يستقصي شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن ناصر الدين الدمشقي في هذه الرسالة الأحاديث والآثار المتعلقة بمنبر النبي صلى الله عليه وسلم، وصفة صناعته، وأسباب اتخاذه، وما ورد في فضائله وأخباره، في سياق الاستدلال على جواز اتخاذ الكراسي في المساجد، والرد على من أنكر ذلك. ويبدأ بسرد طرق حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه في صناعة المنبر النبوي، وما ورد فيه من أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من امرأة أن تأمر غلامها النجار بصناعة أعواد يجلس عليها عند مخاطبة الناس، فصنع له منبرًا من 3 درجات من طرفاء الغابة. ويذكر صلاته صلى الله عليه وسلم على المنبر، ونزوله القهقرى للسجود عند أصله، وقوله لأصحابه رضي الله عنهم: «يا أيها الناس، إني إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي». ويعتني المؤلف بتخريج الحديث من «صحيح مسلم» و«صحيح البخاري» وغيرهما من كتب السنة، ويورد طرقه المختلفة وما جاء فيها من زيادات تتعلق بوصف المنبر وسبب اتخاذه.
ويتناول المؤلف الروايات الواردة في اقتراح صناعة المنبر، فيذكر ما رُوي عن تميم الداري رضي الله عنه من عرضه اتخاذ منبر للنبي صلى الله عليه وسلم بعدما شقّ عليه القيام، وما ورد من مشاورة الصحابة رضي الله عنهم حين كثر المسلمون واحتاجوا إلى موضع مرتفع يتمكنون معه من رؤيته وسماع خطبته. ثم يبحث اختلاف الروايات في تعيين صانع المنبر، فيورد الأقوال التي سمّته ميمونًا ومينا وباقول وباقوم وكلابًا وصباحًا وإبراهيم، ويناقش نسبة بعض هؤلاء إلى العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أو إلى امرأة من الأنصار، مع بيان ما جاء في الأحاديث الصحيحة وما انفردت به بعض الطرق. ويتعرّض لأحوال عدد من الرواة، وينقل أقوال المحدّثين في توثيقهم أو تضعيفهم، ويوازن بين الروايات عند اختلافها في الأسماء والأخبار. كما يذكر ما ورد في فضل المنبر النبوي، وما رُوي عن صلته بروضة المسجد النبوي وحوض النبي صلى الله عليه وسلم.
ويُفصّل ابن ناصر الدين أخبار الجذع الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستند إليه عند الخطبة قبل صناعة المنبر، وما وقع من حنينه حين انتقل إلى المنبر الجديد، حتى سمع الصحابة رضي الله عنهم صوته وبكوا تأثرًا به. ويسوق الروايات التي تصف نزول النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجذع ومسحه واحتضانه حتى سكن، وما ورد في مصيره بعد ذلك، من دفنه تحت المنبر أو وضعه في سقف المسجد أو بقائه عند أُبيّ بن كعب رضي الله عنه حتى بلي. ويذكر اختلاف الأحاديث في بعض تفاصيل القصة، مع الإشارة إلى ما يراه أصحّ في أسانيدها. ثم يتناول وصف المنبر نفسه، فيبيّن أن غالب الروايات تذكر أن درجاته 3 بالمقعد، وأن له رمّانتين، إحداهما التي تلي الحجرة النبوية الشريفة، وتُعرف بالصلعاء، وهي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يمسكها بيمينه عند استقباله الناس. ويورد أثرًا عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا إذا خلا المسجد أخذوا بهذه الرمانة بأيمانهم، ثم استقبلوا القبلة يدعون.