يدرس سليمان بن محمَّد الدُّبيخي في هذا الكتاب الأحاديث المتعلِّقة بالعقيدة في صحيحي البخاري ومسلم التي استُشكلت معانيها، أو توهِّم تعارضها مع نصوص شرعيَّة أخرى، أو دلالتها على معانٍ مستحيلة أو مخالفة لأصول الاعتقاد. ويجمع الأحاديث التي نصَّ العلماء على وقوع الإشكال فيها، ويبيِّن أوجه الإشكال وأسبابه، ثمَّ يستعرض أقوال أهل العلم في تفسيرها والجمع بينها، ويناقش أدلَّتهم ويرجِّح ما يتَّفق مع منهج أهل السُّنَّة والجماعة. ويميِّز بين مشكل الحديث ومختلف الحديث، موضِّحًا أنَّ المشكل أعمُّ من التَّعارض الظَّاهريِّ بين الأحاديث، فقد ينشأ عن خفاء المعنى، أو توهُّم معارضة الحديث للقرآن الكريم أو الإجماع أو العقل. ويؤصِّل قواعد التَّعامل مع النُّصوص المشكلة، ومنها الإيمان بصحَّة ما ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وردُّ المتشابه إلى المحكم، والجمع بين الأدلَّة التي يظهر اختلافها، والاستعانة بالسِّياق والرِّوايات الأخرى في تحديد المعنى المقصود، مع التَّفريق بين دلالة النَّصِّ وبين ما قد ينشأ من خطأ في فهمه أو علَّة في روايته.
ويبدأ بالأحاديث المتعلِّقة بأسماء الله تعالى وصفاته، فيناقش حديث «خلق الله آدم على صورته»، واختلاف العلماء في مرجع الضَّمير ومعنى الصُّورة، وما ورد من إتيان الله تعالى عباده يوم القيامة في صورة يعرفونها، ويرجِّح عود الضَّمير إلى الله تعالى مع نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق. ويبحث في حديث التَّقرُّب إلى الله تعالى بالمشي والهرولة، ويوازن بين القول بإثبات الهرولة صفةً لله تعالى والقول بأنَّ الحديث مَثَلٌ لزيادة الجزاء على الطَّاعة، ويرجِّح المعنى الثَّاني. ويتناول حديث الأسماء الحسنى التِّسعة والتِّسعين، فيبيِّن أنَّ العدد المذكور لا يدلُّ على حصر أسماء الله تعالى فيه، وأنَّ إحصاءها يشمل حفظها وفهم معانيها والتَّعبُّد بمقتضاها. ويناقش معنى الملل في حديث «لا يملُّ الله حتَّى تملُّوا»، وما ورد في الحديث القدسيِّ من التَّردُّد في قبض نفس المؤمن، وحديث صبر الله تعالى على أذى عباده، مبيِّنًا أقوال العلماء في إثبات هذه الصِّفات وفهمها على الوجه اللَّائق بالله عزَّ وجلَّ. ويشرح حديث «مرضت فلم تعدني» وما اشتمل عليه من بيان أنَّ المقصود مرض العبد وحاجته، وحديث «سبعة يظلُّهم الله في ظلِّه» وما ورد في تفسير الظِّلِّ بظلِّ العرش. كما يناقش حديث «يؤذيني ابن آدم يسبُّ الدَّهر وأنا الدَّهر»، ويبيِّن أنَّ الدَّهر ليس من أسماء الله تعالى، وإنَّما المراد أنَّه سبحانه مدبِّر الدَّهر ومصرِّفه، ويتناول حديث «الرَّحم شِجْنة من الرَّحمن» وما يتعلَّق بمعناه، وحديث الرَّجل الذي أمر بإحراق جسده وتفريق رماده بعد موته، وما يثيره من مسائل الجهل ببعض صفات الله تعالى وأثر الخوف منه في العفو والمغفرة.
