مكتبة العلوم الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي PDF

كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي PDF

نبذة عن الكتاب:

يُؤرِّخ شمس الدِّين أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن عثمان الذَّهبيّ في كتاب «سير أعلام النُّبلاء» للحياة العلميَّة والسِّياسيَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة في الحضارة الإسلاميَّة من خلال تراجم الشَّخصيَّات التي كان لها أثر بارز في مختلف ميادينها منذ ظهور الإسلام إلى أواخر القرن 7 الهجريّ. ويعرض سير الصَّحابة والتَّابعين والعلماء والفقهاء والمحدِّثين والقرَّاء والمفسِّرين والقضاة واللغويِّين والأدباء والشُّعراء والزُّهَّاد والخلفاء والملوك والأمراء والوزراء وغيرهم ممَّن تميَّزوا بالعلم أو الرِّئاسة أو التَّأثير في أحداث عصرهم. ويعتمد على التَّرتيب الزَّمنيّ للطبقات مع مراعاة المكانة العلميَّة والتَّاريخيَّة للمترجَم لهم دون الالتزام بذكر جميع المشهورين أو الاستيعاب الشَّامل لأهل كلِّ عصر. ويُعنى بإثبات الأنساب والكنى والألقاب وتواريخ المواليد والوفيات والشُّيوخ والتَّلاميذ والرِّحلات والمؤلَّفات والمناصب والأعمال وما نُقل عن أصحاب التَّراجم من الأقوال والمواقف والأخبار. ولا يكتفي بسرد هذه المعلومات بل يُناقش الرِّوايات وينقد أسانيدها ومتونها ويوازن بين أقوال المؤرِّخين والمحدِّثين ويُبيِّن ما ظهر له من صواب أو خطأ في الحكم على الأشخاص والأحداث. ويجمع في منهجه بين التَّاريخ وعلم الرِّجال والجرح والتَّعديل والتَّراجم والأدب مع عناية خاصَّة بأهل الحديث وحفظة السُّنَّة النَّبويَّة. وقد رتَّب الكتاب في صورته المتداولة على 35 طبقة تمتدُّ إلى نحو سنة 700 هـ مع اختلاف مقدار ما تستوعبه كلُّ طبقة من التَّراجم واتِّساع بعضها بحسب كثرة الأعلام وأهمِّيَّتهم.

ويبدأ الكتاب في طبعة مؤسَّسة الرِّسالة بالسِّيرة النَّبويَّة فيعرض نسب النَّبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ومولده ونشأته وأسماءه وصفاته ومبعثه وما وقع من الأحداث في مكَّة قبل الهجرة. ويُفصِّل ما يتعلَّق بنزول الوحي والدَّعوة إلى الإسلام وإسلام السَّابقين الأوَّلين وما لقيه المسلمون من الأذى والاضطهاد ثمَّ هجرتهم إلى الحبشة وبيعة العقبة والهجرة إلى المدينة. ويعرض الوقائع الكبرى في العهد المدنيّ ومنها غزوات بدر وأُحد والخندق وخيبر وفتح مكَّة وحنين وتبوك وما يتَّصل بها من أخبار الصَّحابة ومواقفهم. ويتناول المعاهدات والمراسلات وما جرى من أحداث في حياة الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم وما ورد في معجزاته وخصائصه وأخلاقه وشمائله وعبادته ومعاملته لأهله وأصحابه. ويُورِد الأحاديث والآثار والأخبار التَّاريخيَّة مع التَّنبيه إلى ما يظهر من ضعف بعض الرِّوايات أو الاختلاف في تفاصيل الوقائع وتواريخها. ثمَّ ينتقل إلى سير الخلفاء الرَّاشدين أبي بكر الصِّدِّيق وعمر بن الخطَّاب وعثمان بن عفَّان وعليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهم فيعرض فضائلهم ومناقبهم وما تولَّوه من شؤون الخلافة وأعمالهم في إدارة الدَّولة ونشر الإسلام وإقامة الأحكام. ويُفصِّل أخبار حروب الرِّدَّة والفتوح في العراق والشَّام ومصر وفارس وتنظيم الدَّواوين والقضاء وبيت المال ثمَّ ما وقع من الفتن والاختلافات في أواخر خلافة عثمان وخلافة عليّ. ويُلاحظ أنَّ المجلَّدين الأوَّلين من هذه الطَّبعة أُخذا من كتاب الذَّهبيّ «تاريخ الإسلام» بناءً على ما ذكره المحقِّقون من أنَّ المؤلِّف أراد إلحاقهما بكتاب «السِّير» ولم يُعِد صياغتهما في نسخة مستقلَّة منه.

