يؤرّخ محمّد بن عليّ بن نظيف الحمويّ في كتاب «التّاريخ المنصوريّ» المعروف باسم «تلخيص الكشف والبيان في حوادث الزّمان» للحوادث التي وقعت في بلاد الشّام ومصر والجزيرة وغيرها من البلاد الإسلاميّة منذ سنة 589 هـ إلى سنة 631 هـ، وهي الفترة التي أعقبت وفاة صلاح الدّين الأيّوبيّ وشهدت انتقال السُّلطة بين أبنائه وإخوته وأحفاده، وما نشأ عن ذلك من حروب ومنازعات وتحالفات بين أصحاب الممالك. والكتاب مُختصَر من تاريخ مطوَّل للمؤلِّف نفسه، يُحيل إليه في مواضع متفرِّقة عند ذكر الوقائع التي سبق أن استوفى تفاصيلها، ويُصرِّح بأنّه اقتصر في هذا التّلخيص على ما رآه مناسبًا من الأخبار والحوادث. وقد رتّب مادّته على السّنوات الهجريّة، فيذكر ما وقع في كلّ سنة من أحداث سياسيّة وعسكريّة، وما صاحبها من وفيات وتغييرات في الولايات والمناصب وأحوال البلدان، مع التّوسُّع أحيانًا في تفصيل الحوادث التي تتّصل بأصحاب الدُّول وعلاقاتهم بعضهم ببعض.
ويبدأ الكتاب بأخبار الملك العادل أبي بكر بن أيّوب ومساعيه إلى تثبيت نفوذه بعد وفاة أخيه صلاح الدّين، وما جرى بينه وبين أبناء أخيه، ولا سيّما الملك الأفضل عليّ والملك العزيز عثمان والملك الظّاهر غازي، من منازعات على دمشق ومصر وسائر البلاد. ويُفصِّل أخبار الحصار والمراسلات والمصالحات التي انتهت باستيلاء الملك العادل على الدّيار المصريّة، ثمّ ما اتّخذه من إجراءات لتوطيد حكمه وتوزيع الممالك بين أبنائه، وفي مقدِّمتهم الملك الكامل محمّد والملك المُعظَّم عيسى والملك الأشرف موسى. ويتتبّع المؤلِّف ما نشأ بين هؤلاء الأمراء وغيرهم من أصحاب حماة وحمص وحلب والجزيرة من تنازع السُّلطة والتّدخُّل في شؤون الممالك المجاورة، وما ترتّب على ذلك من حصار المدن وانتقال القلاع والحصون بين أيدي المتنازعين. ويورد أخبار الأمراء والمماليك الذين كان لهم أثر في توجيه هذه الأحداث، ومنهم فخر الدّين جهاركس وعماد الدّين بن المشطوب وزين الدّين قراجا وعزّ الدّين أسامة، وما جرى بينهم من اتِّفاقات ومنافسات وانحيازات أثّرت في مواقف الملوك وخططهم العسكريّة.
ويولي ابن نظيف أخبار الحروب مع الفرنج عناية ظاهرة، فيذكر غاراتهم على أعمال حماة وحمص وحصارهم لبعض القلاع والمدن، وما اتّخذه ملوك بني أيّوب من تدابير لمواجهتهم أو التّوصُّل إلى الصُّلح معهم. ومن أبرز الحوادث التي يتناولها حصار الفرنج لدمياط واستيلاؤهم عليها، وما أعقب ذلك من استنفار الملك الكامل للعساكر واستنجاده بإخوته وأمراء الشّام والجزيرة، ثمّ اجتماع الجيوش واستعادة المدينة سنة 618 هـ وما تقرّر بعد ذلك من شروط الصُّلح وتبادل الأسرى. كما يتناول ما جرى من خلاف بين الملك الكامل والملك المُعظَّم عيسى، ثمّ بين الكامل والملك النّاصر داود بعد وفاة أبيه، وما انتهت إليه هذه المنازعات من تغيير في السُّلطة على دمشق والجزيرة. ويذكر المفاوضات التي جرت بين الملك الكامل والإمبراطور صاحب الفرنج، والصُّلح الذي انعقد بينهما على القدس سنة 626 هـ، وما أثاره ذلك من ردود فعل ومراسلات بين الملوك والأمراء. وتتخلّل هذه الأخبار تفاصيل عن تحرُّكات الجيوش وحصار الحصون وتبادل الرُّسل والهدايا وإقرار الهدن والمُناصفات بين أصحاب الممالك والفرنج.
