يُؤَرِّخ الملك المنصور مُحَمَّد بن عُمَر المُظَفَّر بن شاهَنْشَاه الأيُّوبيُّ في كتابه «مِضْمار الحقائق وسِرّ الخلائق» لأحداث الخلافة العبَّاسيَّة والدَّولة الأيُّوبيَّة في أواخر القرن السَّادس الهجريِّ، مُتَتَبِّعًا أخبار الخلفاء والسَّلاطين والأمراء، وما جرى في عهودهم من حروبٍ وفتوحاتٍ وصراعاتٍ سياسيَّةٍ وتغييراتٍ إداريَّة. ويُفَصِّل وقائع السَّنوات من 575هـ إلى 582هـ، مع عنايةٍ خاصَّةٍ بأخبار الخليفة النَّاصر لدين الله، وسيرة السُّلطان صلاح الدِّين الأيُّوبيِّ، وحروبه مع الإفرنج، وتوسُّع سلطانه في الشَّام والجزيرة وديار بكر. ويَرْوِي كذلك أخبارَ أبيه الملك المُظَفَّر عُمَر بن شاهَنْشَاه، وما كان له من دورٍ في الحروب وتدبير شؤون البلاد، مُورِدًا ما شهده بنفسه أو بلغه من الوقائع، وما اتَّصل بها من مُرَاسَلاتٍ وخُطَبٍ وقصائدَ وأخبارٍ عن رجال الدَّولة.
ويبدأ بذكر ما أصاب العراق من غلاءٍ وجَدْبٍ ووَبَاء، ووفاة الخليفة المُسْتَضِيء بأمر الله، وتولِّي ابنه النَّاصر لدين الله الخلافة، وما صاحب ذلك من مراسم البيعة وتبدُّل أحوال الدَّولة العبَّاسيَّة. ويَتَنَاوَل شؤونَ الخلافة في بغداد، وأخبارَ الوزراء وأساتذة الدَّار والحُجَّاب وأصحاب الدَّواوين، وما نشأ بينهم من تنافسٍ وخصوماتٍ انتهى بعضُها بالعزل والمُصَادَرَة والقَتْل. ويَذْكُر التَّصرُّف في أموال الدَّولة وخزائنها، وأحوالَ الأسواق والأسعار، والتَّعييناتِ والعطايا والإقطاعات، إلى جانب أخبار المجالس والمواكب والاحتفالات والرَّسائل المتبادلة بين الخليفة وسائر الملوك والأمراء، مع إيراد الأشعار التي قيلت في المناسبات السِّياسيَّة والعسكريَّة.
ويُفَصِّل أخبارَ صلاح الدِّين الأيُّوبيِّ في مصر والشَّام، وما خاضه من حروبٍ مع الإفرنج، ومنها وقعة مرج عُيُون، وحصار حصن بيت الأحزان وفتحه وهدمه، والغاراتُ على صَفَد وطَبَرِيَّة وبَيْسَان، وحصارُ الكَرَك وما اتَّصل بهذه الوقائع من تحرُّكات الجيوش وتدبير الحصارات وأحوال الأسرى والفداء والغنائم. ويَصِف استعدادَ العساكر للقتال، ومشاوراتِ السُّلطان مع أمرائه، وما جرى من المفاوضات والمُهَادَنَات والمُرَاسَلات مع الإفرنج. وتبرز في هذه الأخبار مشاركةُ الملك المُظَفَّر عُمَر في الحملات العسكريَّة، ومن ذلك تصدِّيه لجيش السُّلطان السَّلْجُوقِيِّ قِلِج أَرْسَلَان عند حصن رَعْبَان، ومشورتُه في أمر حصن بيت الأحزان، وما أُسْنِد إليه من تدبير شؤون مصر. ويذكر المؤلِّف أيضًا ما قام به عمُّه عزُّ الدِّين فَرُّخْشَاه من غاراتٍ وحروبٍ، وما أصاب البيتَ الأيُّوبيَّ من وفيَّاتٍ وتغيُّراتٍ في الولايات.
وتَشْمَل الوقائعُ صراعَ صلاح الدِّين مع القوى الحاكمة في الشَّام والجزيرة وديار بكر، وما اتَّصل بذلك من وفاة بعض أمراء البيت الزَّنْكِيِّ، والمسيرِ إلى الرُّهَا والرَّقَّة وسِنْجَار، وحصارِ المَوْصِل، وفتحِ آمِد وحَلَب ومَيَّافَارِقِين، وما ترتَّب على تلك الأحداث من صُلْحٍ واتِّفاقاتٍ وإعادة توزيع الولايات والإقطاعات. ويُورِد المؤلِّف تفاصيلَ الحصارات والمفاوضات التي سبقت تسليم المدن، وأخبارَ الرُّسُل والوسطاء، وما صدر عن السُّلطان من كتبٍ إلى الخليفة العبَّاسيِّ والأمراء يُبَيِّن فيها أسباب حملاته ونتائجها. كما يَتَنَاوَل أحوالَ بعض البلاد الخارجة عن مصر والشَّام، ومنها اليمن وإفريقيَّة والمغرب والأندلس، فيذكر أخبارَ سيف الإسلام طُغْتَكِين بن أيُّوب في اليمن، وحملاتِ شرف الدِّين قَرَاقُوش المُظَفَّرِيِّ في إفريقيَّة، وما جرى بينه وبين القبائل والقوى المحليَّة، وأخبارَ الموحِّدين وانتقالِ الحُكْم من أبي يعقوب يُوسُف بن عبد المؤمن إلى ابنه يعقوب.
وتتخلَّل السَّردَ التَّاريخيَّ نصوصٌ من الرَّسائل السُّلطانيَّة والكتب الدِّيوانيَّة، وقصائدُ قيلت في مدح الخلفاء والسَّلاطين والاحتفاء بالانتصارات، مع أخبارٍ عن وفيَّات الأعيان والأمراء، وأحوالِ المدن والحصون والجيوش. ويَتَّسِم الكتابُ بالتَّوسُّع في وصف الوقائع العسكريَّة والسِّياسيَّة، وذكرِ أسماء المشاركين فيها وتواريخها وأسبابها ونتائجها، وبإبراز أخبار البيت الأيُّوبيِّ من منظور أحد أفراده، مع عنايةٍ ظاهرةٍ بمآثر صلاح الدِّين وأبيه الملك المُظَفَّر وما أسهما به في الحروب وإدارة الممالك.