ويستأنف الذَّهبيّ بعد السِّيرة والخلفاء الرَّاشدين تراجم كبار الصَّحابة فيُعرِّف بالمهاجرين والأنصار وأهل بدر وأُحد والحديبية ومن أسلم قبل الفتح أو بعده ومن اشتهر بالرِّواية والعلم والقضاء والجهاد. ويُورِد تراجم أبي عبيدة بن الجرَّاح وسعد بن أبي وقَّاص وعبد الرَّحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله والزُّبير بن العوَّام وأبي هريرة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عبَّاس وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وغيرهم من أعلام الصَّحابة. ويُبيِّن ما عُرف به كلُّ واحد منهم من السَّبق إلى الإسلام أو كثرة الرِّواية أو الفقه أو الجهاد أو القيام بالولايات مع ذكر ما يتَّصل بهم من أخبار الفتوح والمواقف الشَّخصيَّة. كما يُخصِّص تراجم لأمَّهات المؤمنين ومن اشتهرن من الصَّحابيَّات بالعلم والرِّواية والعبادة والصَّبر والإنفاق ومنها عائشة وأمُّ سلمة وأسماء بنت أبي بكر وغيرهنَّ. ويُفصِّل الأحاديث التي رُويت عن بعض هؤلاء الأعلام وما وقع في روايتها من اختلاف ويذكر من أخذ عنهم من التَّابعين وما يتعلَّق بوفاتهم وأعمارهم ومواضع دفنهم. ويُورِد أحيانًا أخبارًا متعارضة في بعض أحداث الفتنة أو أحوال الصَّحابة ثمَّ يعقِّب عليها بما يراه من نقد أو ترجيح مستندًا إلى قواعد المحدِّثين وما ثبت عنده من الأخبار. وتظهر في هذه التَّراجم عنايته بالموازنة بين كثرة المرويَّات وصحَّتها وبين المكانة الدِّينيَّة أو التَّاريخيَّة لصاحب التَّرجمة.

ويُخصِّص طبقات متتابعة للتَّابعين وأتباعهم فيعرض نشأة المدارس العلميَّة في المدينة ومكَّة والكوفة والبصرة والشَّام ومصر واليمن وخراسان وما اشتهر به علماء كلِّ بلد من رواية الحديث والتَّفسير والفقه والقراءات. ويُورِد تراجم سعيد بن المسيِّب وعروة بن الزُّبير والقاسم بن محمَّد وعطاء بن أبي رباح وطاووس بن كيسان ومجاهد بن جبر والحسن البصريّ ومحمَّد بن سيرين والشَّعبيّ وإبراهيم النَّخعيّ وعمر بن عبد العزيز وغيرهم ممَّن تولَّوا نشر العلم وتفسير القرآن واستنباط الأحكام. ويشرح صلاتهم بالصَّحابة ومقدار ما أدركوه من أعمارهم وما ثبت لهم من السَّماع والرِّواية وما اختلف العلماء في اتِّصال أسانيدهم. ويُفصِّل ما نُقل عنهم في العبادة والزُّهد والورع والحكمة ومحاسبة النَّفس ومواقفهم من الولاة والأمراء وقبول العطايا وتولِّي القضاء. ويعرض أقوالهم في مسائل الاعتقاد والأحكام الشَّرعيَّة والفتن وأحوال المجتمع ويذكر أحيانًا ما وقع بينهم من اختلاف في الفتوى أو الرَّأي. كما يتناول ظهور المدارس الفقهيَّة الأولى وتطوُّر الرِّواية وتدوين العلم وانتقال المعارف بين الأقاليم بفضل رحلات العلماء ولقائهم بالشُّيوخ. ويُورِد تراجم عدد من النِّساء اللَّاتي اشتهرن بالرِّواية أو العبادة والزُّهد ويذكر ما حُفظ من أخبارهنَّ وأقوالهنَّ ومنها ترجمة رابعة العدويَّة وغيرها ممَّن عُرفن بالصَّلاح والفضل.

