يُحَرِّر عبد المجيد بن مُحَمَّد الوَعْلَان في هذا الكتاب مفهومَ المُتَشَابِه في القرآن الكريم، مُبَيِّنًا معناه اللُّغويَّ والاصطلاحيَّ، والفَرْقَ بينه وبين المُحْكَم، ومُناقِشًا أقوالَ العلماء في أنواعه وحُكْم تأويله وموقف المسلم منه، مع العناية بما يتعلَّق بهذه المسائل من مباحث الاعتقاد، ولا سيَّما صفات الله تعالى. ويبدأ بتعريف المُحْكَم في اللُّغة، مُرْجِعًا معناه إلى المَنْع والإتقان، وتعريف المُتَشَابِه بما يَدُلُّ على المُمَاثَلَة والاشتباه والالتباس، ثمَّ يَسْتَعْرِض أقوال العلماء في تحديد مدلول كلٍّ منهما عند ورودِهما في النُّصوص الشَّرعيَّة. ويُناقِش مَن جَعَل المُحْكَمَ ما عُرِف معناه، والمُتَشَابِهَ ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومَن فَرَّق بين ما لا يَحْتَمِل إلَّا معنًى واحدًا وما يَحْتَمِل معانيَ مُتَعَدِّدَةً، ومَن جَعَل المُحْكَمَ ما استقلَّ بنفسه في الدَّلالة، والمُتَشَابِهَ ما احتاج إلى بيانٍ، إلى جانب الأقوال التي رَبَطَت الإحكامَ والتَّشابه بالنَّاسخ والمَنْسُوخ أو بالحروف المُقَطَّعَة في أوائل السُّوَر.
ويُفَرِّق بين الإحكام والتَّشابه العامَّيْن والخاصَّيْن، مُوَضِّحًا أنَّ القرآن الكريم وُصِف كلُّه بالإحكام باعتبار إتقان ألفاظه ومعانيه، وتناسُق أحكامه وأخباره، وسلامته من الاختلاف والتَّناقض، ووُصِف كلُّه بالتَّشابه باعتبار أنَّ بعضه يُصَدِّق بعضًا، ويُمَاثِلُه في الصِّدق والحُسْن والهداية. أمَّا الإحكام والتَّشابه الخاصَّان فيَتَعَلَّقَان بما وَرَد في قوله تعالى: «مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ»، حيث تَظْهَر دلالةُ بعض الآيات، ويَقَع الاشتباه في غيرها لاشتراك الألفاظ في أكثر من معنًى أو خفاء المراد منها على النَّاظر. ويُبَيِّن الحِكْمَةَ من وجود المُتَشَابِه في القرآن الكريم، وما فيه من ابتلاءٍ للعباد في إيمانهم وتسليمهم للوحي، وتمييزٍ بين الرَّاسخين في العلم الذين يَرُدُّون المُتَشَابِه إلى المُحْكَم، وأهل الزَّيْغ الذين يَتَّبِعُون ما اشتبه ابتغاءَ الفتنة. كما يُوَضِّح ما يَقْتَضِيه وجودُ المُتَشَابِه من النَّظر والتَّدَبُّر والاجتهاد في فَهْم النُّصوص، وما يَنْشَأ عن ذلك من تفاوت العلماء في إدراك المعاني واستنباط الأحكام.
ويَقْسِم المُتَشَابِه إلى نوعين: مُتَشَابِهٍ حقيقيٍّ لا سبيل إلى إدراك حقيقته وكَيْفِيَّته، كحقيقة الرُّوح وأحوال الغيب وما استأثر الله تعالى بعلمه من شؤون الآخرة؛ ومُتَشَابِهٍ إضافيٍّ يَخْتَلِف باختلاف النَّاظرين، فقد يَخْفَى معنى الآية على شخصٍ ويَتَّضِح لغيره من أهل العلم. ويُبَيِّن أنَّ الاشتباه الإضافيَّ قد يَنْشَأ عن قُصُور الفَهْم أو عدم الإحاطة بالأدلَّة أو اتِّباع الهوى، وأنَّ من صُوَرِه الاشتباهَ في العامِّ قبل معرفة مُخَصِّصِه، والمُطْلَق قبل معرفة مُقَيِّدِه، والمُجْمَل قبل الوقوف على بيانه. ويَسْتَشْهِد بما احتجَّ به بعض النَّصارى من ضمائر الجَمْع في القرآن الكريم، كلفظَي «إِنَّا» و«نَحْنُ»، لإثبات التَّثْلِيث، مُوَضِّحًا أنَّ رَدَّ هذه الألفاظ إلى الآيات المُحْكَمَة الدَّالَّة على وحدانيَّة الله تعالى يُزِيل الاشتباهَ ويُبَيِّن المراد منها. ويُقَرِّر أنَّ واجب المسلم الإيمانُ بالمُحْكَم والمُتَشَابِه جميعًا، ورَدُّ ما اشتبه عليه إلى النُّصوص الواضحة، وسؤالُ أهل العلم عمَّا أَشْكَل، مع الإمساك عن الخوض فيما استأثر الله تعالى بعلم حقيقته وكَيْفِيَّته.
