يُؤَصِّل عبد الله بن يوسف الجُدَيْع في كتاب «المُقَدِّمَات الأساسيَّة في علوم القرآن» القواعدَ العلميَّة التي تقوم عليها معرفة القرآن الكريم وفَهْمُه وتلاوتُه، مُحَرِّرًا مسائلَها ومُناقِشًا ما اختلف فيه العلماء من أقوالٍ ومذاهبَ، مع التَّحَرِّي في صحَّة الأخبار والآثار، والاستدلال بالنُّصوص، والتَّرجيح بين الأقوال بعيدًا عن التَّقليد والتَّكَلُّف. ويُقِيم بحثَه على ستِّ مُقَدِّمَاتٍ تتعلَّق بنزول القرآن وحفظه ونقله والنَّسخ فيه وتفسيره وأحكام قراءته. ويُمَهِّد لها بتعريف القرآن الكريم، وبيان الاعتقاد فيه وأنَّه كلام الله تعالى غيرُ مخلوقٍ، وأسمائه وأوصافه، ومعنى السُّورة والآية، ثمَّ يُوَضِّح إعجازَه وبقاءَ التَّحدِّي به، مُبَيِّنًا وجوهَ الإعجاز اللُّغويِّ والإخباريِّ والتَّشريعيِّ والعلميِّ، وما تَشْتَمِل عليه آياتُه من دلائلَ على صدق النَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
ويَتَتَبَّع كيفيَّة نزول القرآن الكريم، وما ورد في إنزاله جملةً واحدةً إلى السَّماء الدُّنيا ثمَّ نزوله مُفَرَّقًا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، مع بيان ما يتعلَّق بالوَحْي وتلقِّيه عن جبريل عليه السلام. ويُحَرِّر مسائلَ أسباب النُّزول، وطُرُقَ معرفتها وفوائدَها، وحُكْمَ تكرُّر نزول الآية، وقاعدةَ الاعتبار بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، مُؤَكِّدًا ضرورةَ التَّثَبُّت من صحَّة الرِّوايات الواردة فيها. ويُوَضِّح ضوابطَ التَّمييز بين المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ، وخصائصَ كلٍّ منهما وعلاماتِ معرفتهما، وما ورد في أوَّل ما نزل من القرآن وآخره من أقوالٍ وأدلَّةٍ. كما يُنَاقِش معنى نزول القرآن على سبعة أحرف، ويَسْتَعْرِض أشهرَ المذاهب في تفسيرها، مُرَجِّحًا أنَّ المراد بها سبعُ لغاتٍ للمعنى الواحد، نزل بها القرآن تيسيرًا على الأُمَّة ورفعًا للحرج عن اختلاف ألسنتها.
ويُفَصِّل تاريخَ حفظ القرآن وجَمْعه، ابتداءً بحفظه في الصُّدور وكتابته في عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ جَمْعه في عهد أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه، ونَسْخ المصاحف في عهد عثمان بن عفَّان رضي الله عنه، مُبَيِّنًا الفرقَ بين الجَمْعَيْن وموقفَ الصَّحابة رضي الله عنهم من المصاحف العثمانيَّة، ومُناقِشًا ما نُقِل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في هذا الشَّأن. ويَبْحَث ترتيبَ الآيات والسُّوَر، وفواصلَ الآيات وأحكامَ البَسْمَلَة، وما ورد في ذلك من خلافٍ، ثمَّ يَشْرَح الرَّسم العثمانيَّ، وما أُضِيف إلى المصاحف من نَقْطٍ وشَكْلٍ وعلاماتٍ، وحُكْمَ المحافظة على رسمها عند كتابة المصاحف. ويَنْتَقِل إلى إثبات تواتُر نقل القرآن، وتفنيد الشُّبُهات المتعلِّقة بسلامة نصِّه، مع بحث ما رُوِي عن مصاحف بعض الصَّحابة رضي الله عنهم. ويُوَضِّح أنواعَ القراءات القرآنيَّة باعتبار نقلها، وشروطَ صحَّة القراءة من موافقة العربيَّة والرَّسم العثمانيِّ وصحَّة الإسناد، وفوائدَ اختلاف القراءات في بيان المعاني، ثمَّ يُعَرِّف بأئمَّة القراءة السَّبعة ورُواتهم.