ويُوسِّع الذَّهبيّ البحث في سير الأئمَّة المجتهدين ومؤسِّسي المذاهب الفقهيَّة فيعرض تراجم أبي حنيفة النُّعمان بن ثابت ومالك بن أنس ومحمَّد بن إدريس الشَّافعيّ وأحمد بن حنبل وما اتَّصل بتكوينهم العلميّ ومجالسهم وتلاميذهم ومؤلَّفاتهم ومناهجهم في الاستدلال. ويذكر ما نُقل عنهم في تعظيم الكتاب والسُّنَّة والاجتهاد والقياس والإجماع والعمل بالأثر وما وقع من اختلاف بينهم في بعض المسائل الفقهيَّة والأصوليَّة. ويُورِد أخبار محنهم ومواقفهم من السُّلطة وتولِّي القضاء أو الامتناع عنه وما جرى لهم من مناظرات مع المخالفين. كما يتناول سير تلاميذهم وأصحاب مذاهبهم وما أدَّوه من دور في تدوين الفقه ونشره في البلاد، فيذكر أعلام الحنفيَّة والمالكيَّة والشَّافعيَّة والحنابلة وغيرهم من الفقهاء الذين تميَّزوا بالاجتهاد أو التَّصنيف أو القضاء أو التَّدريس. ويعرض كذلك تراجم الأوزاعيّ وسفيان الثَّوريّ واللَّيث بن سعد وإسحاق بن راهويه وداود الظَّاهريّ وغيرهم ممَّن كان لهم أثر في الحركة الفقهيَّة. ويُبيِّن ما نُقل عن بعضهم من تفضيل الحديث على الرَّأي أو الاعتماد على القياس أو التَّمسُّك بعمل أهل المدينة أو غير ذلك من طرائق الاستنباط. ويتخلَّل هذه التَّراجم ما يرويه من مناظرات ومراسلات ووصايا علميَّة وأخبار عن التَّنافس بين المدارس والمذاهب وما كان له من أثر في انتشار العلوم وتكوين الاتِّجاهات الفقهيَّة.

وتحتلُّ تراجم المحدِّثين والحفَّاظ والرُّواة حيِّزًا واسعًا من الكتاب فيعرض الذَّهبيّ سير شعبة بن الحجَّاج وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك وعبد الرَّحمن بن مهديّ ويحيى بن سعيد القطَّان وعليِّ بن المدينيّ ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل ومحمَّد بن إسماعيل البخاريّ ومسلم بن الحجَّاج وأبي داود السِّجستانيّ والتِّرمذيّ والنَّسائيّ وابن ماجه والدَّارقطنيّ والحاكم النَّيسابوريّ وغيرهم من أئمَّة الحديث. ويُبيِّن أصولهم وأنسابهم ومواطن إقامتهم ورحلاتهم في طلب الحديث والشُّيوخ الذين أخذوا عنهم والتَّلاميذ الذين رووا عنهم والكتب التي صنَّفوها أو اشتهروا بروايتها. كما يذكر أحوالهم في الحفظ والإتقان والضَّبط والورع والدِّيانة وما نُقل عنهم من أحكام على الرُّواة والأحاديث. ويُفصِّل ما وقع بينهم من اختلاف في توثيق بعض المحدِّثين أو تضعيفهم وأسباب هذا الاختلاف وما يتعلَّق بالاختلاط والتَّدليس والإرسال والانقطاع والغلط والوهم. ويُورِد نماذج من الأحاديث التي اشتهر بها أصحاب التَّراجم ويذكر طرقها ومتابعاتها وشواهدها وما ورد في عللها وأحكام العلماء عليها. وتظهر عنايته بمراتب المحدِّثين وما تميَّز به بعضهم من علوِّ الإسناد وكثرة الشُّيوخ والرِّحلة إلى البلدان البعيدة أو الإكثار من السَّماع والتَّصنيف. ويُقارن بين أقوال أئمَّة الجرح والتَّعديل ويُبيِّن أحيانًا أنَّ شهرة الرَّجل بالعلم أو الزُّهد أو الفقه لا تقتضي بالضَّرورة صحَّة جميع ما يرويه من الحديث.

