
نبذة عن الكتاب:
يجمع الحكيم التِّرمذي في "المنهيات" جملةً كبيرةً من النَّواهي المرويَّة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثمَّ يتتبَّع كلَّ نهيٍ منها ليبيِّن علَّته ومعناه وما يترتَّب على مخالفته. ويضع في صدر الكتاب أصلًا حاكمًا على جميع مسائله، وهو أنَّ النَّهي ليس على مرتبة واحدة؛ فمنه نهي تحريم، ومنه نهي تأديب، وأنَّ من خالف التَّأديب نقص عن مرتبته، أمَّا من اقتحم المحرَّم فقد عرَّض نفسه للهلكة. ويجعل اتِّباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما نهى عنه جزءًا من الاستقامة على سبيل الهدى المؤدِّي إلى الله عز وجل.
ويبدأ بنواهٍ تتعلَّق باللِّباس وستر العورة وهيئات البدن؛ فيشرح النَّهي عن الاحتباء في ثوب واحد، واشتمال الصَّمَّاء، وما قد يؤدِّي إليه ذلك من انكشاف العورة، ويربطه بانتقال المسلمين من عادات الجاهليَّة إلى أدب السَّتر وغضِّ البصر وحفظ الفروج. ثمَّ يفسِّر النَّهي عن الانتعال قائمًا بما يراه من حفظ البدن وصيانته عن الضَّرر، ويجعل للجسد حقًّا على صاحبه لا يجوز له أن يعرِّضه لما يفسده.
ويتوسَّع في أحكام قضاء الحاجة والطَّهارة، فيتناول البول في المغتسل والماء الرَّاكد والمشارع، واستقبال القبلة أو استدبارها، والبول قائمًا، والاستنجاء بالعظم والرَّوث أو بما استُنجِيَ به من قبل. ويعلِّل هذه النَّواهي تارةً بمنع النَّجاسة والوسوسة، وتارةً بحفظ الماء من الإفساد، وتارةً بتعظيم القبلة وآيات الله تعالى، ويفرِّق بين الأحوال بحسب وجود الضَّرر أو زواله؛ فيحمل بعض النَّواهي على حال مخصوصة إذا دلَّت عنده الأخبار الأخرى على الجواز في غيرها.
ثمَّ ينتقل إلى ما يحفظ الحياء ويغلق أبواب الفتنة، فيشرح النَّهي عن مباشرة الرَّجل للرَّجل والمرأة للمرأة من غير حائل، وعن كشف ما يقع بين الزَّوجين من أمور الجماع، ويرى أنَّ السَّتر في هذه المواضع يحفظ القلوب من أسباب الفتنة ويصون ما جُعِلَ في أصل الشَّرع مستورًا. ويتناول كذلك النَّهي عن قضاء الحاجة تحت الشَّجر المثمر، وعلى ضفَّة النَّهر، وفي الطَّريق العام، فيجعل علَّتها جامعةً في دفع الأذى والضَّرر عن المسلمين وصيانة منافعهم العامَّة.
ويتناول آداب استعمال الجوارح والأشياء؛ فيفسِّر النَّهي عن الاستنجاء باليمين بتكريم الجهة التي جُعِلَت للأكل والشُّرب والمصافحة والأخذ والعطاء، ويشرح النَّهي عن قطع النَّخلة المثمرة بما فيه من إفساد للثَّمرة والمعاش، والنَّهي عن الحذف بالبندق لما يراه فيه من المثلة وإهلاك الحيوان على غير وجه الإحسان، ثمَّ يذكر النَّهي عن اللَّعب بالحمام لما يترتَّب عليه من اللَّهو عن الصَّلاة والتَّطلُّع إلى الجيران وغير ذلك من المفاسد.
ويفرد موضعًا لجرِّ الثِّياب وإسبال الإزار، فيربط النَّهي بالخيلاء والكِبر لا بمجرَّد طول الثَّوب، ويستشهد بالأخبار التي قُيِّدَ فيها الوعيد بمن جرَّ ثوبه خيلاء. ثمَّ يذكر أحوالًا عن بعض الصَّحابة رضي الله عنهم والسَّلف في اللِّباس، وينتهي إلى أنَّ الهيئة التي كانت في زمنٍ علامةً على ترك الكِبر قد تتحوَّل في زمن آخر إلى تصنُّع ورياء، فيجعل مدار الحكم في هذا الباب على حال القلب والباعث الذي يحمل صاحبه على الهيئة.
ويمتدُّ الكتاب إلى أحكام الأسرة والنِّكاح؛ فيشرح النَّهي عن الجمع بين المرأة وعمَّتها أو خالتها بما يفضي إليه من قطيعة الرَّحم، ويذكر النَّهي عن الجمع بين ابنتي العمِّ على جهة التَّأديب عند خوف القطيعة والغيرة، ثمَّ يفسِّر نكاح الشِّغار بأنَّه معاوضة في الأبضاع من غير مهر معتبر. ويتناول كذلك بعض صور النِّكاح الأخرى، ويجعل النَّظر فيها قائمًا على حفظ الحقوق ومنع الخداع والقطيعة والفساد.
ويبحث أحكام الاختلاف في الدِّين والتَّوارث، فيذكر النَّهي عن توارث أهل ملَّتين، ويعرض الخلاف في اعتبار أهل الكفر ملَّةً واحدةً أو مللًا متعدِّدة، ثمَّ يفسِّر منع التَّوارث بين المسلم والكافر بانقطاع رابطة الدِّين التي تقوم عليها عنده حقيقة الاتِّصال المعتبرة في هذا الحكم.
