عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني
عبد الكريم بن مُحمَّد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن بن الحسين الرَّافِعِيّ القَزْوِينِيّ، أبو القاسم، إمام الدِّين: فقيهٌ شافعيٌّ وأُصوليٌّ ومُحَدِّثٌ ومُفسِّرٌ ومُؤرِّخٌ، من كبار أئمَّة المذهب الشَّافعيّ ومُحقِّقيه، وأحد المرجعَيْن اللَّذَيْن يُطلق عليهما الشَّافعيَّة لقب «الشَّيْخَيْن»، والآخر الإمام النَّوَوِيّ. وُلِد بقَزْوِين في أواخر سنة 555هـ، ونشأ في بيت علمٍ وفقهٍ وحديث، فكان أبوه أبو الفضل مُحمَّد بن عبد الكريم من فقهاء الشَّافعيَّة ومُفتيهم بقَزْوِين، وأخذ عنه الفقه والحديث والتَّفسير، وسمع منه صغيرًا، ثمَّ قرأ عليه سنة 569هـ، وتلقَّى العلم على جماعةٍ من علماء عصره، منهم أبو الخير أحمد بن إسماعيل الطَّالَقَانِيّ، وأبو حامد عبد الله بن أبي الفُتُوح العُمْرَانِيّ، وأبو نصر حامد بن محمود الخطيب الرَّازِيّ، وأبو الكرم عليّ بن عبد الكريم الهَمَذَانِيّ، وأبو سليمان أحمد بن حَسَنْوَيْه، والحافظ أبو العلاء العَطَّار، وروى بالإجازة عن أبي زُرْعَة المَقْدِسِيّ وأبي الفتح ابن البَطِّيّ. وتبحَّر في الفقه الشَّافعيّ وأُصوله، وبرع في التَّفسير والحديث، وانتهت إليه معرفة المذهب وتحرير مسائله، فاعتنى بجمع أقوال الشَّافعيَّة ووجوههم وطُرُقهم المختلفة، وتمييز الصَّحيح والمُعتمَد منها، وتحقيق أدلَّتها وتوجيه الخلاف فيها، حتَّى صار من أئمَّة التَّرجيح والتَّصحيح في المذهب، واعتمد العلماء على مُؤلَّفاته في الفتوى والتَّدريس. وكان له مجلسٌ بجامع قَزْوِين لتفسير القرآن الكريم وإسماع الحديث، وأخذ عنه جماعةٌ من العلماء، منهم الحافظ عبد العظيم المُنْذِرِيّ، الذي سمع منه بالمدينة المُنوَّرة في موسم الحجّ، وروى عنه ابنه عزيز الدِّين مُحمَّد، وأجاز لأبي الثَّناء محمود بن أبي سعيد الطَّاوُوسِيّ، وعبد الهادي بن عبد الكريم، وفخر الدِّين عبد العزيز بن عبد الرَّحمن ابن السُّكَّرِيّ. واشتهر بالزُّهد والوَرَع والتَّواضع وحُسْن السِّيرة، وأثنى عليه علماء عصره؛ فقال ابن الصَّلاح: «أظنُّ أنَّي لم أرَ في بلاد العجم مثله، كان ذا فنونٍ، حَسَن السِّيرة، جميل الأمر»، ووصفه الإمام النَّوَوِيّ بالتَّمكُّن والصَّلاح. ومن أشهر مُؤلَّفاته «العَزِيز شرح الوَجِيز» -المعروف أيضًا بـ«فَتْح العَزِيز في شرح الوَجِيز»-، وهو شرحه الكبير لكتاب «الوَجِيز» لأبي حامد الغَزَالِيّ، حرَّر فيه مسائل الفقه الشَّافعيّ وأقوال أئمَّته ووجوه أصحابه، وناقش أدلَّتها ورجَّح بينها، فصار من أُمَّهات كتب المذهب ومراجعه المُعتمدة. وله «الشَّرْح الصَّغِير» على «الوَجِيز»، و«المُحَرَّر» في الفقه الشَّافعيّ، وهو من أشهر مُختصرات المذهب التي اعتنى بها العلماء، واختصره النَّوَوِيّ في كتابه «مِنْهَاج الطَّالِبِين»، و«التَّذْنِيب» في الفوائد والتَّعليقات المُتعلِّقة بكتاب «الوَجِيز»، و«المَحْمُود» في الفقه، وهو مُصنَّفٌ مُطوَّلٌ لم يُتِمَّه. وصنَّف في الحديث «شرح مُسْنَد الشَّافعيّ» و«الأَرْبَعِين» و«الأَمَالِي الشَّارِحَة لمُفْرَدَات الفَاتِحَة»، وهي مجالسُ حديثيَّةٌ أملى فيها ثلاثين حديثًا بأسانيده، وتكلَّم على معانيها وما يتَّصل بها من مسائل العلم. وله في التَّاريخ «التَّدْوِين في أخبار قَزْوِين»، أورد فيه أخبار المدينة وتراجم علمائها ومُحَدِّثيها وفقهائها، وفي أخبار رحلته إلى الحجّ «الإِيجَاز في أَخْطَار الحِجَاز»، دوَّن فيه فوائدَ ومباحثَ خطرت له في سفره. تُوفِّي بقَزْوِين في ذي القَعْدَة سنة 623هـ، ودُفن بها.