يَسْتَنْبِط حَمَّاد بن مُحَمَّد يُوسُف في هذا الكتاب الغاياتِ والمعانيَ الأساسيَّة التي اشتملت عليها سورة «ق»، مُبَيِّنًا ما بينها من ترابطٍ، وكيف تنتظم موضوعاتُها المتعدِّدة حول تقرير البعث بعد الموت، وإثبات رسالة النَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، والرَّدِّ على المكذِّبين بهما. ويَعْتَمِد في ذلك على استقراء الآيات وأقوال المُفَسِّرين، واستنباط مقاصد السُّورة وشواهدها، وربط مقاطعها بعضها ببعض، ثمَّ تدبُّر آياتها تفصيلًا للكشف عن المقصود المباشر منها وما تتضمَّنه من هداياتٍ. ويُوَضِّح مفهوم المقاصد القرآنيَّة وأهمِّيَّة معرفتها في تدبُّر القرآن الكريم وفَهْم معانيه، والفَرْقَ بين دراسة المقاصد والتَّفسير، مُؤَكِّدًا أنَّ النَّظر في الغاية التي تنتظم الآيات يُعِين على إدراك صِلَة الموضوعات الجزئيَّة بالمقصد العامِّ للسُّورة، ويَحُول دون التَّعَسُّف في توجيه النُّصوص وتأويلها.
ويُعَرِّف بسورة «ق» من حيث اسمها وعدد آياتها ومَكِّيَّة نزولها وترتيبها في المصحف والنُّزول، ويُبَيِّن فضلَها وما ثبت من قراءة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لها في خُطبة الجمعة وصلاتَي الفجر والعيد. ويَكْشِف عن مناسبتها لما قبلها وما بعدها من السُّوَر، وما بين فاتحتها وخاتمتها من ارتباطٍ في ذكر القرآن والبعث وقدرة الله تعالى. ثمَّ يُحَدِّد مقصدَ السُّورة في معالجة تكذيب المشركين بالرِّسالة والبعث والحساب، مُستدلًّا على ذلك بآياتها وموضوعاتها وترتيب نزولها ومناسباتها. ويَقْسِم آياتِها بحسب هذا المقصد إلى ثلاثة مقاطعَ مترابطةٍ؛ يُقَرِّر أوَّلُها صدق الرِّسالة وإمكان البعث، ويَصِف ثانيها رقابةَ الله تعالى على الإنسان وأحوالَه من الحياة إلى الموت والحساب والجزاء، ويُؤَكِّد ثالثُها وقوعَ البعث، ويُحَذِّر المكذِّبين، ويُثَبِّت قلبَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
ويَتَدَبَّر الآياتِ التي تَرُدُّ على استبعاد المشركين إحياءَ الموتى، مُبَيِّنًا استدلالَ السُّورة بكمال علم الله تعالى وقدرته وحكمته، وبخلق السَّماوات والأرض، وإنزال المطر وإنبات الزُّروع وإحياء الأرض بعد موتها، على إمكان إعادة الخلق. ويُوَضِّح ما في أخبار الأمم السَّابقة التي كذَّبت رُسُلَها من تقرير صدق النُّبوَّة، والتَّحذير من عاقبة التَّكذيب، والدَّعوة إلى الاعتبار بمصارع الهالكين. كما يُبْرِز ما تَضَمَّنَتْه السُّورة من تقرير التَّوحيد والإيمان بالملائكة والكتب والرُّسُل واليوم الآخر والقَدَر، وإثبات صفات الكمال لله تعالى وتنزيهه عن النَّقائص. ويَشْرَح دلالةَ الآيات على إحاطة علم الله تعالى بالإنسان، حتَّى بما تُوَسْوِس به نفسُه، وما يقوم به المَلَكَان من كتابة أقواله وأعماله، وما يقتضيه ذلك من مراقبة الله تعالى وحفظ اللِّسان والجوارح.
ويَتَتَبَّع ما تُصَوِّرُه السُّورة من أحوال الإنسان عند سَكْرَة الموت، ثمَّ النَّفخ في الصُّور والبعث والحشر والحساب، وما يَشْهَد به الملائكة على أعمال العباد، وما يقع من اختصام الكافر وقرينه، مع بيان عدل الله تعالى في الجزاء، ومصير أهل الكفر والعناد إلى النَّار، وما أُعِدَّ لأهل التَّقوى والإنابة من نعيم الجَنَّة. ويُوَضِّح ما في هذه المشاهد من التَّرغيب والتَّرهيب، وإيقاظ القلوب من الغفلة، والحثِّ على الاستعداد للآخرة. كما يُبَيِّن ما اشتملت عليه خاتمة السُّورة من تسلية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمره بالصَّبر والتَّسبيح والصَّلاة، وتقرير أنَّ مهمَّته البلاغ والتَّذكير لا إكراه النَّاس على الإيمان. ويَرْبِط ذلك بالأمر بالتَّذكير بالقرآن الكريم، مُبْرِزًا مكانته في الدَّعوة والهداية، والصِّلَة بين مقاصد السُّورة وما ثبت من قراءة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لها في المجامع العظيمة، لما تضمَّنته من أصول الاعتقاد والتَّذكير بالبعث والحساب.