
نبذة عن الكتاب:
ينظِّم ابن رجب الحنبلي في كتاب «تقرير القواعد وتحرير الفوائد» مسائل الفقه الحنبلي المتفرِّقة في قواعد وأصول تجمع نظائرها، وتكشف المآخذ التي تتفرَّع عنها الأحكام، فلا يقتصر على تقرير قواعد كلِّيَّة مجرَّدة، بل يقرن كلَّ قاعدة بصورها وفروعها وما يتَّصل بها من روايات الإمام أحمد وأوجه الأصحاب وتخريجاتهم، ويبيِّن ما يترتَّب على اختلاف أصل المسألة من اختلاف أحكام فروعها. ويجري في ذلك على الاستقصاء الفقهي والموازنة بين الروايات والأوجه، فيقوِّي بعضها، ويضعِّف بعضها، ويعترض على بعض التَّخريجات والتَّوجيهات، ويجمع بين نصوص الإمام أحمد متى أمكن الجمع بينها.
ويبدأ بقواعد تتعلَّق بالطَّهارة والعبادات، فيبحث حكم الماء الجاري، وشعر الحيوان وظفره وما يتعلَّق بانفصاله واتِّصاله، ثمَّ ينتقل إلى أصول أوسع في أداء العبادات؛ كحكم القدر الواجب إذا أتى المكلَّف بما يزيد على أقلِّ المجزئ، وتقديم العبادة على وقت وجوبها أو فعلها بعد انعقاد سبب الوجوب وقبل تمام شروطه، وأثر تغيُّر حال المكلَّف بعد تعجيل العبادة، وحكم من شرع في عبادة ثمَّ قدر في أثنائها على ما كان يلزمه لو قدر عليه ابتداءً، وما يجب على العاجز عن بعض العبادة القادر على بعضها. ويبحث كذلك وقوع العبادة على وجه محرَّم، والألفاظ المعتبرة فيها، وحكم التَّنفُّل بجنس الفرض قبل أدائه.
ويتوسَّع في القواعد المتعلِّقة بالواجبات والشُّروط والأسباب والموانع، وباجتماع الحقوق والعبادات أو تداخلها، وبما يقوم فيه البدل مقام المبدل منه وما لا يقوم، وما يسقط بالعجز وما يبقى في الذِّمَّة، وما يختلف حكمه باختلاف القدرة والحال. ويُرجع صورًا كثيرة من أبواب متباعدة إلى أصل واحد، فيظهر أثر القاعدة في الطَّهارة والصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحجِّ والكفَّارات والنُّذور وغيرها، مع التَّنبيه إلى المواضع التي يمتنع فيها الإلحاق لوجود فارق مؤثِّر.
ويبحث أحكام الأموال والأعيان والحقوق من جهة الملك والضَّمان واليد والإتلاف والاستحقاق، فيفرِّق بين الأعيان ومنافعها، وبين ما يضمن بالمثل وما يضمن بالقيمة، وبين اليد المأذون فيها واليد الموجبة للضَّمان، ويتناول اجتماع أسباب الضَّمان، وانتقال الضَّمان من شخص إلى آخر، وتلف الأموال تحت الأيدي المختلفة، وردَّ الأعيان ومنافعها وزياداتها، وما يترتَّب على الغصب والإتلاف والاستيلاء والتَّصرُّف في مال الغير. وتظهر في هذه المسائل عنايته بضبط سبب الحكم؛ لأنَّ تشابه الصُّور في الظَّاهر لا يستلزم عنده اتِّحادها إذا اختلف سبب الملك أو الضَّمان أو الاستحقاق.
ويخصِّص جانبًا واسعًا لقواعد العقود والتَّصرُّفات، فيناقش انعقاد العقود وصحَّتها ولزومها وفسادها ووقفها على الإجازة، وأثر الشُّروط والقيود المقترنة بها، وما يترتَّب على اجتماع العقود أو اختلاف مقاصدها. ويعرض مسائل البيع والإجارة والرَّهن والهبة والوقف والشَّركة والوكالة والضَّمان وغيرها، ويوازن بين ما يقتضيه إطلاق العقد وما يقتضيه العرف أو التَّعيين، ويبحث أثر مخالفة الوكيل للإذن، وحكم تصرُّف الإنسان لغيره أو في مال غيره من غير إذنه، وما إذا كان التَّصرُّف باطلًا ابتداءً أو موقوفًا على إجازة صاحب الحقِّ.
وتتكرَّر في الكتاب مسائل اجتماع الأسباب والحقوق في محلٍّ واحد، وتزاحم المستحقِّين، وترتُّب الأحكام عند تعذُّر الجمع بينها، فيفرِّق ابن رجب بين ما يقبل الاشتراك وما لا يقبله، وبين الحقِّ المتقدِّم والمتأخِّر، والقويِّ والضَّعيف، واللازم والجائز، وما يتبع غيره وما يستقلُّ بحكمه. كما يعالج انتقال الحقوق وسقوطها وثبوتها، وأثر القبض والفسخ والإقالة والإبراء والإجازة، وما يثبت تبعًا وإن لم يثبت استقلالًا، وما يُغتفر في التَّوابع ولا يُغتفر في المقاصد.
ويعتني بقواعد الألفاظ ودلالاتها وآثارها الفقهية، فيبحث ما يعتبر فيه اللَّفظ وما تكفي فيه الدَّلالة أو الفعل، وما ينعقد بالصَّريح أو بالكناية، وأثر النِّيَّة والقرائن والأحوال في توجيه الكلام. ويمتدُّ ذلك إلى العقود والإقرارات والأيمان والنُّذور والطَّلاق والعتاق وغيرها، مع ملاحظة الفرق بين إنشاء الحكم والإخبار عنه، وبين ما يقبل التَّعليق وما لا يقبله، وما يكون فيه الاعتبار بالمقاصد والمعاني أو بالألفاظ والمباني، وما يتغيَّر حكم القول فيه بسبب الحال المحيطة به.