ويتميَّز منهج الذَّهبيّ في هذه التَّراجم بالنَّقد والتَّعقيب فلا يكتفي غالبًا بإيراد أقوال السَّابقين بل يعرض رأيه فيما نُقل عن أصحاب السِّير والأخبار. ويستعمل عباراته المعروفة مثل «قلت» و«قلتُ» و«والله أعلم» و«هذا غريب» و«إسناده صحيح» و«هذا منكر» و«لا يصحُّ» وغيرها من العبارات التي يُبيِّن بها مقدار قبوله للرِّواية أو اعتراضه عليها. ويُناقش أحوال الرُّواة الذين اختلطوا في أواخر أعمارهم أو ضعفت ذاكرتهم أو اتُّهموا بالغلوِّ في مذهب من المذاهب ويُفرِّق بين ما يُقبل من حديثهم وما يُترك بحسب حال السَّماع والرِّواية. ويُلاحظ اختلاف أسماء بعض الأشخاص وأنسابهم وتواريخ وفياتهم في المصادر ويُرجِّح بين الرِّوايات إذا توافرت له قرائن كافية. وقد يُعقِّب على خبر تاريخيّ بالاستناد إلى التَّسلسل الزَّمنيّ للأحداث أو استحالة اجتماع بعض الأشخاص أو عدم توافق الواقعة مع أحوال عصرها. ويُورِد أحيانًا أقوالًا قاسية في أشخاص يراهم من أهل البدع أو الغلوِّ أو الكذب أو سوء السِّيرة كما يُثني على آخرين يخالفونه في الرَّأي إذا ثبت عنده علمهم أو صدقهم أو فضلهم في بعض الميادين. وتظهر في أحكامه اختياراته العقديَّة والفقهيَّة وما كان سائدًا من الخلافات بين المدارس العلميَّة في عصره، ولذلك يُمكن التَّمييز في الكتاب بين الأخبار المنقولة وأحكام النُّقَّاد وتعليقات الذَّهبيّ الشَّخصيَّة وما يترتَّب عليها من ترجيح أو اعتراض.

ويتناول الكتاب تاريخ الدُّول والخلافات الإسلاميَّة من خلال تراجم الخلفاء والملوك والأمراء والوزراء والقادة، فيعرض سيرة معاوية بن أبي سفيان ومن خلفه من بني أميَّة وأحوال الدَّولة الأمويَّة وما اتَّصل بها من الفتوح والفتن والتَّحوُّلات السِّياسيَّة. ويُورِد تراجم عبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك وغيرهم من خلفاء بني أميَّة وما وقع في عهودهم من أعمال العمران والفتوح وتدبير الولايات والصِّراعات على الحكم. ثمَّ ينتقل إلى خلفاء بني العبَّاس وما جرى في عهودهم من قيام الدَّولة وتطوُّر نظام الوزارة والدَّواوين واتِّساع الحركة العلميَّة والصِّراع بين الفرق والمذاهب. ويعرض أخبار المنصور والمهديّ وهارون الرَّشيد والمأمون والمعتصم والمتوكِّل وسائر الخلفاء بحسب ما تقتضيه التَّراجم مع ذكر رجال دولتهم وقادتهم ووزرائهم وقضاتهم. كما يتناول حكَّام الدُّول التي استقلَّت عن الخلافة أو نافستها في أقاليم مختلفة ومنها الطُّولونيُّون والإخشيديُّون والفاطميُّون والبويهيُّون والسَّلاجقة والزَّنكيُّون والأيُّوبيُّون وغيرهم. ويذكر ما يتَّصل بهم من الحروب والخلافات الدَّاخليَّة وتدبير المال والجند والقضاء والعمران وما نُقل عن بعضهم من عدل أو ظلم أو سخاء أو بخل أو علم أو جهل. ويعرض أخبار نور الدِّين محمود وصلاح الدِّين الأيُّوبيّ وغيرهما من القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بالحروب مع الفرنج واسترداد المدن والحصون. كما يتناول بعض حكَّام المغرب والأندلس وما جرى في عهودهم من ازدهار أو اضطراب سياسيّ وعلميّ.

