يدرس سليمان بن محمَّد الدُّبيخي في هذا الكتاب الأحاديث الواردة في صحيحي البخاري ومسلم التي يظهر بينها اختلاف في تقرير بعض مسائل الاعتقاد، فيجمع الرِّوايات المتعلِّقة بكلِّ مسألة، ويحدِّد وجه التَّعارض المتوهَّم، ثمَّ يستعرض أقوال العلماء في الجمع بينها أو ترجيح بعضها على بعض، ويناقش أدلَّتهم للوصول إلى ما يراه أرجح وفق منهج أهل السُّنَّة والجماعة. ويُبيِّن حقيقة التَّعارض ومختلف الحديث، والفرق بينه وبين مشكل الحديث، ويقرِّر أنَّ التَّعارض الحقيقيَّ لا يقع بين النُّصوص الشَّرعيَّة الصَّحيحة، وإنَّما ينشأ التَّعارض الظَّاهريُّ من اختلاف الرِّوايات أو اختصار بعضها، أو الجهل بأسباب ورودها، أو عدم التَّمييز بين العامِّ والخاصِّ والمطلق والمقيَّد، أو الخطأ في فهم دلالاتها. ويشرح مسالك العلماء في دفع التَّعارض، مقدِّمًا الجمع بين الأحاديث متى أمكن، ثمَّ النَّسخ عند ثبوته في المسائل التي تقبله، ثمَّ التَّرجيح بين الأدلَّة عند تعذُّر الجمع وعدم ثبوت النَّسخ، مع بيان مواضع التَّوقُّف وأسبابه. ويعتمد في دراسة المسائل على استقراء طُرُق الأحاديث وألفاظها، والنَّظر في أقوال المحدِّثين وشُرَّاح الصَّحيحين وأئمَّة الاعتقاد، ومناقشة وجوه الجمع والتَّرجيح بالأدلَّة النَّقليَّة واللُّغويَّة والعقليَّة.
ويبدأ بمسائل توحيد الألوهيَّة، فيبحث في أحاديث نفي العدوى وإثباتها، ويجمع بين قول النَّبي صلى الله عليه وسلم «لا عدوى» والأحاديث الآمرة باجتناب مخالطة المرضى بالأصحَّاء، مقرِّرًا أنَّ انتقال المرض بالأسباب التي خلقها الله تعالى لا ينافي التَّوكُّل عليه، وأنَّ النَّفي متوجِّه إلى الاعتقاد بأنَّ المرض ينتقل بطبعه مستقلًّا عن مشيئة الله عزَّ وجلَّ. ويناقش أحاديث الطِّيَرة والتَّشاؤم، وما ورد في الشُّؤم في المرأة والدَّار والفرس، فيميِّز بين التَّطيُّر المنهيِّ عنه وبين ما يُعرف من تكرُّر الضَّرر ووجود أسبابه، ويعرض اختلاف العلماء في حمل أخبار الشُّؤم على ظاهرها أو تأويلها أو ترجيح بعض رواياتها. ويبحث في أحاديث الرُّقى، فيجمع بين ما ورد من فعل النَّبي صلى الله عليه وسلم للرُّقية وإقراره لها، والأحاديث التي تمدح مَن لا يسترقون، مبيِّنًا الفروق بين الرُّقية المشروعة والرُّقى المحرَّمة، وبين رُقية الإنسان لغيره وطلبه الرُّقية لنفسه، وعلاقة ذلك بكمال التَّوكُّل على الله تعالى. ويتناول أحاديث الكَيِّ، وما ورد من استعماله والإذن فيه والنَّهي عنه، فيفرِّق بين الحاجة إلى العلاج به، واستعماله مع إمكان الاستغناء عنه، والغلوِّ في اعتقاد تأثيره. ويناقش أحاديث الحلف بغير الله تعالى، وما قد يُفهم من بعض الرِّوايات من وقوع الحلف بغيره على لسان النَّبي صلى الله عليه وسلم، مع بحث وجوه النَّسخ والتَّرجيح فيها. ويفصِّل في الألفاظ التي قد توهم التَّشريك في الرُّبوبيَّة، ومنها إطلاق لفظ الرَّبِّ على السَّيِّد، واستعمال ألفاظ العبوديَّة والمَوْلَويَّة، والجمع بين الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في ضمير واحد، مبيِّنًا أحكام هذه الألفاظ واختلاف دلالاتها باختلاف السِّياق. كما يدرس حديث يأس الشَّيطان من أن يعبده المصلُّون في جزيرة العرب، ويقابله بالأخبار الواردة في وقوع الشِّرك وعبادة الأوثان فيها.
