كتاب المستطرف في كل فن مستظرف لمحمد بن أحمد الأبشيهي PDF
أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة
يَجْمَع محمَّد بن أحمد الأَبْشِيهِيُّ في كتاب «المُسْتَطْرَف في كلِّ فنٍّ مُسْتَظْرَف» طائفةً واسعةً من طرائف الأدب العربيِّ ونوادره، وأخبار الملوك والخلفاء والعلماء والأدباء، وأقوال الحكماء، والمواعظ والأمثال السَّائرة، والأشعار والحكايات التي تتنوَّع بين الجِدِّ والهَزْل، والحكمة والطَّرافة، والعبرة والتَّسلية. وانتخب ما جمعه من مصنَّفاتٍ أدبيَّةٍ وتاريخيَّةٍ متقدِّمة، وفي مقدِّمتها «ربيع الأبرار» للزَّمَخْشَرِيِّ، و«العِقْد الفريد» لابن عبد رَبِّه، وأضاف إليه ما اختاره من الآيات القرآنيَّة والأحاديث النَّبويَّة والأخبار المأثورة والألفاظ اللُّغويَّة والأمثال الشِّعريَّة. ولم يَقْصِد إلى تأليف كتابٍ في علمٍ واحد، بل رتَّب مختاراته في أربعةٍ وثمانين بابًا، يَجْمَع كلُّ بابٍ منها ما يتَّصل بموضوعه من النُّصوص والأقوال والوقائع، حتَّى تتجاور الموعظة الدِّينيَّة مع الحكمة الفلسفيَّة، والخبر التَّاريخيُّ مع النَّادرة الأدبيَّة، والوصف اللُّغويُّ مع الحكاية العجيبة. ويَتَمَيَّز هذا التَّأليف بتنوُّع مصادره وأغراضه، وكثرة انتقاله بين ألوان القول ومواقف النَّاس، مع العناية بما في الخبر من لطافةٍ، أو في الشِّعر من براعةٍ، أو في الحكاية من عبرةٍ تكشف عن طبائع البشر وأحوالهم.
وفي أبوابه الأولى تبرز الموضوعات الدِّينيَّة والعلميَّة بوصفها مدخلًا إلى تهذيب النَّفس وتقويم السُّلوك؛ ففي أركان الإسلام يورد ما يتعلَّق بالتَّوحيد والعقيدة، وفضائل الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحجِّ، وما نُقل عن الصَّالحين والعُبَّاد من أخبارٍ في الخشوع والإخلاص والزُّهد والإنفاق. ويَصِل بذلك بيان منزلة العقل والذَّكاء والفطنة، وما قيل في رجاحة الرَّأي وحُسْن التَّدبير وأثر التَّجارب في اكتساب الحكمة، في مقابل أخبار الحَمْقَى والمغفَّلين وما يُرْوَى من غرابة تصرُّفاتهم. وللقرآن الكريم موضعٌ خاصٌّ في ذكر فضائله وحرمته وثواب تلاوته، وما ورد في تعلُّمه وتعليمه وحفظه والعمل به. وأمَّا العلم والأدب، فيجمع المؤلِّف الأقوال التي تُبَيِّن فضل العالم والمتعلِّم، ومنازل العلوم وأهلها، وآداب طلب المعرفة، وما يَحْسُن بالإنسان أن يكتسبه من الخصال التي تجمع بين المعرفة وحُسْن المعاملة. وتُكْمِل هذه الموضوعاتِ مختاراتٌ من الوصايا والحِكَم والمواعظ التي تدعو إلى التَّبصُّر في العواقب، وضبط النَّفس، واجتناب الغفلة، والعمل بما ينفع الإنسان في دينه ودنياه.
