يفنِّد يحيى بن أبي الخير العِمْراني في كتاب «الانتصار في الرَّدِّ على المعتزلة القدريَّة الأشرار» أقوال المعتزلة والقدريَّة في مسائل الاعتقاد، وينصر مذهب أهل الحديث في القَدَر وصفات الله تعالى والإيمان وسائر أصول الدِّين، مستدلًّا بالقرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة وآثار الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين وأئمَّة السَّلف، ومناقشًا اعتراضات المخالفين وتأويلاتهم. ويقرِّر عقيدة أهل الحديث في وحدانيَّة الله عزَّ وجلَّ وصفاته، وإثبات علمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقات، ويبيِّن الأصول التي تُبنى عليها الأحكام العقديَّة، وهي القرآن الكريم والسُّنَّة والإجماع. ويناقش وجوب معرفة الله تعالى، ودلالة العقل والمعجزات على صدق الرُّسل عليهم السلام، وحجِّيَّة الأخبار النَّبويَّة، وما يتعلَّق بقبول روايات الصَّحابة رضي الله عنهم والاحتجاج بها. ويردُّ على أصول المتكلِّمين في الاستدلال بالجواهر والأعراض، وعلى قول المعتزلة بأنَّ المعدوم شيء، وإنكارهم الصِّفات الإلهيَّة، وما يترتَّب على هذه الأقوال من مسائل في المعرفة والتَّوحيد.
ويتوسَّع في مسألة القَدَر وخلق أفعال العباد، فيقرِّر أنَّ الله تعالى خالق أفعال العباد وأقوالهم وإراداتهم، وأنَّ الطَّاعات والمعاصي داخلة في عموم خلقه وتقديره، مع إثبات أفعال العباد وكسبهم لها واستحقاقهم الثَّواب والعقاب عليها. ويناقش قول المعتزلة بأنَّ الإنسان يخلق أفعاله استقلالًا، وحججهم في نفي خلق الله تعالى للمعاصي تنزيهًا له عن فعل القبائح والظُّلم، ويردُّ على استدلالاتهم بالآيات التي تنسب الأعمال إلى فاعليها أو تثبت لهم المشيئة والاختيار. ويبحث في حقيقة القدرة والاستطاعة وعلاقتهما بالفعل، والفرق بين الخلق والكسب، وما يتعلَّق بالأمر والنَّهي والمدح والذَّمِّ والثَّواب والعقاب، مستعرضًا وجوه الخلاف في نسبة الأفعال إلى الله تعالى وإلى العباد. ويُفصِّل في الإرادة والمشيئة الإلهيَّتين، فيناقش قول المعتزلة بأنَّ الله تعالى يريد الطَّاعات ولا يريد المعاصي، ويستدلُّ على عموم مشيئته ونفوذ إرادته، مع بحث العلاقة بين الإرادة والأمر والمحبَّة والرِّضا والكراهة. ويتناول الهداية والضَّلال، وشرح الصُّدور للإسلام، والختم على القلوب والطَّبع عليها، وتزيين الإيمان في قلوب المؤمنين، وما ورد في القرآن الكريم من إسناد الهداية والإضلال إلى الله تعالى، فيناقش تأويلات المعتزلة لهذه الآيات ومحاولاتهم حمل الإضلال على العقوبة أو التَّسمية أو غير ذلك من المعاني. ويبحث في علم الله تعالى السَّابق بأفعال عباده، وما يتعلَّق بخلق إبليس وإقداره على الإغواء، وابتلاء الإنسان بالخير والشَّرِّ، والتَّوفيق والخذلان، واستحقاق المدح والذَّمِّ مع سبق العلم والتَّقدير.
ويناقش مسائل العدل والحكمة الإلهيَّة، وما أوجبته المعتزلة على الله تعالى من فعل الأصلح للعباد، فيبحث في خلق الإنسان وتكليفه، وبعث الرُّسل عليهم السلام، وحقيقة الحسن والقبح، وما يُعرف منهما بالعقل أو بالشَّرع، وحكم التَّكليف بما لا يُطاق، وتعليل الأفعال الإلهيَّة، وما يجوز في حقِّ الله تعالى من الأفعال. ويعرض حجج المعتزلة في هذه المسائل ويجيب عنها، مستدلًّا بالآيات والأحاديث والأخبار المرويَّة عن السَّلف، مع مناقشة ما يتعلَّق بآلام الأطفال، ومصير المكلَّفين، والثَّواب والعقاب، والعدل والظُّلم. ويفحص ما احتجَّ به المخالفون من أقوال علي بن أبي طالب وابن عبَّاس رضي الله عنهم وغيرهما من الصَّحابة والتَّابعين والعلماء في إثبات مذهبهم في القَدَر، ويناقش دلالات تلك الرِّوايات ونسبتها إلى أصحابها، ويورد أقوال أئمَّة السَّلف في إثبات القَدَر والتَّحذير من الخوض فيه بالجدل المذموم.
