يُؤَصِّل مُحَمَّد بن مُحَمَّد أبو شُهْبَة في هذا الكتاب مسائلَ علوم القرآن الكريم، مُحَرِّرًا أصولَها ومُناقِشًا ما اختلف فيه العلماء من أقوالٍ، مع التَّحَرِّي في صحَّة الرِّوايات والآثار، والتَّرجيح بين المذاهب بالأدلَّة، والرَّدِّ على الشُّبُهات التي أُثِيرَت حول الوحي ونزول القرآن وجَمْعه وكتابته وثبوت نصِّه. ويبدأ بتعريف القرآن الكريم وبيان خصائصه وأسمائه، وإعجازه والتَّحَدِّي بالإتيان بمثله، ومكانته في حفظ اللُّغة العربيَّة وهداية النَّاس، وما اشتمل عليه من أصول العقائد والتَّشريع والأخلاق، ودعوته إلى النَّظر والتَّفكُّر ونَبْذ التَّقليد والعصبيَّة. ثمَّ يُحَرِّر مفهوم علوم القرآن، مُفَرِّقًا بين مدلولها العامِّ الذي يَشْمَل العلوم المتَّصلة بالقرآن، ومدلولها الخاصِّ بوصفها علمًا مُدَوَّنًا يَضُمُّ القواعدَ المتعلِّقة بنزوله وجَمْعه ورسمه وقراءاته وتفسيره وسائر أحواله. ويَتَتَبَّع نشأةَ هذه العلوم منذ عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والصَّحابة رضي الله عنهم، ومراحلَ تدوينها وتطوُّر التَّأليف فيها، مُعَرِّفًا بأبرز مُصَنَّفاتها، ومُتَوَقِّفًا عند «البرهان في علوم القرآن» للزَّرْكَشِيِّ و«الإتقان في علوم القرآن» للسُّيُوطِيِّ، مع نقد ما تَضَمَّنَه بعضُها من رواياتٍ واهيةٍ وأقوالٍ شاذَّةٍ لم يُنَبَّه على بطلانها.
ويُحَقِّق مسائلَ نزول القرآن الكريم، مُبَيِّنًا معنى النُّزول، وما ورد في إنزاله جملةً واحدةً من اللَّوح المحفوظ إلى السَّماء الدُّنيا، ثمَّ نزوله مُفَرَّقًا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام. ويُناقِش كيفيَّة تلقِّي جبريل عليه السلام للوحي، وصُوَر تلقِّي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم له، وما يَتَّصِل بذلك من أحوال الوحي وأقسامه، مُفَرِّقًا بين القرآن الكريم والحديث القُدُسِيِّ والحديث النَّبويِّ من حيث اللَّفظ والمعنى وخصائص كلٍّ منها. ويُبَيِّن الحِكَمَ من نزول القرآن مُنَجَّمًا، ومنها تثبيت قلب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتيسير حفظ القرآن وفَهْمه والعمل به، ومواكبة الحوادث والوقائع، والتَّدَرُّج في التَّشريع وتربية الأُمَّة. ويَرُدُّ على الشُّبُهات التي تُنْكِر حقيقةَ الوحي أو تُفَسِّرُه تفسيرًا نَفْسِيًّا، مُناقِشًا ما استند إليه أصحابُها من دعاوى، ومُبَيِّنًا بطلانَ إرجاع القرآن إلى تأمُّلات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أو معارفه المكتسبة، ومُسْتَدِلًّا على أنَّه وَحْيٌ مُنَزَّلٌ من عند الله تعالى.
