يُؤَرِّخ أبو عبد الله مُحَمَّد بن عليّ بن حمَّاد الصَّنْهَاجِيُّ في هذا الكتاب لدولة بني عُبَيْد، المعروفة بالدَّولة الفاطميَّة، منذ قيامها في إفريقيَّة والمغرب حتَّى انقضاء حكمها في مصر، مُتَتَبِّعًا أخبار ملوكها وسِيَرَهم وما جرى في عهودهم من حروبٍ وفتنٍ وتحوُّلاتٍ سياسيَّةٍ ومذهبيَّة. وقد اعتمد في تأليفه على ما انتقاه من كتب المؤرِّخين، وما تلقَّاه من أخبارٍ عن أشخاصٍ وَثِق بنقلهم، ورتَّب مادَّته على تعاقب الحُكَّام، مُبَيِّنًا أنسابَهم وأحوالَهم وأعمالَهم ومددَ ولايتهم ووفيَّاتِهم، وما اتَّصل بذلك من أخبار القادة والوزراء والقضاة والحُجَّاب. وتظهر في روايته عنايةٌ بتفاصيل الوقائع وأسماء الأشخاص والبلدان والتَّواريخ، مع إيراد بعض الأشعار والخُطَب والرَّسائل، والتَّنبيه إلى اختلاف الأخبار في مواضعَ منها، وإبداء موقفه من بعض عقائد بني عُبَيْد وسياساتهم.
ويبدأ بعبيد الله المَهْدِيِّ، فيَذْكُر الخلافَ في نسبه، ونشأتَه وانتقالَه من المشرق إلى المغرب، وما قام به أبو عبد الله الشِّيعيُّ من نشر دعوته بين قبائل كُتَامَة والقضاء على دولة الأغالبة، ثمَّ استخلاص عبيد الله من سجنه بسِجِلْمَاسَة وقيام دولته، وبناء مدينة المَهْدِيَّة واتِّخاذها مقرًّا للحُكْم، وما شَهِدَه عهده من حروبٍ وتوسُّعٍ وتغييراتٍ في بعض الشَّعائر الدِّينيَّة. ويَتَنَاوَل سيرةَ القائم بأمر الله، وثورةَ أبي يزيد مَخْلَد بن كَيْدَاد وما أحدثته من اضطرابٍ في إفريقيَّة، ثمَّ حروبَ المنصور مع الثُّوَّار والقَبَائِل، ومطاردتَه لأبي يزيد، وما اتَّصل بذلك من وقائعَ عسكريَّةٍ وتحصيناتٍ وبناء مدينة صَبْرَة المنصوريَّة. ويَنْتَقِل إلى المعزِّ لدين الله، فيَذْكُر حملاتِه في المغرب، وفتحَ مصر على يد قائده جَوْهَر الصِّقِلِّيِّ، وبناءَ القاهرة، وانتقالَ مركز الدَّولة إليها، وما صاحب ذلك من ترتيباتٍ سياسيَّةٍ وإداريَّةٍ ومراسمَ سلطانيَّةٍ، مع إيراد نصِّ الأمان الذي أصدره جوهر لأهل مصر.
ويَسْتَعْرِض أخبارَ العزيز بالله، ثمَّ الحاكم بأمر الله، وما نُقِل عن الحاكم من تَقَلُّبٍ في القرارات والأحكام، والتَّشدُّد في بعض الممارسات الدِّينيَّة والاجتماعيَّة، وتغيير بعض الشَّعائر، والتَّصرُّف في شؤون الأسواق وأهل الذِّمَّة، فضلًا عن أخباره في القتل والعقوبات والبناء والأموال، واختلاف الرِّوايات في اختفائه ومصيره. ويَتَنَاوَل بعد ذلك الظَّاهر لإعزاز دين الله، والمستنصر بالله، وما وقع في عهد الأخير من خروج المعزِّ بن باديس الصَّنْهَاجِيِّ على طاعة الفاطميِّين، وانتقال القبائل العربيَّة إلى إفريقيَّة، والفتن العسكريَّة والمجاعة التي أصابت مصر. ثمَّ يُورِد ما بلغه من أخبار المستعلي والآمر والحافظ والظَّافر والفائز والعاضد، وما شَهِدَتْه عهودهم من صراعاتٍ على السُّلطة واغتيالاتٍ وتدخُّل الوزراء والقادة في شؤون الحُكْم، وصولًا إلى دخول أَسَد الدِّين شِيرْكُوه مصر، وتولِّي صلاح الدِّين الأيُّوبيِّ الوزارة، وانتهاء الدَّولة الفاطميَّة وإعادة الخُطبة للعبَّاسيِّين.
وتتخلَّل هذه السِّيَر أخبارٌ عن تأسيس المدن وتحصينها وقصور الملوك وخزائنهم ومواكبهم وألقابهم وشارات سلطانهم، إلى جانب العلاقات بين الفاطميِّين والعبَّاسيِّين والأغالبة والصَّنْهَاجِيِّين وغيرهم من القوى السياسيَّة. كما يُبْرِز المؤلِّف ما ارتبط بحُكْم بني عُبَيْد من مسائلَ مذهبيَّةٍ وخلافاتٍ دينيَّةٍ، وينقل ما نُسِب إلى بعض ملوكهم من أعمالٍ وسياساتٍ مع إظهار موقفه النَّاقد من جوانبَ منها. ويَتَّسِم الكتابُ بالإيجاز في تراجم بعض الحُكَّام، والتَّوسُّع في أخبار آخرين، ولا سيَّما ما يتعلَّق بقيام الدَّولة وثورة أبي يزيد وفتح مصر وسيرة الحاكم بأمر الله، وبذلك يُقَدِّم سردًا تاريخيًّا متتابعًا لقيام الدَّولة الفاطميَّة واتِّساع سلطانها ثمَّ ضعفها وانقضائها.