ويبحث في الأحاديث المتعلِّقة بالقَدَر، فيشرح حديث احتجاج آدم وموسى عليهما السلام، واختلاف العلماء في وجه احتجاج آدم بالقَدَر، ويرجِّح جواز الاحتجاج به على المصائب أو على الذُّنوب بعد التَّوبة منها، دون اتِّخاذه عذرًا للاستمرار في المعصية. ويدرس حديث خلق التُّربة يوم السَّبت، وما أُثير حول مخالفته للآيات القرآنيَّة الواردة في خلق السَّماوات والأرض في ستَّة أيَّام، ويعرض أقوال المحدِّثين في إعلاله، ويرجِّح عدم صحَّة نسبته إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم. ويناقش حديث «لا يُدخل أحدًا الجنَّةَ عملُه» في ضوء الآيات التي تربط دخول الجنَّة بالأعمال، مبيِّنًا الفرق بين كون العمل سببًا لدخولها وبين استحقاقها بمجرد العمل من غير رحمة الله تعالى. ثمَّ ينتقل إلى الأحاديث المتعلِّقة بالنُّبوَّة وعصمة الأنبياء عليهم السلام، فيشرح حديث «نحن أحقُّ بالشَّكِّ من إبراهيم»، ويبيِّن أنَّ المراد نفي الشَّكِّ عن إبراهيم عليه السلام، لا إثباته له. ويتناول حديث سحر النَّبي صلى الله عليه وسلم، ويردُّ على الاعتراضات المتعلِّقة بعصمته وصحَّة تبليغه للوحي، مقرِّرًا أنَّ ما أصابه كان عارضًا بشريًّا لم يؤثِّر في تبليغ الرِّسالة. ويبحث في الأحاديث الواردة في رمي الشَّياطين بالشُّهب، وما يُتوهَّم من اختلافها في توقيت بدء ذلك، ويجمع بينها ببيان اشتداد حراسة السَّماء عند بعثة النَّبي صلى الله عليه وسلم. ويناقش كذلك نفي النَّبي صلى الله عليه وسلم اتِّخاذ خليل من البشر مع قول أبي هريرة رضي الله عنه «أوصاني خليلي بثلاث»، مبيِّنًا اختلاف جهة الخُلَّة في الحديثين. ويفحص رواية شريك بن عبد الله في حديث الإسراء والمعراج، وما وقع فيها من مخالفات للرِّوايات الأخرى، ويناقش حديث لطم موسى عليه السلام لملك الموت، ويرجِّح أنَّ موسى عليه السلام لم يعرفه حين أتاه في صورة بشر. ويتناول أيضًا أحاديث السَّمع والطَّاعة واشتراط القرشيَّة في الإمامة، ويوضِّح وجوه الجمع بين الأمر بطاعة الأمير الحبشيِّ والأخبار الواردة في اختصاص قريش بالخلافة.
ويُفصِّل في الأحاديث المتعلِّقة بأشراط السَّاعة، فيجمع بين خبر استمرار الطَّائفة الظَّاهرة على الحقِّ إلى قيام السَّاعة، وحديث أنَّ السَّاعة لا تقوم إلَّا على شرار الخلق، مبيِّنًا أنَّ الله تعالى يقبض أرواح المؤمنين قبل قيامها. ويبحث في حديث أوَّليَّة طلوع الشَّمس من مغربها، وما ورد من علامات تسبقها، ويرجِّح أنَّ الأوَّليَّة فيه مقيَّدة بنوع معيَّن من الآيات. ويناقش ما ورد عن رؤية النَّبي صلى الله عليه وسلم المسيح الدَّجَّال يطوف بالكعبة، مع الأحاديث الدَّالَّة على امتناع دخوله مكَّة والمدينة، ويفسِّر الرُّؤية بأنَّها مناميَّة لا يلزم وقوع صورتها في الخارج. ويتناول حديث تقارب الزَّمان، ويرجِّح أنَّه يتضمَّن قِصَر الزَّمان حقيقةً عمَّا جرت به العادة، ويشرح حديث «أن تلد الأمَة ربَّتها» وأقوال العلماء في تفسير هذه العلامة وعلاقتها بتغيُّر أحوال النَّاس.
ويبحث في الأحاديث المتعلِّقة بالبعث والحساب والجزاء، فيناقش ما الذي يُوزن يوم القيامة، ويجمع بين الأخبار الواردة في وزن الأعمال وأصحابها وصحائفها، ويرجِّح ثبوت ذلك كلِّه. ويشرح حديث «إنَّ أشدَّ النَّاس عذابًا عند الله يوم القيامة المصوِّرون»، مبيِّنًا وجه الجمع بينه وبين النُّصوص الدَّالَّة على تفاوت أهل الكفر والمعاصي في العذاب. ويتناول إنكار النَّبي صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها حين شهدت لصبيٍّ من الأنصار بالجنَّة، ويفرِّق بين الحكم العامِّ لأطفال المؤمنين والحكم لشخص معيَّن منهم. ويناقش حديث الذين يُذادون عن حوض النَّبي صلى الله عليه وسلم ويُقال إنَّهم ارتدُّوا بعده، ويبحث في المراد بهم وعلاقتهم بالصَّحابة رضي الله عنهم، ويردُّ على الاستدلال به للطَّعن في مشاهير الصَّحابة. ويدرس شفاعة النَّبي صلى الله عليه وسلم لعمِّه أبي طالب وتخفيف العذاب عنه، وما يُتوهَّم من معارضتها للنُّصوص النَّافية لانتفاع الكافرين بالشَّفاعة، ويرجِّح اختصاص أبي طالب بهذا التَّخفيف. ويتناول أخيرًا أحاديث سماع الموتى، وما وقع من اختلاف في فهم سماع قتلى بدر كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم، وموقف عائشة رضي الله عنها من ذلك، ويرجِّح أنَّ الأصل عدم سماع الموتى كلام الأحياء إلَّا فيما ورد الدَّليل بإثباته. ويعتمد في هذه المباحث على جمع طُرُق الأحاديث وألفاظها، والنَّظر في كلام شرَّاح الصَّحيحين والمحدِّثين وأئمَّة الاعتقاد، وموازنة الأقوال بأدلَّتها النَّقليَّة والعقليَّة واللُّغويَّة، للوصول إلى المعنى الذي يراه أرجح في رفع الإشكال عن كلِّ حديث.