ويَتَتَبَّع الأقوالَ الواردة في أوَّل ما نزل من القرآن الكريم وآخره، مُفَرِّقًا بين الأوَّلِيَّة والآخِرِيَّة المُطْلَقَتَيْن والمُقَيَّدَتَيْن، ومُناقِشًا الأدلَّةَ التي استند إليها العلماء في تعيين الآيات والسُّوَر، وما يَظْهَر بين بعض الرِّوايات من اختلافٍ ووجوهِ الجَمْع بينها. ويُفَصِّل مسائلَ أسباب النُّزول، مُحَدِّدًا مفهومَها وطُرُقَ معرفتها، وحُكْمَ الرِّوايات المَنْقُولَة فيها عن الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين، ومُؤَكِّدًا ضرورةَ التَّثَبُّت من صحَّتها وعدم التَّساهُل في نِسْبَة سببٍ إلى نزول آيةٍ. ويُوَضِّح فوائدَ معرفة أسباب النُّزول في فَهْم المعاني وإزالة الإشكال وتعيين المراد من الآيات، ثمَّ يُحَرِّر أحكامَ تعدُّد الأسباب والآيةُ واحدةٌ، وتعدُّد الآيات والسَّببُ واحدٌ، وما يَتَّصِل بذلك من احتمال تكرُّر النُّزول أو تعدُّد الوقائع. كما يُناقِش قاعدةَ العِبْرَة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، وأدلَّةَ العلماء فيها، والفَرْقَ بين الألفاظ العامَّة والخاصَّة الواردة على أسبابٍ مخصوصةٍ، وما يَتَرَتَّب على ذلك من أحكامٍ في التَّفسير والاستنباط.
ويُحَرِّر مسألةَ نزول القرآن على سبعة أحرف، مُسْتَعْرِضًا الأحاديثَ الواردة فيها وطُرُقَها، وما تَضَمَّنَتْه من بيان التَّيسير على الأُمَّة ورفع الحرج عنها لاختلاف ألسنة العرب ولهجاتهم. ويُناقِش أقوالَ العلماء الكثيرة في المراد بالأحرف السَّبعة، مُفَرِّقًا بينها وبين القراءات السَّبع المشهورة، ومُبَيِّنًا أنَّ التَّوسعة الواردة في الأحاديث إنَّما كانت في الألفاظ مع اتِّفاق المعاني والأحكام، وفي حدود ما نزل به الوحي وتَلَقَّاه الصَّحابة رضي الله عنهم عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، لا على سبيل إبدال الكلمات بالرَّأي والاختيار. ويَرُدُّ على التَّفسيرات التي تُجِيز قراءةَ القرآن بالمعنى، وعلى الشُّبُهات التي أَثَارَها بعض المستشرقين بشأن الأحرف السَّبعة واختلاف القراءات، ثمَّ يُناقِش مقدارَ ما اشتملت عليه المصاحف العثمانيَّة من هذه الأحرف، وعلاقةَ ذلك باستقرار النَّصِّ القرآنيِّ. ويَنْتَقِل إلى المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ، فيُبَيِّن ضوابطَ التَّمييز بينهما، وخصائصَ كلٍّ منهما في الألفاظ والأساليب والموضوعات، وما يُعْرَف به زمنُ نزول الآيات والسُّوَر، والفوائدَ التَّفسيريَّة والتَّشريعيَّة المترتِّبة على هذا العلم، مع تفنيد الشُّبُهات التي زَعَمَ أصحابُها وجودَ اختلافٍ أو تناقضٍ بين القرآن المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ.
ويُوَثِّق تاريخَ جَمْع القرآن الكريم وحفظه، مُفَرِّقًا بين جَمْعه في الصُّدور وكتابته في السُّطور، ومُبَيِّنًا عنايةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بحفظه وتلقينه للصَّحابة رضي الله عنهم، وما كان من كتابته بين يديه على أيدي كُتَّاب الوحي. ويُفَصِّل جَمْعَه في عهد أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه، وأسبابَ هذا الجَمْع وإجراءاتِ التَّثَبُّت فيه، ثمَّ نَسْخ المصاحف في عهد عثمان بن عفَّان رضي الله عنه، وما دَعَا إليه من اختلاف النَّاس في القراءة، وكيف أَسْهَم في توحيد المصاحف ومنع النِّزاع. ويُوَضِّح الفروقَ بين هذه المراحل، وما امتاز به كلُّ جَمْعٍ منها، ويُناقِش الرِّواياتِ المتعلِّقة بمصاحف بعض الصَّحابة رضي الله عنهم، وما أُثِير حول جَمْع القرآن من شبهاتٍ تتعلَّق بسقوط بعض الآيات أو زيادتها أو اختلاف المصاحف، مُحَاكِمًا تلك الدَّعاوى إلى قواعد النَّقْل والرِّواية والتَّواتُر. ثمَّ يُحَرِّر مسائلَ ترتيب الآيات والسُّوَر، وأسمائها وعدد آياتها وفواصلها، وما ورد في ترتيبها من أقوالٍ وأدلَّةٍ، مُقَرِّرًا أنَّ ترتيب الآيات توقيفيٌّ، ومُناقِشًا الخلافَ في ترتيب السُّوَر والحِكْمَةَ من تنظيمها على النَّحو المثبت في المصحف.