ويتناول الرُّقى والتَّمائم والعِرافة والكهانة، فيفرِّق بين الرُّقية التي يداخلها الشِّرك أو الكلام المجهول وبين الرُّقية بالقرآن وما لا يشتمل على معنى محرَّم، ويورد الأخبار التي أُجيزَت فيها الرُّقى بعد عرضها ومعرفة ألفاظها. أمَّا تعليق التَّمائم فيربطه بالتَّعلُّق بغير الله عز وجل والاتِّكال على ما يُعلَّق لدفع البلاء، ثمَّ ينتقل إلى إتيان العرَّاف وتصديقه، فيجعل أصله ادِّعاء معرفة الغيب وتلقِّي الأخبار من الشَّياطين وبناء الأكاذيب على ما قد يقع من خبر صادق.
ويخصِّص موضعًا للرَّنَّة والنِّياحة وما يتعلَّق بالمصائب، فيفرِّق بين الصُّراخ النَّاشئ عن السَّخط وبين الحزن والبكاء والرَّأفة التي لا تتضمَّن اعتراضًا على حكم الله تعالى. ويستشهد بحزن النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاة ابنه إبراهيم، وبحزن يعقوب عليه السلام على يوسف عليه السلام، ليقرِّر أنَّ الصَّبر لا يعني انعدام الحزن أو منع الدَّمع، وإنَّما حبس الجوارح واللِّسان عمَّا يسخط الله عز وجل مع رضا القلب بحكمه. كما ينتقد التَّكلُّف في إظهار الفرح عند المصائب إذا كان باطن النَّفس مملوءًا بالحزن، ويرى أنَّ وضع كلِّ حال في موضعها هو الأوفق بالأدب.
ويتناول جملةً من المعاملات الماليَّة، فيشرح تحريم الرِّبا وما يلحق بآكله وموكله وكاتبه وشاهده من الاشتراك في الإثم، ويبحث نكاح التَّحليل وما فيه من الحيلة على الحكم الشَّرعي، ثمَّ يذكر صورًا من البيع والسَّلف والغرر والجهالة، وبيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وبيع السَّمك في الماء، والمضامين والملاقيح، وحبل الحبلة، واستئجار الأجير من غير تعيين أجره. ويجعل العلَّة الجامعة في كثير من هذه المسائل منع الخصومة والجهالة وأخذ المال من غير عوض معلوم.
ويتناول كذلك ما يتَّصل بالعبادات والشَّعائر وأخذ الأجرة عليها، فيذكر النَّهي عن الإمامة بالأجر وتعليم القرآن بالأجر والأذان بالأجر، ويعلِّل ذلك بأنَّ هذه الأعمال عبادة ودعوة إلى الله تعالى، فلا ينبغي أن تتحوَّل عنده إلى معاوضة على أصل العبادة. ثمَّ يتناول بيع الولاء وهبته، ويجعل الولاء لحمةً كالنَّسب لا تُباع ولا تُوهَب، لأنَّه أثر نعمة العتق لا مال مستقلٌّ يملكه صاحبه للتَّصرُّف فيه كيف شاء.
ويعرض نواهي تتعلَّق بالحرب والجهاد؛ فيذكر منع المبارزة من غير إذن الإمام لما قد يترتَّب عليها من نكاية بالمسلمين، والنَّهي عن عقر المواشي في دار الحرب من غير ضرورة لما فيه من الفساد، وعدم الاستعانة بالمشركين في القتال بحسب ما أورده، والنَّهي عن قتل الصِّبيان لعدم مشاركتهم في القتال وإمكان أن يدخلوا في الإسلام. ويستثني من عقر الخيل حال اشتداد القتال وبلوغ الضَّرورة مبلغًا يتعلَّق ببقاء المقاتلين.
ويشرح أيضًا جملةً من النَّواهي المتعلِّقة بالمساجد والطَّعام والشَّراب والآداب العامَّة؛ فيذكر النَّهي عن التَّنخُّم في قبلة المسجد تعظيمًا لها، وعن البصاق في البئر التي يشرب منها النَّاس دفعًا للإفساد والتَّقذُّر، وعن تغيير حدود الأرض بغير حقٍّ لما فيه من الغصب والاعتداء. كما يشرح النَّهي عن الوصال في الصَّوم بأنَّه ترك لرخصة السَّحور التي جعلها الله تعالى لهذه الأمَّة، وأنَّ كلَّ يوم من الصِّيام عبادة مستقلَّة يفصل بينها وبين ما بعدها الإفطار.
ثمَّ يفسِّر النَّهي عن التَّبتُّل بترك النِّكاح لما فيه من قطع النَّسل ومخالفة السُّنَّة التي جعلت النِّكاح من طريق بقاء الأمَّة، ثمَّ يعود إلى بعض صور البيوع والغرر، ويذكر القزع وإلحاقه بالتَّشبُّه، ومنع الجار من غرز خشبة في جداره وما يراه من منافاة ذلك لحرمة الجوار وإن كان أصل الملك يجيز المنع. ويمضي بعد ذلك في النَّهي عن العِرافة، والهجران فوق 3 أيَّام لما فيه من إذلال المسلم وقطع حرمة الأخوَّة، وعن بعض صور الصَّرف لما يداخلها من الرِّبا.
وينتهي الكتاب إلى مسائل الرِّبا في بيع النَّقدين؛ فيذكر النَّهي عن بيع الذَّهب بالفضَّة نسيئة، ثمَّ يختم بالنَّهي عن بيع الذَّهب بالذَّهب إلَّا وزنًا بوزن وسواءً بسواء، ويرجع هاتين الصُّورتين إلى أصل الرِّبا الذي أحال تفصيله إلى كتابه «العلل».
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