ويُخصِّص الذَّهبيّ تراجم للمفسِّرين والقرَّاء وأصحاب المصنَّفات في علوم القرآن فيعرض أخبار من اشتهروا بالتَّفسير ونقل معاني الآيات وأسباب النُّزول والقراءات والرَّسم والضَّبط. ويذكر أعلام القراءات مثل نافع بن عبد الرَّحمن وابن كثير المكِّيّ وأبي عمرو بن العلاء وعاصم وحمزة والكسائيّ وغيرهم ممَّن نُقلت عنهم وجوه القراءة واشتهرت أسانيدهم. ويتناول شيوخ الإقراء الذين نشروا القراءات في الأمصار وما وقع بينهم من اختلاف في الرِّواية والاختيار والتَّجويد. كما يعرض تراجم المفسِّرين الذين وضعوا مصنَّفات جامعة أو عُرفوا بتفسير القرآن بالأثر واللُّغة والفقه، ويذكر مناهجهم وما نُقل عنهم من الأقوال والآراء. وتظهر في هذه التَّراجم صلات علم التَّفسير بعلوم الحديث والقراءات واللُّغة وما كان من اعتماد بعض العلماء على الشَّواهد الشِّعريَّة في بيان معاني القرآن. ويُورِد أخبار أصحاب العلوم العربيَّة من النُّحاة واللغويِّين ورواة الشِّعر وأهل البلاغة، فيذكر من اشتهروا بضبط اللُّغة أو وضع المؤلَّفات في النَّحو والصَّرف والمعاجم والأدب. ويعرض سير الخليل بن أحمد وسيبويه والفرَّاء وأبي عبيدة والأصمعيّ وغيرهم من علماء العربيَّة وما يتَّصل بمذاهبهم العلميَّة وكتبهم وتلاميذهم. كما يُورِد تراجم عدد من الشُّعراء والأدباء ويذكر أشعارهم وأخبار مجالسهم وما اشتهروا به من الفصاحة والبيان وما وقع لهم من حظوة عند الخلفاء والأمراء أو خصومة معهم.

ولا يقتصر الكتاب على العلوم الشَّرعيَّة واللُّغويَّة بل يتناول شخصيَّات عُرفت بالفلسفة والطِّبِّ والمنطق وسائر المعارف التي انتشرت في الحضارة الإسلاميَّة. ومن ذلك ترجمة ابن سينا وما اشتهر به من الاطِّلاع على علوم الأوائل والتَّصنيف في الطِّبِّ والفلسفة، مع إظهار موقف الذَّهبيّ من بعض آرائه العقديَّة والفلسفيَّة. ويُورِد أخبار الغزاليّ وابن رشد وغيرهما ممَّن اشتغلوا بالنَّظر والكلام والفلسفة والفقه، فيذكر ما صنَّفوه وما دار حولهم من نقاشات بين العلماء. كما يتناول سير بعض أهل التَّصوُّف والزُّهد والعبادة ومن عُرفوا بكثرة المجاهدة أو الانقطاع عن الدُّنيا أو التَّأثير في العامَّة والخاصة. ويعرض أخبار بشر الحافيّ والفضيل بن عياض ومعروف الكرخيّ والجنيد وغيرهم ممَّن اشتهروا بالزُّهد والوعظ وتربية المريدين. ويُورِد أقوالهم في الإخلاص والتَّوبة والتَّوكُّل والرِّضا والخوف والرَّجاء وحُسن الخُلُق مع ما نُقل عنهم من المواقف والحكايات. ويُناقش أحيانًا الأخبار التي تُنسب إلى بعض الزُّهَّاد والصُّوفيَّة من الكرامات والأحوال غير المألوفة فيقبل ما يراه محتملًا أو ثابتًا ويعترض على ما يراه من الغلوِّ أو المخالفة للشَّريعة أو عدم صحَّة النَّقل. وتُبرز هذه التَّراجم اختلاف الاتِّجاهات الفكريَّة والدِّينيَّة في المجتمع الإسلاميّ وما نشأ بينها من جدل حول التَّصوُّف والكلام والفلسفة ومناهج الاستدلال.