ولفنُون اللُّغة والبيان مكانةٌ ظاهرةٌ في الكتاب؛ إذ يَتَنَاوَل البلاغة والفصاحة وما قيل في حدودهما وفضائلهما، ويُورِد أخبار الفصحاء والبلغاء من الرِّجال والنِّساء، ونماذجَ من الكلام الذي امتاز بحُسْن الصِّياغة وإصابة المعنى. وتتجلَّى براعة المتكلِّمين في الأجوبة المُسْكِتَة والمستحسنة، وما اشتهر من سرعة البديهة وحُسْن التَّخلُّص من المواقف الحرجة، والقدرة على تحويل السُّؤال أو الاتِّهام إلى جوابٍ يُظْهِر ذكاء صاحبه. كما يَجْمَع أخبار الخُطَباء والشُّعراء، وما وقع بينهم من منافساتٍ ومفاخراتٍ، وما نُقِل من سرقاتٍ شعريَّةٍ وأخطاءٍ لغويَّةٍ وزلَّاتٍ لم يَسْلَم منها بعض المشهورين بالفصاحة. وتأتي الأمثال السَّائرة لتكشف عن تجارب العرب في وصف النَّاس والأحداث، واختصار المعاني الكثيرة في عباراتٍ وجيزةٍ تتناقلها الألسنة. ومن خلال هذه الاختيارات يَعْرِض المؤلِّف وجوهَ التَّفوُّق في الكلام، لا باعتبارها قواعدَ نظريَّةً مجرَّدة، بل في صُوَرٍ حيَّةٍ من الخُطَب والمناظرات والأجوبة والأبيات الشِّعريَّة والحوادث التي نشأت عنها.
وفي عالم المُلْك والسِّياسة والقضاء، تَتَجَمَّع أخبارُ السَّلاطين والخلفاء والوزراء والقُضَاة والوُلَاة، وما ارتبط بمناصبهم من سلطانٍ ومسؤوليَّةٍ ومخاطر. ويُورِد الأحاديث والأقوال التي تتعلَّق بحقوق الحاكم والرَّعيَّة، والعدل في الأحكام، والنُّصح لأصحاب السُّلطة، وما ينبغي للحاكم من الحزم والرِّفق وحُسْن اختيار الأعوان. وإلى جانب أخبار الملوك وسيرهم، تَرِد الوصايا المُوَجَّهَة إلى الوزراء، وما اشتهر به بعضهم من الدَّهاء وحُسْن التَّدبير، وقصص مَن أصابهم العَزْل أو النَّكْبَة بعد ارتفاع منزلتهم. وتظهر أحوال أصحاب الحِجَاب والوِلاية، وما قد يَجُرُّه القُرْب من السُّلطان من غُرُورٍ أو خوفٍ أو تقلُّبٍ في الأحوال، فضلًا عن أخبار القُضَاة وما يُشْتَرَط فيهم من النَّزاهة وإقامة الحقِّ، والتَّحذير من الرَّشوة وقبول الهدايا التي تُفْسِد الأحكام. وتَشْمَل هذه المباحث الشُّروط التي تُؤخَذ على العُمَّال، واستيفاء الخَرَاج، وأحكام أهل الذِّمَّة، وما وقع من مظالمَ وعدوانٍ وما أعقبها من عواقبَ. ويتقابل العدل والظُّلم في الأخبار التي اختارها الأبشيهيُّ؛ فيُقَرِّب آثار الإنصاف والإحسان في استقامة شؤون النَّاس، ويذكر ما آل إليه أمر بعض الظَّالمين من ذهاب المُلْك أو سوء المصير، مُسْتَخْدِمًا الحكاية التَّاريخيَّة والموعظة والشِّعر في تصوير هذه المعاني.
وتَحْتَلُّ الأخلاقُ والعلاقات الإنسانيَّة حيِّزًا واسعًا من الكتاب، بما تضمَّنته من فضائلَ ورذائلَ تتكشَّف في السُّلوك اليوميِّ ومواقف الاختبار. فمن محاسن الأخلاق الجود والسَّخاء وإغاثة الملهوف وقضاء الحوائج، وحُسْن المعاشرة والمودَّة والأُخوَّة والزِّيارة، والشَّفقة على الخلق والرَّحمة بهم، والإصلاح بين المتخاصمين، والحياء والتَّواضع ولِين الجانب. وفي مقابلها تَرِد أخبار الكِبْر والعُجْب والخُيَلاء والفخر المذموم، والبُخْل والشُّحِّ، والغَدْر والخيانة والحسد والعداوة والبغضاء، وما تَجْلِبه من فساد العلاقات وضياع الثِّقة. ولصَوْن اللِّسان عنايةٌ خاصَّةٌ؛ إذ يجمع المؤلِّف ما قيل في الصَّمْت وحُسْن اختيار الكلام، والنَّهي عن الغيبة والنَّميمة، وما قد يُورِثه التَّسرُّع في القول من النَّدامة. وتتَّصل بذلك المشورة والنَّصيحة وحفظ الأسرار والوفاء بالعهود، والعفو والصَّفح وكَظْم الغَيْظ وقبول الاعتذار، وما يُرْوَى من مواقفَ يُمْتَحَن فيها صدق الإنسان أو أمانته أو قدرته على ضبط غضبه. ويُكْثِر الأبشيهيُّ من مقابلة الصِّفات بأضدادها، فيَذْكُر الكريم والبخيل، والشُّجاع والجَبَان، والحليم والسَّفِيه، والصَّادق والكذَّاب، ويستعين بالأخبار والأشعار لإظهار الفروق بين هذه الطِّباع، وما يَتَرَتَّب عليها من مدحٍ أو ذمٍّ أو جزاء.
