أَرَّخ أبو القاسم عبد الكريم بن مُحَمَّد الرَّافِعِيُّ القَزْوِينِيُّ في كتابه «التَّدوين في ذِكْر أهل العلم بقزوين» -المعروف أيضًا بـ«التَّدوين في أخبار قزوين»- لأعلام مدينة قَزْوِين ونواحيها، من العلماء والمُحَدِّثين والفُقَهاء والقُضاة والقُرَّاء والأُدَباء والزُّهَّاد وغيرهم من أهل العلم والفضل، ممَّن نشؤوا بها أو أقاموا فيها أو وفدوا إليها. وقد قصد إلى استدراك ما فات المؤرِّخين السَّابقين من أخبار رجالها، واستكمال ما أورده الحافظ الخليل بن عبد الله القَزْوِينِيُّ في تاريخه المختصر، مُعْتَمِدًا على ما سمعه من الشُّيوخ والعلماء، وما وقف عليه من الكتب والتَّعاليق والأجزاء الحديثيَّة والأخبار المتفرِّقة. واعتنى بإيراد ما يعرِّف بأصحاب التَّراجم من أنسابهم وأحوالهم وشيوخهم وتلاميذهم ومرويَّاتهم، وما نُقِل من أقوالهم وأخبارهم ومحاسن سِيَرهم، مع الحرص على الإيجاز في العبارة والإكثار من الفوائد المتعلِّقة بكلِّ ترجمة.
ويَسْتَهِلُّ الكتابَ بأربعة فصولٍ تتعلَّق بمدينة قَزْوِين نفسها؛ فيُورِد أوَّلًا ما نُقِل في فضائلها وخصائصها من الأحاديث والآثار والأخبار، مع الكلام على بعض أسانيدها ورُواتها، ثمَّ يذكر ما عُرِف به أهلُها من الاشتغال بالعلم وحفظ القرآن الكريم والجهاد والرِّباط، وغير ذلك من أحوالهم الدِّينيَّة والاجتماعيَّة. ويَتَنَاوَل اسمَ المدينة وما قيل في أصله واشتقاقه، ثمَّ أخبارَ بنائها وفتحها ودخول المسلمين إليها، وما ارتبط بذلك من أسماء القادة والصَّحابة رضي الله عنهم. ويَصِف نواحيَها وأوديتَها وقُنِيَّها ومساجدَها ومقابرَها، ويذكر ما يتعلَّق بمعالمها ومواضعها وتطوُّر عُمْرانها، وما اشتهر من أخبار بعض تلك الأماكن.
ويَنْتَقِل بعد ذلك إلى تراجم مَن ورد قَزْوِين من الصَّحابة رضي الله عنهم، فيذكر ما نُقِل من أخبارهم وصلاتهم بالمدينة، وما رُوِي عنهم من الأحاديث والآثار. ويُتْبِعهم بالتَّابعين ومَن اتَّصلت أخبارُهم بقَزْوِين من أهل العلم والرِّواية، مُبَيِّنًا ما وقف عليه من أخبار إقامتهم أو مرورهم بها، وما رَوَوْه أو رُوِي عنهم. ثمَّ يُفْرِد القسمَ الأكبر من الكتاب لتراجم مَن جاء بعد الصَّحابة والتَّابعين، فيرتِّب الأعلام بحسب أسمائهم، ويُقَدِّم أصحابَ اسم مُحَمَّد، ثمَّ يَسِير في بقيَّة الأسماء على حروف المعجم، مع إلحاق زياداتٍ في مواضعَ متعدِّدة.
وتشتمل التَّراجمُ على أخبار المواليد والوفيَّات والرِّحلات في طلب العلم، وأسماء الشُّيوخ الذين سمع منهم أصحابُها، والتَّلاميذ الذين أخذوا عنهم، وما تولَّوه من القضاء والتَّدريس والخطابة وسائر المناصب. ويُثْبِت الرَّافِعِيُّ كثيرًا من الأحاديث بأسانيدها، وينقل نصوصًا من المرويَّات والمسموعات، ويذكر ما يتعلَّق بأحوال بعض الرُّواة في الحفظ والضَّبط والرِّواية، وما ورد في الثَّناء عليهم أو الكلام فيهم. كما تتخلَّل التَّراجمَ أخبارٌ عن مجالس العلم والمناظرات والرِّحلات، ومواقفُ تدلُّ على أحوال أصحابها في العبادة والزُّهد والورع وحُسْن السِّيرة، إلى جانب الأشعار والحِكَم والمواعظ والحكايات التي نُقِلَت عنهم أو اتَّصلت بأخبارهم. وتتفاوت هذه التَّراجمُ بين الإيجاز والتَّفصيل بحسب ما تيسَّر للمؤلِّف من الأخبار والمرويَّات.
ويَعْتَنِي الرَّافِعِيُّ بنسبة الأخبار إلى مَن تلقَّاها عنهم، فيُكْثِر من صيغ السَّماع والإخبار، والإحالة إلى ما رآه بخطوط العلماء أو وجده في مؤلَّفاتهم، ويُورِد أحيانًا اختلافَ النَّقل في أسماء الأشخاص وأنسابهم وتواريخ وفيَّاتهم، مع بيان ما تبيَّن له في بعض المواضع. ويَظْهَر من ترتيب الكتاب ومضمونه أنَّ عنايته الأساسيَّة موجَّهةٌ إلى تاريخ الحركة العلميَّة في قَزْوِين من خلال تراجم رجالها، لا إلى سرد حوادثها السياسيَّة المتتابعة؛ إذ تتَّصل أخبارُ المدينة وعمرانها ومؤسَّساتها الدِّينيَّة بأخبار العلماء الذين سكنوها أو قصدُوها. وبذلك يُقَدِّم الكتابُ سجلًّا واسعًا لأعلام قَزْوِين وصلاتها العلميَّة بسائر البلدان، وما تداولوه من علومٍ وأحاديثَ ومؤلَّفاتٍ وأخبارٍ عبر الأجيال.