ويعرض الذَّهبيّ من خلال تراجم الأعلام صورة للحياة العلميَّة ومؤسَّساتها في مختلف الأقاليم، فيذكر المساجد والمدارس ودور الحديث والرُّبُط والزَّوايا والمكتبات وما قام به العلماء فيها من تدريس وإفتاء وإقراء وإملاء الحديث. ويُوضِّح أهمِّيَّة الرِّحلة في طلب العلم وما كان يقطعه المحدِّثون والقرَّاء والفقهاء من المسافات للقاء الشُّيوخ والحصول على الإجازات وسماع الكتب والأجزاء. ويذكر أخبار مجالس الإملاء والسَّماع وما يقع فيها من المناقشات والمناظرات والتَّصحيحات العلميَّة، وما اشتهر به بعض الشُّيوخ من طول العمر أو علوِّ الإسناد أو كثرة التَّلاميذ. كما يتناول أحوال القضاة والمفتين وما كان لهم من أثر في تطبيق الأحكام والفصل في الخصومات وتوجيه السُّلطة أو معارضتها، ويُورِد أخبارًا عن عزل بعضهم أو امتناعهم عن تولِّي القضاء خشية الوقوع في الظُّلم. ويعرض سير العلماء الذين تولَّوا التَّدريس في بغداد ودمشق والقاهرة ومكَّة والمدينة وبيت المقدس وحلب ونيسابور وأصبهان وبخارى وقرطبة وغيرها من المراكز العلميَّة. ويتخلَّل ذلك ذكر المؤلَّفات التي انتشرت في كلِّ عصر والأسانيد التي انتقلت بها الكتب من جيل إلى آخر وما اتَّصل بالعلماء من صلات المراسلة والمصاهرة والصُّحبة والمنافسة. ويُورِد كذلك أخبارًا تتعلَّق بالحياة اليوميَّة من الأطعمة والملابس والمساكن والأسواق والأمراض والأوبئة والأسفار والزَّواج والوفاة، وهي أخبار تأتي ضمن السِّير ولا تُفرد لها أبواب تاريخيَّة مستقلَّة.

وتتفاوت تراجم الكتاب في الطُّول بحسب منزلة صاحبها وكثرة ما حُفظ من أخباره، فقد يكتفي الذَّهبيّ بسطور قليلة تُبيِّن اسم الرَّجل وطبقته وشيوخه وتلاميذه وحكم العلماء عليه وسنة وفاته، وقد يُطيل ترجمة الإمام المشهور أو الخليفة أو العالم ذي الأثر الواسع إلى صفحات كثيرة تتضمَّن المرويَّات والمناظرات والمراسلات والأقوال والأشعار. ويبدأ التَّرجمة في الغالب بالتَّعريف بصاحبها وذكر اسمه ونسبه وكنيته ولقبه وموطنه وما اشتهر به من العلم أو العمل، ثمَّ ينتقل إلى الشُّيوخ والتَّلاميذ والأعمال والمصنَّفات وما قيل فيه من مدح أو نقد. وقد يُورِد أقوال عدد من العلماء في توثيقه أو تضعيفه أو بيان منزلته العلميَّة، ثمَّ يعقِّب على تلك الأقوال بالموازنة أو التَّرجيح. ويُثبِت تواريخ الوفاة وما وقع فيها من اختلاف ويُشير إلى أعمار المترجَم لهم ومواضع دفنهم وما تركوه من آثار ومؤلَّفات. كما يذكر ما نُقل عن بعضهم من الوصايا والمواعظ والأشعار والأقوال التي تُعبِّر عن آرائهم أو أحوالهم. ويستعمل الأسانيد في عدد كبير من الأخبار ولا سيَّما في تراجم الصَّحابة والمحدِّثين، ويُورِد في مواضع أخرى الأخبار مختصرة مع العزو إلى أصحاب الكتب أو الرُّواة. وتظهر في أسلوبه العبارات الموجزة التي تُحدِّد منزلة المترجَم له مثل الإمام والحافظ والثِّقة والعالم والفقيه والزَّاهد والعابد والأديب، وقد تتغيَّر هذه الأوصاف بحسب ما ثبت عنده من حال صاحب التَّرجمة فلا يجعل الشُّهرة وحدها دليلًا على التَّعديل أو التَّفضيل.

