
نبذة عن الكتاب:
يجمع عبد الحميد عبد الرازق شيخون محمد في هذا الكتاب المواضع التي وردت فيها بلاغات الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري وإدراجاته في صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ثمَّ يخرِّج هذه الروايات ويتتبَّع طرقها، ويصل ما أمكن وصله من البلاغات، ويميِّز كلام الزهري المدرج من كلام النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ويدرس أسانيد ما يحتاج إلى دراسة منها، وصولًا إلى بيان الصحيح والضعيف وأسباب الإرسال ودوافع الإدراج.
ويمهِّد لموضوعه بتحرير معنى البلاغ عند المحدِّثين، فيجعله ما يرويه الراوي من حديث أو أثر بصيغة «بلغني» أو «ذُكر لي» أو «رُوينا عن فلان» ونحوها من غير ذكر الواسطة بينه وبين صاحب الخبر. ويبيِّن علاقته بالمرسل والمعضل؛ فالبلاغ قد يكون معضلًا إذا سقط من رواته اثنان فأكثر قبل التابعي، ويكون مرسلًا إذا صدر من التابعي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم من غير ذكر الواسطة.
ثمَّ يحرِّر مفهوم الحديث المدرج، وينقد بعض التعريفات التي قصرت الإدراج على المتن أو على موضع معين منه، ويختار تعريفه بأنَّه ما أُدخلت فيه زيادة ليست منه على وجه يوهم أنَّها منه. ويقسِّم الإدراج إلى مدرج المتن ومدرج الإسناد، ويشرح صور وقوع كل منهما، ومواضع الإدراج في أول المتن أو وسطه أو آخره، والطرق التي يُعرف بها، كتصريح بعض الرُّواة بالفصل، أو ورود الرواية من طريق آخر مبيِّنةً موضع الزيادة، أو استحالة نسبة الكلام المدرج إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم.
ويخصِّص بعد ذلك دراسةً لابن شهاب الزهري نفسه، فيتناول ترجمته وعقيدته ومكانته العلميَّة، ثمَّ يفحص مراسيله وما نُسب إليه من التدليس. ويخلص في هذا الجانب إلى أنَّ إرسال الزهري لا يعني في كل موضع جهله بالإسناد، بل كان قد يعرف الطريق ويترك ذكره اختصارًا، وقد يسند الخبر عند السؤال عنه، كما قد يكون شيوع الخبر وثبوته عنده من طرق متعدِّدة باعثًا على إرساله، أو يروي عمَّن هو أصغر منه فيسكت عن اسمه.
ثمَّ يتتبَّع بلاغات الزهري كتابًا كتابًا في الكتب السِّتة، فيثبت نص البلاغ في موضعه، ويحدِّد قائله، ثمَّ يبحث عن الطرق المسندة التي يمكن أن تصل الخبر. فإذا وجد له طريقًا متصلًا خرَّجه ودرس رجاله عند الحاجة وقارن ألفاظ الروايات، وإذا لم يجد له وصلًا صرَّح بذلك. ويستعين في الترجيح بكتب الحديث وشروحه والعلل وأقوال النُّقاد، ولا يكتفي بمجرد وجود البلاغ في أحد الكتب السِّتة للحكم بصحته. وقد انتهى استقراؤه إلى ثمانية عشر بلاغًا، وجد لثلاثة عشر منها طرقًا متصلة، وبقيت خمسة بلاغات لم يقف لها على وصل.
ومن البلاغات التي يفردها بالمناقشة ما رواه الزهري في خبر فتور الوحي من ذكر محاولة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم إلقاء نفسه من رؤوس الجبال؛ إذ يتتبَّع طرق الخبر ويقرِّر أنَّ هذه الزيادة لم تتصل من وجه صحيح، ويشير إلى أنَّ البخاري أخرج أصل حديث بدء الوحي في مواضع أخرى من غير هذه الزيادة، ويفصل بين أصل الخبر الثابت وبين البلاغ الزائد فيه.
وينتقل إلى إدراجات الزهري في الكتب السِّتة بالطريقة نفسها، فيستخرج الموضع المدرج من الحديث ويعيِّن كلام الزهري داخل المتن، ثمَّ يثبت الإدراج بمقارنة الطرق والروايات أو بنص الأئمَّة عليه أو بوجود رواية تفصل كلام الزهري عن الحديث المرفوع. ويشمل ذلك إدراجات واقعة في صحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، مع تخريج الروايات ومناقشة ما اختلف فيه من نسبتها إلى الزهري أو إلى متن الحديث.
وتكشف المقارنة أنَّ كثيرًا من إدراجات الزهري لم يكن المقصود بها إلحاق كلامه بالحديث، وإنما كانت تعليقات تفسيرية أو توضيحية رواها مَن بعده متصلةً بالسياق. ومن أوضح ذلك تفسيره بعض الألفاظ الغريبة، مثل تفسير «التحنث» بالتعبُّد، وشرحه ألفاظًا تتصل بالملامسة والمنابذة واشتمال الصمَّاء وغيرها، ثمَّ جاءت بعض الروايات بهذه التفسيرات متصلة بالمتن حتى احتاج النُّقاد إلى فصلها عن المرفوع.
ويرصد كذلك إدراجات تتصل بالتعريف ببعض الصحابة رضي الله عنهم وذكر أحوالهم؛ كالتنبيه إلى شهود عبادة بن الصامت رضي الله عنه بدرًا وكونه من نقباء العقبة، أو بيان حال عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه، أو التعريف بأم قيس بنت محصن رضي الله عنها. ويضاف إلى ذلك ما يدرجه الزهري لبيان سُنَّة أو حكم شرعي مستفاد من الواقعة، أو لتفسير قضية تاريخيَّة أو مكانيَّة تساعد في فهم متن الحديث.
ويفرد في آخر الدراسة بحثًا لأسباب الإرسال عند الزهري ودوافع الإدراج لديه، فيرجع الإرسال إلى الاختصار في ذكر الإسناد في بعض المواضع، أو الرواية عمَّن قد يسكت عن اسمه، أو ثبوت الخبر عنده من وجوه متعدِّدة. أمَّا الإدراج فيحصر دوافعه في خمسة أوجه: تفسير الألفاظ الغريبة، وإضافة معلومات مهمة في تراجم بعض الصحابة رضي الله عنهم، وبيان السُّنَّة، وبيان الحكم الشرعي، وتوضيح مسائل تعين على شرح المتن.
وتنتهي الدراسة إلى حصر ثلاثة وخمسين حديثًا وقع فيها إدراج للزهري، كلُّها من مدرج المتن إلا حديثين اجتمع فيهما الإدراج في المتن والإسناد. وبذلك تقابل نتائج البحث بين ثمانية عشر بلاغًا، اتصل منها ثلاثة عشر وبقي خمسة بلا وصل، وبين ثلاثة وخمسين حديثًا مدرجًا، مع تحديد موضع الإدراج وقائله وسببه في كل ما أمكن الوقوف عليه.














