ينتقد شمس الدِّين الذَّهبي في “زغل العلم” ما شاع بين المشتغلين بالعلوم في عصره من أخطاء وانحرافات في طلب العلم وتحصيله والعمل به ويُبيِّن ما يُحمد وما يُذمُّ من أحوال المنتسبين إلى العلوم الشَّرعيَّة وغيرها. ويبدأ بالتَّحذير من التَّنطُّع في القراءة والتَّجويد والإفراط في العناية بالحروف ووجوه الأداء على حساب تدبُّر القرآن والخشوع عند تلاوته ثمَّ ينتقل إلى أهل الحديث فينتقد انشغال بعضهم بكثرة السَّماع والرِّواية وتحصيل الأسانيد دون فهم الأحاديث وتمييز صحيحها من سقيمها والعمل بمقتضاها. ويقارن أحوال هؤلاء بمنهج الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين وأئمَّة الحديث المتقدِّمين في الجمع بين الرِّواية والدِّراية والعبادة والإتقان ويذكر عددًا من المحدِّثين الذين عُنوا بالعلم في عصره ويُوجِّه الطَّالب إلى ملازمة كتب الحديث النَّافعة وفهمها بدل الاقتصار على تكثير المسموعات.
ويتناول المؤلِّف فقهاء المذاهب الأربعة فيُبيِّن ما لديهم من فضل وعلم ويُحذِّر المالكيَّة من التَّسرُّع في الأحكام والتَّكفير وإراقة الدِّماء والحنفيَّة من الحيل المخالفة لمقاصد الشَّريعة وترك النُّصوص الصَّحيحة والشَّافعيَّة من طلب المناصب والمكاسب بالدِّين والتَّكبُّر والمراء والتَّعصُّب للمذهب. ويذكر ما عند الحنابلة من العلوم النَّافعة والتَّديُّن ويناقش ما يُوجَّه إليهم من اتِّهامات في الاعتقاد. ويؤكِّد أنَّ المقصود من التَّفقُّه هو التَّديُّن والعمل بالدَّليل لا الانتصار للمذهب أو تحصيل الجاه والرِّئاسة ويستشهد بأحوال العلماء الزُّهَّاد ويُحذِّر من العُجب ومحبَّة الظُّهور. ثمَّ ينتقل إلى النَّحو واللُّغة والتَّفسير وأصول الفقه فيُبيِّن الحاجة إلى علوم العربيَّة لفهم الكتاب والسُّنَّة وينتقد إهمال اللُّغة والاشتغال بالنَّحو دون معرفة العلوم الشَّرعيَّة وقلَّة العناية بالتَّفسير والتَّوسُّع في المسائل الأصوليَّة مع الجمود على التَّقليد وترك الاجتهاد.
ويُناقش الذَّهبي علم أصول الدِّين فيُفرِّق بين ما يقوم على الكتاب والسُّنَّة ومعتقد السَّلف وما أُدخل فيه من مباحث الكلام والمنطق والفلسفة ويُحذِّر من الجدل والتَّكفير والتَّضليل المتبادل بين المنتسبين إلى هذه العلوم. كما يتناول المنطق والحكمة الفلسفيَّة والرِّياضيَّة والطَّبيعيَّة ويُميِّز بين المعارف النَّافعة والصَّناعات المباحة وما يراه من مباحث ضارَّة بالاعتقاد. ويذكر علم الفرائض ويدعو إلى الاعتدال في تحصيله وعدم استهلاك الوقت في المسائل النَّادرة ثمَّ يتناول الإنشاء والشِّعر والحساب وكتابة الشُّروط فيربط صلاح المشتغلين بها بالتَّقوى والأمانة واجتناب الكذب والظُّلم والتَّكسُّب المحرَّم ويُحذِّر من تسخير البلاغة والكتابة للإضرار بالنَّاس أو إعانة الظَّالمين. ويتناول الوعظ وما يحتاج إليه من معرفة بالتَّفسير وأخبار الزُّهَّاد مع التَّحلِّي بالتَّقوى والزُّهد ويُنبِّه إلى ضعف أثر المواعظ حين يكون الواعظ متعلِّقًا بالدُّنيا قليل العمل بما يدعو إليه. ويقوم الكتاب على نقد أحوال المشتغلين بهذه العلوم وموازنتها بما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم من إخلاص واتِّباع وعمل وورع.