ويُناقِش الخلافَ في حُكْم تأويل المُتَشَابِه، وما يَتَّصِل به من الوقف على قوله تعالى: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ»، أو وَصْلِه بقوله: «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ». ويَعْرِض أدلَّةَ القائلين بأنَّ تأويل المُتَشَابِه لا يَعْلَمُه إلَّا الله تعالى، وأدلَّةَ القائلين بإمكان معرفة الرَّاسخين في العلم له، مُنَاقِشًا ما استند إليه الفريقان من الآيات والأحاديث والآثار وأقوال المُفَسِّرين. ويُوَضِّح أنَّ منشأَ الخلاف يَرْجِع إلى اختلاف المراد بالتَّأويل؛ فإن أُرِيد به التَّفسير وبيان المعنى، فهو ممَّا يَعْلَمُه الرَّاسخون في العلم، وإن أُرِيد به حقيقةُ الشَّيء وكَيْفِيَّتُه ومآلُه الذي يقع عليه في الخارج، فهو ممَّا استأثر الله تعالى بعلمه. ويَسْتَدِلُّ على ذلك بأحوال الآخرة، وما أَخْبَر به القرآن الكريم من النَّعيم والعذاب، فإنَّ معانيَ الألفاظ الدَّالَّة عليها مفهومةٌ، مع الجهل بحقائقها التي لم يُشَاهِدْها الإنسان في الدُّنيا. ويَخْلُص إلى إمكان الجَمْع بين القولين بهذا التَّفريق، وأنَّ الرَّاسخين في العلم يَعْلَمُون تفسيرَ المُتَشَابِه ومعناه، ولا يُحِيطُون بحقيقته الغيبيَّة وكَيْفِيَّته.
ويَرُدُّ دعوى أنَّ نصوصَ الصِّفات الإلهيَّة من المُتَشَابِه الذي لا يُعْرَف معناه، مُنَاقِشًا مواقفَ مَن أَطْلَق هذا الوصفَ عليها من علماء الكلام وغيرهم، وما تَرَتَّب عليه عند بعضهم من تفويض معاني الصِّفات أو تأويلها إلى معانٍ لا تَدُلُّ عليها النُّصوص. ويُبَيِّن أنَّ السَّلَف أَثْبَتُوا ما وَرَد في الكتاب والسُّنَّة من أسماء الله تعالى وصفاته، وفَهِمُوا معانيَها على مقتضى اللُّغة العربيَّة، مع نَفْي مُمَاثَلَتِها لصِفات المخلوقين وعدم الخوض في كَيْفِيَّاتِها. ويَتَوَقَّف عند صفة الاستواء، مُوَضِّحًا أنَّ معناها من العُلُوِّ والارتفاع معلومٌ، أمَّا كَيْفِيَّة استواء الله تعالى على العَرْش فلا يَعْلَمُها إلَّا هو، ولا يَلْزَم منها ما يَلْزَم استواءَ المخلوق من الاحتياج إلى ما استوى عليه. ويُقَرِّر أنَّ وجودَ قَدْرٍ من التَّشابه بين الألفاظ المستعملة في صفات الخالق والمخلوق لا يَقْتَضِي تماثُلَ الحقائق والكَيْفِيَّات، وأنَّ الخطأ يَنْشَأ من جَعْل جَهْل الكَيْفِيَّة جَهْلًا بالمعنى نفسه. وينتهي إلى أنَّ إطلاقَ وصف المُتَشَابِه على نصوص الصِّفات دون تفصيلٍ تعبيرٌ مُوهِمٌ ينبغي اجتنابُه أو الاستفسارُ عن المراد منه، مُؤَكِّدًا أنَّ الأصل في النُّصوص الشَّرعيَّة الوضوحُ والبيانُ، وأنَّ الاشتباه لا يُبْطِل دلالتَها ولا يُنَاقِض اتِّفاقَها، وأنَّ الواجبَ رَدُّ ما أَشْكَل منها إلى ما وَضَح، مع إثبات المعاني المعلومة وتفويض العلم بالحقائق والكَيْفِيَّات إلى الله تعالى.