذ قد يخفى سبب الحكم ويكون الحاكم معذورًا في اجتهاده. وفي هذه الحال يمنع الافتيات على الإمام وإظهار مخالفته، ويجعل تبعة خطئه أو تقصيره عليه لا على من اتَّبعه في الحكم الظَّاهر.
وينتهي إلى أنَّ من ثبتت عنده رؤية هلال ذي الحجَّة ولم تُقبَل عند الحاكم لا ينفرد عن جماعة المسلمين في الوقوف بعرفة والنَّحر، بل يقف معهم ويجري على اليوم الذي اجتمعوا عليه، ويستحبُّ له صيام اليوم الذي يعدُّونه يوم عرفة إذا لم يكن حاجًّا. أمَّا من أراد الاحتياط لنفسه بالوقوف في اليوم الذي يراه عرفة ثمَّ الوقوف مع النَّاس في اليوم التَّالي، أو ترك الصِّيام إذا خشي أن يكون اليوم عنده يوم النَّحر، فلا حرج عليه، على أن يخفي ذلك منعًا للفرقة وتشويش العامَّة في عباداتهم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