وينتقل إلى أحاديث الأسماء والصِّفات، فيبحث في الجمع بين قول النَّبي صلى الله عليه وسلم إنَّ كلتا يدي الله تعالى يمين، وما ورد في بعض الرِّوايات من وصف إحدى اليدين بالشِّمال، ويناقش أقوال العلماء في ذلك، ويرجِّح عدم ثبوت الرِّواية المشتملة على وصف الشِّمال. ويدرس الأحاديث التي تُثبت الرَّحمة صفةً لله عزَّ وجلَّ، والأخبار التي تدلُّ على أنَّ رحمته مخلوقة، فيفرِّق بين الرَّحمة المضافة إليه إضافة صفة إلى موصوف، والرَّحمة المضافة إليه إضافة مخلوق إلى خالقه. ويتناول علوَّ الله تعالى وفوقيَّته وما ورد من معِيَّته وقربه من عباده، ويعرض وجوه الجمع بين هذه النُّصوص، مقرِّرًا أنَّ إثبات المعِيَّة والقرب لا ينافي إثبات العلوِّ والفوقيَّة. ويبحث في رؤية النَّبي صلى الله عليه وسلم ربَّه ليلة المعراج، وما رُوي عن عائشة وابن عبَّاس رضي الله عنهم وغيرهما، ويميِّز بين الرُّؤية البصريَّة والرُّؤية القلبيَّة، مرجِّحًا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه بفؤاده لا ببصره. ثمَّ يناقش مسائل الإيمان، فيجمع بين الأحاديث الواردة في المؤاخذة بأعمال الجاهليَّة بعد الإسلام والأحاديث الدَّالَّة على أنَّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله، ويُفصِّل في أحاديث الوعد والوعيد، وما ورد من إطلاق الكفر أو نفي الإيمان عمَّن ارتكب بعض الكبائر، مبيِّنًا الفرق بين الكفر الأكبر والأصغر، وبين أصل الإيمان وكماله الواجب، وشروط تحقُّق الوعيد وموانعه. ويتناول كذلك الأحاديث المختلفة في موضع سدرة المنتهى، وما ورد من وجودها في السَّماء السَّادسة أو السَّابعة، ويرجِّح الجمع بينهما بأنَّ أصلها في السَّادسة وفروعها في السَّابعة.
ويبحث في أحاديث اليوم الآخر، فيبدأ بأشراط السَّاعة، فيناقش ما ورد في ابن صيَّاد والأخبار التي توهم أنَّه المسيح الدَّجَّال، ويعرض مواقف الصَّحابة رضي الله عنهم وأقوال العلماء في هويَّته، مرجِّحًا أنَّه ليس المسيح الدَّجَّال الذي يقتله عيسى بن مريم عليه السلام، وإنَّما هو أحد الدَّجَّالين. ويتناول أحاديث الدُّخان، وما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه في أنَّه وقع لقريش حين أصابها الجوع والشِّدَّة، والأخبار التي تجعله من أشراط السَّاعة المنتظرة، فيجمع بينها بإثبات دخان وقع في الماضي وآخر يكون قرب قيام السَّاعة. ثمَّ يناقش أحاديث تعذيب الميِّت ببكاء أهله عليه، وما رُوي عن عمر وابنه عبد الله والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم، وما ورد عن عائشة رضي الله عنها من إنكار حملها على هذا المعنى واستدلالها بأنَّ الإنسان لا يحمل وزر غيره. ويستعرض أقوال العلماء في تأويل العذاب بالبكاء أو النِّياحة، أو حمل الرِّوايات على أحوال مخصوصة، ويرجِّح إمكان الجمع بينها باختلاف الأشخاص والأحوال دون القول بمؤاخذة الإنسان بذنب غيره. ويدرس كذلك الأحاديث التي توهم اختلافًا في عدد النِّساء والرِّجال في الجنَّة، فيميِّز بين النِّساء من بني آدم والحور العين، ويرجِّح أنَّ النِّساء من بني آدم أقلُّ عددًا من الرِّجال فيها، وأنَّ مجموع النِّساء مع الحور العين أكثر منهم.