ويُحَقِّق مسائلَ النَّسْخ في القرآن الكريم، مُبَيِّنًا معناه في اللُّغة واصطلاح العلماء، والفَرْقَ بين استعمال المتقدِّمين والمتأخِّرين له، وأدلَّةَ ثبوته والحِكْمَةَ منه، وشروطَ الحُكْم بوقوعه وطُرُقَ معرفته. ويُناقِش نَسْخَ القرآن بالقرآن وبالسُّنَّة، وأنواعَ النَّسْخ من ارتفاع الحُكْم مع بقاء التِّلاوة، أو ارتفاع التِّلاوة مع بقاء الحُكْم، أو ارتفاعهما معًا، مُسْتَشْهِدًا بما ورد في كلِّ نوعٍ من النُّصوص والرِّوايات، ومُفَنِّدًا الشُّبُهات التي أُثِيرَت حول وقوع النَّسْخ. ويُؤَصِّل بعد ذلك منهجَ تفسير القرآن، فيُحَرِّر معنى التَّفسير وحُكْمَه، وشروطَ المفسِّر، والطُّرُقَ التي ينبغي اتِّباعها في فهم الآيات، مع التَّأْكِيد على صحَّة الاعتقاد، والتَّجَرُّد للحقِّ، ومراعاة اللُّغة العربيَّة، والتَّثَبُّت من الرِّوايات، والرُّجوع إلى تفسير القرآن بالقرآن والسُّنَّة وأقوال السَّلف. ويَتَتَبَّع نشأةَ التَّفسير في عهود الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين، ومراحلَ تدوينه، ثمَّ يَنْقُد مناهجَ المفسِّرين ومُصَنَّفَاتهم، مُناقِشًا ما دخل بعضَ كتب التَّفسير من أحاديثَ ضعيفةٍ وإِسْرَائِيلِيَّاتٍ، وما يتعلَّق بالتَّفسير بالمأثور والرَّأي، والتَّفاسير الفقهيَّة واللُّغويَّة والصُّوفيَّة والمعاصرة. كما يُبَيِّن قواعدَ التَّفسير المتعلِّقة بدلالات الألفاظ والتَّراكيب، وأثر السِّياق والقراءات وأسباب النُّزول في فَهْم المعنى، وما ينبغي مراعاته عند استنباط الأحكام وتدبُّر الآيات.
ويُعْنَى بأحكام تلاوة القرآن الكريم وآدابها، فيُوَضِّح معنى التَّجويد وأصلَ تلقِّيه وحُكْمَ القراءة به، وطُرُقَ ضبط التِّلاوة ومراتبَها، والهَدْيَ النَّبويَّ في التَّرتيل، وما ينبغي مراعاته من أحكام الوقف والابتداء حِفَاظًا على المعاني. ويُبْرِز فضلَ تعلُّم القرآن وتعليمه وحفظه ومراجعته، ووجوبَ التَّمسُّك به والعمل بأحكامه، مع التَّحْذِير من هَجْرِه وما ورد في نسيان محفوظِه من أخبارٍ وأحكامٍ. ويُفَصِّل آدابَ قارئ القرآن، من إخلاص النِّيَّة وحُسْن القَصْد وتعظيم كلام الله تعالى، ويُناقِش المسائلَ المتعلِّقة بأخذ الأُجْرَة على تلاوته وتعليمه، والطَّهارة للقراءة، وأحكام تلاوة القرآن في الأحوال المختلفة، والاجتماع لقراءته، والتَّكبير ودُعاء الخَتْم والإنصات عند سماعه. ويَبْحَث كذلك أحكامَ مَسِّ المصحف وحَمْلِه وتعظيمه، وما يتَّصل بحفظه وصيانته والتَّصرُّف في أوراقه البالية، مُناقِشًا أدلَّةَ العلماء في هذه المسائل، ومُبَيِّنًا ما يَثْبُت منها بالسُّنَّة والآثار وما لا يَثْبُت.