ولأحوال النَّاس في معاشهم وأُسَرهم ومجالسهم نصيبٌ لا يقلُّ تنوُّعًا؛ ففي الطَّعام والضِّيافة يَجْمَع آدابَ المضيف والضَّيف، وأخبار الأَكَلَة وما عُرِف عن بعضهم من شراهةٍ أو طرافةٍ في طلب الطَّعام، وما ارتبط بالموائد من كَرَمٍ أو بُخْلٍ أو مُلَاحَاتٍ. وفي شؤون الأسرة تَرِد الوصايا المتعلِّقة ببِرِّ الوالدَيْن وصِلَة الأرحام، وحقوق الأولاد وما ينبغي من رعايتهم وتأديبهم، مع أخبارٍ عن الأنساب والقرابات. ويَصِف أحوال البشر من جهة الشَّكل واللِّباس والحُسْن والقُبْح والطُّول والقِصَر، وما قيل في الحُلِيِّ والمَصُوغ والطِّيب والتَّخَتُّم، وفي الشَّباب والشَّيْب والصِّحَّة والعافية وطول العمر وأخبار المُعَمَّرين. وتَظْهَر في مباحث الغِنى والفقر والكسب والعمل تصوُّراتٌ متعدِّدةٌ عن المال ومكانته، وما قيل في حبِّ جمعه والافتخار به، وفي القناعة والزُّهْد والتَّعفُّف وطلب الرِّزق. كما يُورِد أخبار أصحاب الحِرَف والصَّنائع، وما اشتهر من حِيَلِ أهل المِهَن وطرائفهم، ويقابل بين الجِدِّ في العمل والعَجْز والتَّوَانِي. وتتَّصِل هذه المعاني بما قيل في الهدايا والتُّحَف والتَّلطُّف في السُّؤال، وأخبار مَن أُحْسِن إليهم أو أَجْزَلُوا العطاء للسَّائلين، وما جرى في ذلك من إجاباتٍ بليغةٍ ومواقفَ طريفةٍ تُظْهِر طبائع أصحاب المال والحاجة.
ولا تَنْفَصِل هذه الموضوعات عن تقلُّبات الحياة وما تُحْدِثه في النُّفوس من أحوال؛ ففي الأسفار والاغتراب تتجاور أخبار الرَّحَّالة مع الأشعار التي تصف فراق الأحبَّة والحنين إلى الأوطان، وما قيل في ترك الإقامة بدار الهَوَان، والصَّبر على مشقَّة البُعْد ومفارقة الأهل. وتَرِد كذلك الشَّكوى من الزَّمان وتبدُّل الصَّداقات وانقلاب الأيَّام بأصحابها، وما يُعِين على احتمال المصائب من الصَّبر والتَّعزِّي واستحضار سُنَّة التَّغيُّر في أحوال الدُّنيا. وفي مقابل المحن والكروب يَجْمَع ما قيل في الفَرَج بعد الشِّدَّة واليُسْر بعد العُسْر، ويُورِد أخبار مَن انتقلوا من الفقر إلى الغِنى، أو من الضِّيق إلى السَّعَة، أو من الهَوَان إلى الرِّفْعَة. ويَتَخَلَّل هذه المباحثَ ما نُقِل من أخبار العَبِيد والإماء والخَدَم، وما جرى بينهم وبين أسيادهم من طرائفَ ومواقفَ، مع ذكر الأسماء والكُنَى والألقاب وما اشتهر منها، وأسباب إطلاق بعضها على أصحابها.