ويبحث في صفة الكلام لله عزَّ وجلَّ، فيقرِّر أنَّ القرآن الكريم كلامه حقيقة، منزَّل غير مخلوق، ويردُّ على المعتزلة في القول بخلقه، وعلى الأشاعرة في مسألة الكلام النَّفسيِّ، وما يتعلَّق بالحروف والأصوات وسماع الكلام الإلهيِّ. ويناقش كلام الله تعالى لموسى عليه السلام، وإنزال القرآن الكريم على النَّبي صلى الله عليه وسلم، ومسائل التِّلاوة والقراءة واللَّفظ والمقروء، والفرق بين كلام الخالق وأفعال العباد، مع الرَّدِّ على تأويلات المخالفين للآيات التي استدلُّوا بها على خلق القرآن الكريم. ويتناول استواء الله تعالى على العرش وعلوَّه على خلقه، وإثبات الصِّفات الواردة في القرآن الكريم والسُّنَّة، ومنها الوجه واليدان والنُّزول، ويناقش أقوال الجهميَّة والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم في نفي هذه الصِّفات أو تأويلها، مقرِّرًا إثباتها من غير تشبيه ولا تكييف. كما يفصِّل في رؤية المؤمنين ربَّهم يوم القيامة بأبصارهم، مستدلًّا بالأخبار والآيات الواردة فيها، ومناقشًا اعتراضات منكري الرُّؤية وتأويلاتهم، وما يتعلَّق بإمكانها ووقوعها، واختلاف الأقوال في رؤية النَّبي صلى الله عليه وسلم ربَّه ليلة المعراج.
ويتناول مسائل الإيمان بالغيب وأحوال الآخرة، فيبحث في الإسراء والمعراج بالنَّبي صلى الله عليه وسلم، وخلق الجنَّة والنَّار وبقائهما، وأحكام أهل الكبائر من الموحِّدين، ومصير مَن مات منهم بغير توبة، ويردُّ على المعتزلة والخوارج في القول بخلود مرتكب الكبيرة في النَّار، وعلى المرجئة في إخراج العمل من حقيقة الإيمان. ويُثبت شفاعة النَّبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمَّته، والشَّفاعة في فصل القضاء، وما ورد من شفاعة الملائكة والأنبياء عليهم السلام والمؤمنين، ويناقش الأدلَّة التي استند إليها منكرو الشَّفاعة في إخراج العصاة من النَّار. كما يقرِّر عذاب القبر ونعيمه، وسؤال الملكين منكر ونكير، والميزان والصِّراط وحوض النَّبي صلى الله عليه وسلم، مستعرضًا الأخبار الواردة فيها والرُّدود على مَن أنكر حقيقتها أو أوَّلها. ويشرح معاني الدِّين والإسلام والإيمان، ويفرِّق بين الإسلام والإيمان والإحسان، ويبحث في دخول الأقوال والأعمال والنِّيَّات في حقيقة الإيمان، وزيادته بالطَّاعة ونقصانه بالمعصية، وتفاضل المؤمنين فيه، وحكم الاستثناء في الإيمان، وما يتعلَّق بمرتكب الكبيرة وأحكامه في الدُّنيا والآخرة. ويتناول كذلك حقيقة الجنِّ والشَّياطين، وخروج المسيح الدَّجَّال، وما ورد من الأخبار المتعلِّقة بهذه المسائل، مع مناقشة أقوال المنكرين والمؤوِّلين.
ويختم مباحثه بمسائل الإمامة والخلافة، فيبحث في وجوب نصب الإمام وشروط الإمامة وطرق انعقادها، وما وقع من اختلاف بين أهل الحديث والمعتزلة والخوارج والرَّوافض في استحقاق الخلافة وترتيب الخلفاء. ويقرِّر صحَّة خلافة أبي بكر الصِّدِّيق، ثمَّ عمر بن الخطَّاب، ثمَّ عثمان بن عفَّان، ثمَّ علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، مستعرضًا الأدلَّة على فضلهم وإمامتهم، والأخبار المتعلِّقة ببيعتهم وتولِّيهم الخلافة. ويناقش اعتراضات المخالفين على إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وما أوردوه من روايات في تأخُّر بعض الصَّحابة رضي الله عنهم عن البيعة، وادِّعاء النَّصِّ على خلافة علي رضي الله عنه، ويجيب عن تلك الشُّبه بالأخبار والآثار. ويُفصِّل في استخلاف أبي بكر رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه، وجعل عمر رضي الله عنه أمر الخلافة شورى في السِّتَّة، وكيفيَّة اختيار عثمان رضي الله عنه ومبايعته، وما أُثير حول سياسته من اعتراضات انتهت إلى مقتله، ثمَّ يتناول بيعة علي رضي الله عنه وأدلَّة استحقاقه الخلافة وفضائله، وما يتعلَّق بموقفه من الأحداث التي وقعت بين الصَّحابة رضي الله عنهم. ويستعين في هذه المباحث بالرِّوايات التَّاريخيَّة والأحاديث والآثار، مع الرَّدِّ على الأقوال التي تطعن في خلافة الخلفاء الرَّاشدين أو تنتقص من مكانتهم.