ويعتمد الذَّهبيّ في تأليف الكتاب على عدد كبير من المصادر المتقدِّمة في الحديث والتَّاريخ والتَّراجم والأنساب والطَّبقات والسِّيَر، فينقل عن أصحاب الصِّحاح والسُّنن والمسانيد والمعاجم وكتب الجرح والتَّعديل والتَّواريخ المحليَّة والعامَّة. ويستفيد من مؤلَّفات ابن سعد وخليفة بن خيَّاط والبخاريّ وابن أبي حاتم والخطيب البغداديّ وابن عساكر وابن الجوزيّ وغيرهم ممَّن دوَّنوا أخبار العلماء والرُّواة وأحوال الملوك والأحداث. كما ينقل عن شيوخه ومعاصريه وما وقف عليه من كتب وإجازات وروايات ويستعمل في بعض التَّراجم مشاهداته الشَّخصيَّة وما سمعه ممَّن عرفهم أو اتَّصل بهم. ويُفصِّل ما يتعلَّق بمصنَّفات بعض الأعلام وما نُقل من أسمائها وأحجامها وطرق روايتها وأثرها في العلماء الذين جاءوا بعد أصحابها. ويُناقش أخطاء التَّواريخ والأنساب والأسماء وما تسبَّب فيه اختلاف النُّسخ والرِّوايات من التباس في التَّعريف بالأشخاص. ويُورِد أحيانًا أخبارًا تخالف ما ذكره في مؤلَّفاته الأخرى أو يختار فيها حكمًا يختلف عن حكم سابق، وهو ما يتَّصل باستمرار بحثه ومراجعته للمصادر. ويُلاحظ أنَّ الكتاب ليس اختصارًا حرفيًّا لكتاب «تاريخ الإسلام»، بل أعاد فيه الذَّهبيّ اختيار التَّراجم وترتيبها وأضاف معلومات وأحكامًا وتعليقات خاصَّة، ومنها الإشارة إلى رواية أصحاب الكتب السِّتَّة عن بعض الأعلام وما يُعرف من مقدار حديثهم عند أصحاب المصنَّفات.

ويتَّسع النِّطاق التَّاريخيّ للكتاب ليشمل ما وقع خلال القرون الإسلاميَّة الأولى من الفتوح وانتشار العلوم ونشأة المذاهب والفرق والدُّول، ثمَّ ما شهدته العصور اللاحقة من تحوُّلات سياسيَّة واجتماعيَّة وعلميَّة. ويُورِد تراجم من عاصروا الحروب الصَّليبيَّة وأحداث بيت المقدس وقيام الدُّول الزَّنكيَّة والأيُّوبيَّة وما اتَّصل بذلك من الجهاد والسِّياسة والعمران. كما يتناول من خلال أخبار الملوك والأمراء والعلماء ما وقع من الغزو المغوليّ وتهديد المدن والممالك الإسلاميَّة وآثاره في حياة النَّاس وانتقال العلماء والرُّواة من بلد إلى آخر. ويذكر أخبار الدُّول الأندلسيَّة والمغربيَّة وما وقع فيها من تنافس بين الأمراء والعلماء، وما انتقل من مؤلَّفات ومعارف بين المشرق والمغرب. وتتَّصل هذه الوقائع بتراجم الأعلام الذين شهدوها أو شاركوا فيها أو تأثَّروا بنتائجها، فلا يأتي سردها على هيئة تاريخ سياسيّ مستقلّ مرتب على السَّنوات وإنَّما تُذكر بحسب ما تقتضيه سيرة كلِّ شخص. ويُظهر ذلك أثر الحوادث العامَّة في حياة العلماء من الارتحال واللُّجوء وفقدان الأهل والمال وتغيُّر الوظائف والمناصب والانقطاع عن التَّدريس أو العودة إليه. كما يُبرز ما كان بين أصحاب السُّلطة والعلماء من علاقات تراوحت بين الإكرام والمشورة والتَّقريب وبين الخصومة والسَّجن والنَّفي والقتل.




إحصائيات الكتاب
قُرئ 1 مرة حُمِّل 1 مرة
يقرأه 0 الآن انضم معهم
يحمّله 0 الآن انضم معهم

شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي

شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي التركماني الأصل، الفارقي ثم الدمشقي الشافعي: حافظ ومحدث ومؤرخ ومقرئ، وُلد بدمشق سنة 673هـ، ونشأ بها، ثم أقبل على طلب الحديث وهو في نحو 18 سنة، ولازم هذا الفن حتى برع فيه، واشتهر بمعرفة الرجال وأحوال الرواة والجرح والتعديل والتاريخ.

سمع بدمشق من عمر بن القواس، وأحمد بن هبة الله بن عساكر، ويوسف بن أحمد الغسولي وغيرهم، وببعلبك من عبد الخالق بن علوان وزينب بنت عمر بن كندي، وبمصر من الأبرقوهي، وعيسى بن عبد المنعم بن شهاب، وابن دقيق العيد، والحافظ أبي محمد الدمياطي، وأبي العباس ابن الظاهري، كما سمع بالإسكندرية ومكة وحلب ونابلس وغيرها. وبلغ عدد شيوخه عددًا كبيرًا، فذكر في بعض المصادر أن له نحو 600 شيخ، وفي معجمه أكثر من ذلك.