ويُفَصِّل أحكامَ كتابة القرآن الكريم ورسمه، مُبَيِّنًا نشأةَ الكتابة عند العرب وعنايةَ الإسلام بها، وقواعدَ الرَّسم العثمانيِّ من الحذف والزِّيادة والهمز والبَدَل والفصل والوصل، وما يَتَّصِل بها من ظواهرَ إملائيَّةٍ تختلف عن الكتابة المعتادة. ويُناقِش الخلافَ في كون رسم المصحف توقيفيًّا أو اصطلاحيًّا، وأدلَّةَ العلماء في وجوب المحافظة عليه، مُرَجِّحًا الالتزامَ بالرَّسم العثمانيِّ عند كتابة المصاحف الكاملة، مع جواز استعمال الرَّسم الإملائيِّ المألوف عند إيراد الآيات في الكتب العلميَّة والصُّحف ونحوها تيسيرًا على القُرَّاء، مع إمكان التَّنبيه إلى رسمها في المصحف. ويَرُدُّ على الاعتراضات المتعلِّقة بكتابة المصاحف واختلاف رسم بعض الكلمات، ويُوَضِّح ما أُدْخِل عليها بعد عصر الصَّحابة رضي الله عنهم من نَقْطٍ وشَكْلٍ وعلاماتٍ لضبط القراءة وصيانتها من اللَّحْن والتَّصْحِيف، وما يَتَّصِل بذلك من أحكام تعظيم المصحف والمحافظة عليه.
ويُقِيم الأدلَّةَ على ثبوت النَّصِّ القرآنيِّ بالتَّواتُر المُفِيد للقَطْع واليَقِين، مُبَيِّنًا أنَّ حفظ القرآن لم يَقُمْ على المصاحف المكتوبة وحدها، بل على التَّلَقِّي الشَّفَهِيِّ المتَّصِل بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وما تَعَاقَب عليه من أجيال الحُفَّاظ والقُرَّاء. ويُوَضِّح عنايةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بمُدَارَسَة القرآن مع جبريل عليه السلام، وحرصَ الصَّحابة رضي الله عنهم على حفظه وتعليمه، والعواملَ التي أَسْهَمَت في انتشار حفظه، من التَّعَبُّد بتلاوته في الصَّلاة وخارجها، والتَّرغيب في تعلُّمه وتعليمه، والأمر بتَعَاهُدِه، والعناية بالمَسَاجِد والكَتَاتِيب ومجالس الإقراء. ويَصِل ذلك بأحكام التِّلاوة وآدابها، فيُبَيِّن فضلَ القراءة والحفظ والمراجعة، وحُكْمَ نسيان المحفوظ، والطَّهارةَ للقراءة، والتَّعَوُّذ والبَسْمَلَة والتَّرْتِيل والتَّدَبُّر وتحسين الصَّوت، والجَهْر والإسرار، والقراءة من المصحف أو عن ظهر قلب، وما يَتَّصِل بترتيب القراءة والوقف والسُّجود عند آيات السَّجْدَة ودعاء الخَتْم وأخذ الأُجْرَة على القرآن. ويُناقِش كذلك حُكْمَ القراءة بالقراءات الشَّاذَّة، ومسألةَ وصول ثواب القراءة إلى الميِّت، والاقتباس من القرآن في النَّثْر والشِّعْر، وما يجوز منه وما يُمْنَع، مع التَّفريق بين ترجمة تفسير المعاني، التي يُجِيزُها، وترجمة النَّصِّ القرآنيِّ ترجمةً تحلُّ محلَّ ألفاظه العربيَّة. ويُؤَكِّد وجوبَ المحافظة على القرآن بلفظه العربيِّ، ومنعَ كتابته بالحروف غير العربيَّة، صيانةً لنصِّه من التَّغيير والتَّحريف.