ويُفصِّل في أحاديث القَدَر، فيبحث في زيادة العمر بصلة الرَّحم، وما يُتوهَّم من تعارضها مع النُّصوص الدَّالَّة على تحديد الآجال وعدم تقدُّمها أو تأخُّرها، ويشرح أقوال العلماء في حقيقة الزِّيادة، بين مَن حملها على البركة في العمر ومَن أثبت وقوعها حقيقةً بتقدير الله تعالى للأسباب ومسبَّباتها، ويرجِّح القول الثَّاني. ويناقش الأحاديث التي تُثبت كتابة الشَّقاوة والسَّعادة على الإنسان وهو في بطن أمِّه، مع الأخبار الدَّالَّة على أنَّ كلَّ مولود يولد على الفطرة، فيبيِّن أنَّ الكتابة متعلِّقة بما يؤول إليه حال الإنسان، وأنَّ ذلك لا ينافي ولادته على الفطرة. ويتناول قول النَّبي صلى الله عليه وسلم «والشَّرُّ ليس إليك»، وما ورد من أنَّ الله تعالى خالق كلِّ شيء ومقدِّر الخير والشَّرِّ، ويفرِّق بين فعل الله تعالى القائم على الحكمة، وبين الشَّرِّ الذي يكون في بعض مخلوقاته ومقدوراته. ويبحث في مصير أطفال المشركين الذين ماتوا قبل التَّكليف، فيجمع الأخبار الواردة فيهم ويعرض أقوال العلماء في حكمهم يوم القيامة، ويرجِّح امتحانهم في الآخرة، وأنَّ مَن أطاع منهم دخل الجنَّة ومَن عصى دخل النَّار. ويناقش الأحاديث الواردة في استعمال لفظ «لو»، وما جاء من النَّهي عنه والإذن به في كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم، فيميِّز بين استعماله اعتراضًا على القَدَر أو تحسُّرًا على ما فات، واستعماله في تمنِّي الخير والتَّعليم والإرشاد وبيان الأسباب. ويتناول كذلك اختلاف الرِّوايات في الوقت الذي يكتب فيه المَلَك رزق الجنين وأجله وعمله وشقاوته أو سعادته، وما ورد من تحديد ذلك بأربعين يومًا أو اثنتين وأربعين ليلة أو مئة وعشرين يومًا، ويبحث في إمكان الجمع بينها بتعدُّد الكتابة واختلاف ما يتعلَّق بكلِّ مرحلة من مراحل الخلق.
ويختم مباحثه بمسائل النُّبوَّة، فيناقش الأحاديث النَّاهية عن التَّفضيل بين الأنبياء عليهم السلام، وما ورد من تصريح القرآن الكريم بتفضيل بعضهم على بعض، والأخبار الدَّالَّة على فضل النَّبي محمَّد صلى الله عليه وسلم وسيادته، فيبيِّن أنَّ النَّهي يتوجَّه إلى التَّفضيل الذي يتضمَّن انتقاص المفضول أو يؤدِّي إلى الخصومة والتَّعصُّب، ولا ينفي ما ثبت من تفاوت الأنبياء عليهم السلام في الدَّرجات والفضائل. ويتناول الأحاديث المختلفة في عدد أجزاء النُّبوَّة التي تُعدُّ الرُّؤيا الصَّالحة جزءًا منها، وما ورد من كونها جزءًا من ستَّة وأربعين جزءًا أو غير ذلك من الأعداد، ويعرض وجوه الجمع بين الرِّوايات وأقوال العلماء في تفسير اختلافها، ويرجِّح ارتباط هذا الاختلاف بحال صاحب الرُّؤيا ومرتبته في الصِّدق والصَّلاح. ويستعين في جميع هذه المسائل بتتبُّع الأحاديث وجمع طرقها، ومقارنة ألفاظها، وتحليل دلالاتها، ومناقشة أقوال العلماء في التَّوفيق بينها، مع التَّفريق بين التَّعارض الحقيقيِّ الممنوع في النُّصوص الصَّحيحة والتَّعارض الظَّاهريِّ الذي يزول بالنَّظر في وجوه الجمع والتَّرجيح.