قرأ القرآن بالروايات وأقرأه، ورحل في طلب العلم إلى القاهرة وغيرها من البلاد، وطاف بعدد من الأمصار، وخرج لنفسه أحاديث ومعاجم، واشتغل بجمع الحديث وتخريجه ونقد رجاله وأسانيده. وكان شديد العناية بأسماء الرجال والكنى والأنساب والوفيات، حتى صار ذلك من أبرز جوانب علمه، وأخذ عنه جماعة كثيرة من العلماء والطلاب.

تصدّر للتدريس في دمشق، وولي تدريس الحديث في تربة أم الصالح وغيرها، ورحل الناس إليه للسماع والاستفادة. ووصفه الصفدي بأنه لم يكن جامدًا على طريقة بعض المحدثين، بل كان فقيه النفس، عارفًا بأقوال العلماء. كما عُرف بقوة الاستحضار ومعرفة أحوال الرجال وتواريخهم وعلل الحديث، وكانت مصنفاته متداولة في حياته، يقرؤها الناس وينسخونها ويرحلون لتحصيلها.

أكثر الذهبي من التأليف في الحديث والتاريخ والرجال والقراءات وغيرها، ومن أشهر كتبه «تاريخ الإسلام»، و«سير أعلام النبلاء»، و«تذكرة الحفاظ»، و«العبر في خبر من غبر»، و«دول الإسلام»، و«طبقات الحفاظ»، و«طبقات القراء»، و«ميزان الاعتدال في نقد الرجال»، و«الكاشف»، و«المغني في الضعفاء»، و«المشتبه في الأسماء والأنساب والكنى والألقاب»، و«تجريد أسماء الصحابة»، و«المجرد في أسماء رجال الكتب الستة».

وله كذلك «مختصر تهذيب الكمال» للمزي، و«مختصر سنن البيهقي الكبرى»، و«مختصر الأطراف» للمزي، و«مختصر المستدرك» للحاكم، و«مختصر تاريخ نيسابور»، و«مختصر تاريخ ابن الدبيثي»، و«مختصر المحلى» لابن حزم، ومعجمان كبير وصغير لشيوخه، وكتاب في محدثي عصره، و«المقتنى في الكنى»، و«الإعلام بوفيات الأعلام»، و«الكبائر»، ومصنفات أخرى كثيرة.

وكان «تاريخ الإسلام» من أكبر مصنفاته، جمع فيه تراجم وأخبارًا كثيرة، واعتنى خاصة بتحرير أخبار المحدثين. أما «سير أعلام النبلاء» فاختص فيه بتراجم الأعيان، وأطال في عدد من تراجمهم بما لم يذكره في «تاريخ الإسلام». وجعل «ميزان الاعتدال» فيمن تُكلم فيهم من الرواة، ولم يكن مجرد ذكر الراوي فيه حكمًا منه بضعفه، بل صرح بأنه قد يذكر فيه الثقة إذا وجد من تكلم فيه لبيان ذلك الكلام ووزنه.

وكان له منهج ظاهر في نقد الرجال، فكان ينبه إلى أن كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُقبل مطلقًا، وأن الجرح لا يؤثر إذا صدر ممن لا يُعتد بقوله أو خالف ما استقر من حال الراوي. وذكر أن كثيرًا من الأئمة الثقات قد تكلم فيهم بعض الناس، وأن ذلك لا يقدح في عدالتهم وثقتهم إذا قامت الأدلة على إمامتهم وضبطهم.

أثنى عليه عدد من معاصريه وتلاميذه، ولا سيما في علم الحديث والرجال والتاريخ. وذكر تاج الدين السبكي، مع ما أخذه عليه من شدة ميله إلى طائفة من أهل الحديث والحنابلة في بعض التراجم، أنه كان أستاذه في هذه الصناعة، وأنه أخرجه في عداد أهلها. كما عدّه عدد من العلماء في جملة كبار حفاظ عصره إلى جانب المزي والبرزالي وغيرهما.

كف بصره في أواخر حياته، وذُكر أنه كان قد أخذ في الضعف تدريجيًا حتى ذهب بصره. وتوفي بدمشق ليلة الاثنين 3 ذي القعدة سنة 748هـ، في مسكنه بالمدرسة المنسوبة إلى أم الصالح، ودُفن بمقبرة باب الصغير.

عرض النبذة وكتب المؤلف