وفي أخبار العرب وغرائب عاداتهم يَتَّسِع الكتاب إلى ما كان شائعًا في الجاهليَّة من معتقداتٍ وتقاليدَ وأوهامٍ وأوابدَ، ومنها البَحِيرَة والسَّائِبَة والوَصِيلَة والحَامِي، وما اتَّصل بالكَهَانَة والعِرَافَة والقِيَافَة والزَّجْر والفَأْل والطِّيَرَة والفِرَاسَة، وتعبير الرُّؤَى وأخبار النَّوم والأحلام. ويُورِد الحكايات التي تُصَوِّر ما كان النَّاس يعتقدونه في بعض الظَّواهر والأحداث، وما نُسِب إلى أصحاب الفِطْنَة والدَّهَاء من القدرة على استنباط الخفيِّ من العلامات الظَّاهرة. وتتَّصل بذلك الحِيَل والخَدَائِع التي يُتَوَصَّل بها إلى المقاصد، وما وقع من مكايدَ ومواقفَ جرى فيها استعمال الذَّكاء والتَّبصُّر والتَّنبُّه لأخطاء الآخرين. وأمَّا الحديث عن الحيوان، فيَجْمَع فيه أسماء الدَّوابِّ والوُحُوش والطُّيور والهَوَامِّ والحشرات، وألقابها وصفاتها وما يُرْوَى من طبائعها، مرتَّبًا أسماءها على حروف المعجم. ويَتَجَاوَز الوصفَ المألوفَ إلى أخبار المخلوقات العجيبة والكائنات الغريبة التي نقلها عن كتب الأخبار والعجائب، ثمَّ إلى أوصاف الجَانِّ وما حُكِيَ عن خَلْقهم وأحوالهم. وللبحار والأنهار والآبار والجبال والبلدان والأبنية الغريبة موضعٌ في هذا الجانب من الكتاب، إلى جانب المعادن والأحجار وما نُسِب إليها من خواصَّ ومنافعَ. وتَتَدَاخَل في هذه الأخبار المعارفُ المتداولةُ والتَّصوُّراتُ الشَّعبيَّةُ والحكاياتُ الخياليَّةُ، بما يكشف عن طبيعة ما كان يُجْمَع في مصنَّفات الأدب والعجائب من أوصافٍ ومرويَّاتٍ لا يقتصر غرضها على التَّقرير العلميِّ.
وللشِّعر والطَّرب والعشق والمزاح حضورٌ بارزٌ في الأبواب المتأخِّرة؛ إذ يُخَصِّص الأبشيهيُّ مباحثَ للأصوات الحسنة والألحان والغناء، واختلاف النَّاس في استحسانه وكراهته، وما اشتهر من أخبار المغنِّين والمُطْرِبين والقَيْنَات ومجالس الخلفاء والرُّؤساء. ويَجْمَع ما نُقِل عن أصحاب الأصوات الجميلة، وما وقع في مجالس السَّمَاع من مواقفَ طريفةٍ أو حوادثَ تُصَوِّر شدَّة التَّأثُّر بالغناء. وفي العشق وأخبار المُحِبِّين تَرِد أوصاف المحبَّة والشَّوق والهُجْر والوَصْل والعَفَاف، وحكايات مَن اشتدَّ بهم الوَجْد، وما يُرْوَى عن بعض مَن أفضى بهم العشق إلى المرض أو الموت. ويتَّصل بذلك ما قيل في النِّساء وصفاتهنَّ، وأحكام النِّكاح والطَّلاق، وما يُمْدَح أو يُذَمُّ من معاشرتهنَّ، مع مختاراتٍ من الأحاديث والأخبار والأشعار. وأمَّا الفنون الشِّعريَّة، فلا يقتصر عرضُها على القَصِيدَة العربيَّة المألوفة، بل يشمل المُوَالِيَا والدُّوبَيْت والموشَّحات والزَّجَل وفنونًا أخرى من الشِّعر والنَّظم، وما تضمَّنته من ألغازٍ ومعانٍ دقيقةٍ وأوصافٍ لطيفة. ويُكْمِل هذه المختاراتِ بابٌ في تحريم الخمر وذمِّها، وآخرُ في المزاح وما ورد في النَّهي عن الإفراط فيه والتَّرخيص بما لا يَشِين، ثمَّ طائفةٌ من النَّوادر التي اشتهرت عن العرب والملوك والأدباء والمُغَفَّلِين، وفيها من المواقف المفاجئة والأجوبة المُضْحِكَة والحِيَل العجيبة ما يَقْصِد إلى إمتاع القارئ إلى جانب ما قد يحمله من عبرة.