ولا تقتصر أخبار الكتاب على الممالك الأيّوبيّة في الشّام ومصر، بل تتّسع لما وقع في اليمن من انتقال السُّلطة بعد وفاة سيف الإسلام طغتكين، وما جرى لابنه الملك المُعزّ إسماعيل من حروب واضطرابات انتهت بمقتله، ثمّ استيلاء سيف الدّين سنقر على الحكم وتقلُّب أحوال البلاد من بعده. ويعرض المؤلِّف كذلك أخبار الصِّراع بين الغوريِّين والخوارزميِّين، وما وقع بين أصحاب الموصل وإربل وسنجار وماردين من حروب ومصالحات، وعلاقات الملوك الأيّوبيِّين بسلاطين سلاجقة الرُّوم. ويُفصِّل أخبار السُّلطان علاء الدّين كيقباد وتحالفه مع الملك الأشرف موسى في مواجهة جلال الدّين خوارزمشاه، وما جرى من وقائع عسكريّة في شرقيّ الأناضول انتهت بهزيمة الخوارزميِّين، ثمّ انتقال السُّلطان السَّلجوقيّ إلى أرزن الرُّوم وغيرها من الجهات. كما يتتبّع أخبار غارات التَّتر على بلاد الجزيرة وأذربيجان وما أحدثته من قتل ونهب واضطراب، وما اتّخذه الخليفة العبّاسيّ والملك الكامل والملك الأشرف من استعدادات عسكريّة ومراسلات لمواجهتها.
وترد في أثناء السَّرد أخبار تتعلّق بأحوال البلاد وسكّانها، ومنها ما أصاب مصر من الغلاء والمجاعة في أواخر القرن 6 الهجريّ نتيجة انخفاض مياه النِّيل، وما ترتّب على ذلك من ارتفاع أسعار الغلال وكثرة الوفيات. ويذكر المؤلِّف الزّلازل التي أصابت بلاد السّاحل، والأمراض والأوبئة التي انتشرت في بعض المدن، وأخبار بناء الجسور والقلاع والأسوار وتجديد التّحصينات. ومن ذلك ذكره الجسر الذي أنشأه الملك المنصور محمّد بن تقيّ الدّين على العاصي بحماة، وأعمال تحصين قلعة دمشق، وما أحدثه الملك المُظفَّر صاحب حماة من تغييرات في أسوارها وأبوابها، وبنائه بعض الأبراج والقلاع في أعمالها. كما يُثبت أخبار القضاة والوزراء والرُّسل وتوليتهم وعزلهم، وما كان يجري في مجالس الملوك من استقبال الوفود وتبادل الخِلَع والهدايا، مع بيان ما فرضته الحروب والمصالحات من أموال وإقطاعات وحقوق على المدن والحصون.
ويظهر اتِّصال ابن نظيف بالحوادث التي يرويها من خلال ما يذكره عن عمله في خدمة بعض أمراء بني أيّوب واشتراكه في المراسلات والمفاوضات المتعلِّقة بشؤونهم. فقد كان كاتبًا للملك الحافظ أرسلان شاه، وورد ذكره باسمه في أخبار السَّفارات والعهود، ومنها مشاركته في تثبيت اليمين بين الملك الحافظ والملك الأشرف، وما جرى له من اعتقال ومصادرة بأمر مخدومه، ثمّ مساعي الملك الأشرف في إطلاقه. ويجمع في رواياته بين الأخبار التي بلغته وما اتّصل بعلمه من شؤون البلاط، ويورد أحيانًا تفاصيل عن أسباب الخصومات والاتِّفاقات السِّرِّيّة وتصرُّفات الأمراء ومواقفهم من بعضهم. وقد صرّح عند بلوغ حوادث سنة 631 هـ بأنّه انتهى من اختصار ما تجدّد إلى يوم 22 صفر من تلك السّنة، ثمّ ألحق أخبارًا لاحقة تتناول تنقُّلات الملك الأشرف واتِّصالات الملك المجاهد صاحب حمص بسلاجقة الرُّوم، ووصول رسل التَّتر إلى إربل والموصل، وأحوال بعض أمراء الشّام والجزيرة، وتنتهي مادّة الكتاب بأخبار تنقُّل الملك الصّالح بن الملك الكامل بين الرَّقّة وحرّان والرُّها وآمد.