يُحلِّل أحمد عبد العزيز قشوع في هذا الكتاب الرموز الواردة في رؤيا يوسف عليه السلام، مستخرجًا منها دلالات تتعلَّق بشخصيَّته وأحواله، وما وقع له من أحداث منذ طفولته حتَّى تمكين الله تعالى له في أرض مصر. ويعتمد على تدبُّر الآيات القرآنيَّة وربط بعضها ببعض، والاستشهاد بالأحاديث النبويَّة وأقوال المفسِّرين وأهل اللغة، مع الإفادة من قواعد تعبير الرؤى في تحليل ألفاظ الرؤيا ومعانيها. ويجعل محور دراسته قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾، محاولًا بيان ما تحمله هذه الرموز من إشارات تتجاوز دلالتها المعروفة على إخوة يوسف وأبويه، وما يمكن استنباطه منها من فوائد في تعبير الرؤى.
ويبدأ ببيان مكانة رؤيا يوسف عليه السلام في القرآن الكريم، وصلتها بالغيب والوحي، والمناسبة بين خاتمة سورة هود وبداية سورة يوسف، وما يستنبطه من تقدُّم ذكر الرؤيا في السُّور المكيَّة. ويناقش الفرق بين الرؤيا الواضحة والرؤيا المرموزة التي تحتاج إلى تعبير، ويقارن رؤيا يوسف عليه السلام برؤى إبراهيم ومحمَّد عليهما الصلاة والسلام. ثمَّ يتناول مسألة تعبير يعقوب عليه السلام لرؤيا ابنه، فيعرض أقوال المفسِّرين في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، ويقارنها بقوله تعالى عند اجتماع الأسرة: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. ويميِّز بين تعبير الرؤيا قبل وقوع أحداثها وتحقُّقها في الواقع، ويرجِّح أنَّ السورة لم تذكر تعبيرًا صريحًا مفصَّلًا لرؤيا يوسف، بخلاف رؤيا صاحبَي السجن ورؤيا ملك مصر، مع مناقشة الأسباب المحتملة لذلك.
ثمَّ ينتقل إلى تحليل العدد «أحد عشر»، فيربطه بمعنى العصبة وما اتَّصف به إخوة يوسف من الاجتماع والتعاضد، ويرى أنَّ هذا الرمز يتضمَّن إشارةً إلى ما سيقع بينهم وبين أخيهم من عداوة وكيد. ويتوسَّع في دراسة رمز الكواكب، مستعينًا بالآيات التي ورد فيها ذكر النجوم والكواكب ووظائفها، فيستنبط منها معاني العظمة وعلوِّ المكانة والهمَّة العالية وانتشار الصِّيت والانتصار والهداية. ويربط هذه المعاني بما بلغه يوسف عليه السلام من منزلة، وما أظهره من صبر وعزيمة، وتولِّيه خزائن مصر وحسن تدبيرها. كما يستخرج من علاقة النجوم بالاهتداء ومعرفة المواقيت إشارةً إلى خبرته بأمور الزراعة والحساب، وما ظهر من ذلك في تعبيره رؤيا الملك وتوجيهه إلى حفظ المحاصيل استعدادًا لسنوات الجدب.
ويُخصِّص مبحثًا لما يستنبطه من رمز الكواكب بشأن إخوة يوسف عليه السلام، فيناقش دلالتها على الجمال والزينة، ويعرض القرائن التي يستأنس بها للقول بجمال إخوته، مع بيان تفوُّق يوسف عليهم في الحسن. ويتناول كذلك الاستدلال بحديث تفضيل العالم على العابد، الذي شُبِّه فيه العالم بالقمر والعابد بالكواكب، ليناقش ما قيل في صلاح إخوة يوسف ونبوَّتهم، ويرجِّح أنَّهم كانوا عبادًا موحِّدين ولم يكونوا أنبياء. ثمَّ ينتقل إلى رمزَي الشمس والقمر، فيدرس علاقتهما بالحساب والزمن وتعاقب الليل والنهار، ويربطهما بما يراه من إشارات إلى المشقَّة والرَّاحة، والشِّدَّة والرَّخاء، والجمال وظهور الحقائق. ويستشهد بما وقع ليوسف من ظلم إخوته ومراودة امرأة العزيز والسجن، ثمَّ ظهور براءته وخروجه من السجن وارتفاع منزلته، ويُناقش ما يستنبطه من ترتيب أحداث القصَّة وآياتها في هذا السياق.
ويتناول رمز السجود في الرؤيا وعلاقته بما وقع عند اجتماع يوسف عليه السلام بأبويه وإخوته، فيشرح دلالته على الخضوع والتعظيم وعلوِّ المنزلة، ويميِّز بين سجود التحيَّة الذي كان مشروعًا في بعض الشرائع السابقة وسجود العبادة الذي لا يجوز إلا لله تعالى. ثمَّ يُخصِّص الفصل الأخير لاستخراج فوائد عمليَّة في تعبير الرؤى، فيبدأ بوصيَّة يعقوب عليه السلام لابنه بألَّا يقصَّ رؤياه على إخوته، ويُبيِّن ما فيها من التحذير من الحسد، وأهمِّيَّة اختيار العالم أو الناصح الأمين لإخباره بالرؤيا.
ويعرض بعد ذلك قواعد يستنبطها من رؤيا يوسف عليه السلام، منها مراعاة ترابط الرموز واجتماعها على معنى رئيس، والنظر في تكرار المعاني وما قد يدلُّ عليه من تأكيد أو زيادة، والانتباه إلى الأعداد والأرقام والتفاصيل التي يذكرها الرائي، وأثر صلاحه وأحواله في الرؤيا. ويُناقش الفرق بين الرؤيا الصالحة وأضغاث الأحلام وحديث النفس، وأهمِّيَّة عدم الجزم بالتعبير لكونه قائمًا على الظنِّ والاجتهاد، مع تغليب التفسير الحسن وتجنُّب ما يُفزع الرائي. كما يتناول إمكان اشتمال الرؤيا الواحدة على البشارة والتحذير معًا، ودلالتها على أحداث مستقبليَّة أو أحوال قائمة، وأهمِّيَّة أن يقصَّ الرائي رؤياه بنفسه للمحافظة على تفاصيلها. ويؤكِّد أنَّ ما يقدِّمه من دلالات إضافيَّة لرموز رؤيا يوسف عليه السلام تأمُّلات واجتهادات محتملة، وليست تفسيرًا قطعيًّا للآيات أو أحكامًا شرعيَّة مستنبطة من المنامات.