وتعود المباحثُ الأخيرة إلى الموضوعات الدِّينيَّة والرَّقائق، فيَجْمَع المؤلِّف ما ورد في الدُّعاء وآدابه وشروطه، والقضاء والقَدَر والتَّوكُّل على الله تعالى، والتَّوبة والنَّدم والاستغفار، مُسْتَحْضِرًا من أخبار التَّائبين والصَّالحين ما يُرَغِّب في الإنابة والرُّجوع عن المعاصي. وللأمراض والعِلَل والطِّبِّ والدَّواء بابٌ يتضمَّن ما قيل في الابتلاء والمرض وثواب الصَّبر عليه، وما نُقِل من وسائل التَّداوي ومنافع بعض الأغذية والأدوية، وآداب عيادة المريض. ثمَّ تأتي أخبار الموت والقبر وما يتَّصل بهما من مواعظَ تُذَكِّر بفناء الحياة، يتبعها ما قيل في الصَّبر والتَّأسِّي والتَّعازي والمَرَاثِي، وكيفيَّة مواساة أهل المصائب والتَّخفيف عنهم، ثمَّ التَّذكير بأحوال الدُّنيا وتقلُّبها بأهلها، وما يُرْوَى في ذمِّ الاغترار بها والحثِّ على الزُّهْد فيها. ويَخْتَتِم الأبشيهيُّ كتابه بذكر فضل الصَّلاة على النَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، جامعًا في ذلك أربعين حديثًا يوردها في فضلها وثوابها. وبذلك تتكامل صورة «المُسْتَطْرَف» بوصفه مجموعًا أدبيًّا جامعًا لا يقتصر على الإمتاع بالطَّرائف والنَّوادر، بل يَحْفَظ ألوانًا من الشِّعر والحكمة والخُطَب والأمثال والأخبار والعادات والتَّصوُّرات الشَّائعة، ويَصِل بين أحوال الملوك والعامَّة، وأهل العلم والزُّهْد، وأصحاب الفصاحة والدَّهَاء، في عرضٍ متنوِّعٍ للحياة الإنسانيَّة كما صوَّرتها كتب الأدب العربيِّ وأخبار السَّابقين.
مُحمَّد بن أحمد بن منصور بن أحمد بن عيسى الأَبْشِيهِيّ المَحَلِّيّ الشَّافِعِيّ، أبو الفتح، بهاء الدِّين، ابن الشِّهاب أبي العبَّاس: أديبٌ وواعظٌ مصريٌّ، صاحب كتاب «المُسْتَطْرَف في كلِّ فنٍّ مُسْتَظْرَف». وُلِد بقرية أَبْشِيوَه بمصر سنة 790هـ، ونشأ بها، وحفظ القرآن الكريم، وأمَّ النَّاس به وهو ابن عشر سنين. ودرس الفقه والنَّحو، وعرض ما حفظه فيهما على شهاب الدِّين الطَّلْيَاوِيّ وغيره. وحجَّ سنة 814هـ، وتردَّد على القاهرة، وحضر دروس جلال الدِّين البُلْقِينِيّ، وأقام بالمَحَلَّة الكُبْرَى، وتولَّى الخطابة بعد أبيه. واشتغل بالوعظ ونظم الشِّعر والتَّصنيف في الأدب والأخبار، وتطارح مع أدباء عصره، ولقيه ابن فَهْد والبِقَاعِيّ بالمَحَلَّة سنة 838هـ، وكتبا عنه شيئًا من نظمه. وأشهر مؤلَّفاته «المُسْتَطْرَف في كلِّ فنٍّ مُسْتَظْرَف»، وهو كتابٌ جامعٌ في الأدب والأخبار والنَّوادر والحِكَم، وله «أطواق الأزهار على صدور الأنهار» في الوعظ، و«تذكرة العارفين وتبصرة المُستبصرين»، وشرع في تصنيف كتابٍ في صناعة التَّرسُّل والكتابة ولم يُتمَّه. وأخذ عليه السَّخَاوِيّ ضعف معرفته بالنَّحو وكثرة اللَّحن في كلامه ومؤلَّفاته. تُوفِّي بعد سنة 850هـ، والمشهور أنَّ وفاته كانت سنة 852هـ.