ويفصِّل القواعد المتعلِّقة بالنِّكاح والفُرقة والأنساب، فيعرض المحرَّمات في النِّكاح، وأثر الجمع بين من يحرم الجمع بينهنَّ، ودخول ولد الولد في مسمَّى الولد عند الإطلاق، وما يتعلَّق بخروج البُضع من الزَّوج وهل يضمن عند إخراجه قهرًا، والأسباب التي يتقرَّر بها المهر كاملًا، والأحوال التي يتنصَّف فيها قبل استقراره أو يسقط بسبب الفرقة قبل الدُّخول. ويتناول تغيُّر حال المعتدَّة إذا انتقلت من الرِّقِّ إلى الحرِّيَّة أو طرأ عليها سبب يوجب عدَّة أخرى، وما يترتَّب على اجتماع الأسباب أو تغيُّر الصِّفة في أثناء العدَّة.
ويقرِّر أصولًا مهمَّة في باب الإثبات والتَّعارض، منها اعتبار دلالة الأحوال في قبول الدَّعاوى وردِّ ما يخالف الظَّاهر منها، وترتيب بعض الأحكام على القرائن والحال من غير توقُّف على تصريح مستقلٍّ. ويبحث تعارض أصلين في المسألة الواحدة، فيرجِّح ما اعتضد منهما بمرجِّح، ثمَّ يفصِّل صور تعارض الأصل والظَّاهر، فلا يجعل أحدهما مقدَّمًا على الآخر بإطلاق، بل ينظر في قوَّة الظَّاهر ومستنده وفي طبيعة الأصل المقابل له وما يحيط بالمسألة من قرائن.
ويبحث استعمال القرعة حين يثبت الاستحقاق ابتداءً لمبهم غير معيَّن ويتساوى المستحقُّون، فيجعلها طريقًا إلى تعيين المستحقِّ في مواضع مخصوصة، ويفرِّق بينها وبين الأحوال التي يكون الحقُّ فيها ثابتًا لمعيَّن ثمَّ يشتبه صاحبه؛ لأنَّ القرعة لا تؤدِّي الوظيفة نفسها في الصُّورتين. وتتفرَّع على ذلك مسائل من العتق والقسمة والسَّفر بين الزَّوجات والولايات وغيرها، بحسب طبيعة الاستحقاق وإمكان التَّعيين بغير القرعة.
ويفصِّل كذلك أحكام التَّصرُّف في حقِّ الغير وماله، فيميِّز صور تصرُّف الفضوليِّ، وتصرُّف الوكيل المخالف لإذن موكِّله، والتَّصرُّف للغير بمال المتصرِّف نفسه. ويبحث ما إذا كان العقد يبطل بالمخالفة، أو يصحُّ مع ضمان النَّقص أو الزِّيادة، أو يقف على إجازة صاحب الحقِّ، ويمدُّ هذا الأصل إلى البيع والنِّكاح والمهر والخلع وغيرها. ومن ذلك مخالفة الوكيل في الثَّمن أو النَّقد أو الصِّفة، وما يترتَّب عليها من صحَّة العقد أو بطلانه أو الضَّمان، مع مناقشة الطُّرق المختلفة التي خرَّج بها فقهاء المذهب هذه الصُّور.
ويعرض تفريق الصَّفقة عند اجتماع ما يصحُّ العقد عليه وما لا يصحُّ، فيبحث هل يبطل العقد كلُّه ببطلان بعضه أو يصحُّ فيما يقبل الصِّحَّة، ويمدُّ المسألة إلى عقود المعاوضات وغيرها كالرَّهن والهبة والوقف والنِّكاح. ويفرِّق بين أن يكون المانع قائمًا في بعض أفراد الصَّفقة ابتداءً، وأن ينشأ التَّحريم من مجرَّد الجمع بين أفراد يصحُّ العقد على كلٍّ منها منفردًا، وبين أن يطرأ البطلان على أحد أجزاء العقد بعد انعقاده وقبل استقراره. فإذا امتاز أحد المعقود عليهما بما يقتضي اختصاصه بالصِّحَّة بحث أثر هذه المزيَّة، أمَّا إذا تساوت الأفراد ولم يكن بعضها أولى بالصِّحَّة من بعض، كما في الجمع بين أختين في عقد واحد، فيعرض ما ورد في ذلك من نصوص وروايات وتخريجات.
ويكشف الكتاب من خلال هذه القواعد عن بناء الفقه الحنبلي من داخله؛ إذ لا يعرض المسائل بوصفها أحكامًا منفصلة، وإنَّما يردُّ الفروع إلى مآخذها ويختبر اطِّراد القاعدة في أبواب متعدِّدة، ويقابل نصوص الإمام أحمد بعضها ببعض، ويميِّز بين النَّصِّ والتَّخريج والوجه والرِّواية واختيار الفقيه. ولذلك تمتدُّ القاعدة الواحدة في كثير من المواضع من العبادات إلى المعاملات أو من الأموال إلى النِّكاح والعتق والقضاء، ويظهر بها سبب اتِّفاق الفروع أو افتراقها، والحدُّ الذي يصحُّ عنده إلحاق صورة بأخرى أو يمنعه فارق معتبر.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:








