
نبذة عن الكتاب:
يُوضِّح عبد الهادي بن رضوان نجا الأبياري في هذا الكتاب مقدمة أحمد بن محمد القسطلاني لشرحه «إرشاد الساري على صحيح البخاري»، فيتعقَّب عباراتها لفظًا ومعنًى، ويفكُّ ما فيها من اصطلاحات حديثيَّة ولغويَّة وأصوليَّة، ويضيف إليها ما يراه لازمًا لفهم مسائلها. وقد ألَّفه بعد شروعه في قراءة صحيح البخاري بالأزهر، وبطلب من محمد الأنبابي، قاصدًا إلى شرح ما أشكل في المقدمة وجمع أهم ما يحتاج إليه طالب الحديث من قواعدها.
ويجري في شرحه على طريقة الحواشي؛ فيورد عبارة القسطلاني أو جزءًا منها ثمَّ يشرح ألفاظها، ويحرِّر معناها، ويناقش ما يحتاج إلى مناقشة، وقد يعترض على توجيه أو يزيد قيدًا أو ينقل خلافًا لغويًّا أو حديثيًّا. ولذلك تتداخل في الكتاب مباحث اللغة والنحو والبلاغة مع مصطلح الحديث وتاريخ تدوينه وأحوال الرِّجال، تبعًا لما تثيره ألفاظ المقدمة من مسائل.
ويبدأ مع الفصل الأول المتعلِّق بفضيلة أهل الحديث وشرفهم، فيشرح الأحاديث والآثار الواردة في حفظ السُّنَّة وتبليغها، ويتناول ألفاظها من جهة اللغة والإعراب والدلالة، ويبحث ما جاء في فضل رواة الحديث ونقلته، ومسؤوليَّة المحدِّث في حفظ ما سمعه وأدائه من غير تغيير، وما يتصل بالرِّواية باللفظ أو المعنى ونشر السُّنَّة بين الناس.
ويتابع الأحاديث التي يستدل بها القسطلاني على مكانة أهل الحديث، فينظر في طرق بعضها ودرجاتها، ويناقش ألفاظًا مثل الحفظ والوعي والتبليغ والفقه، ويشرح الفرق بين مطلق العلم والفقه ودقائق الاستنباط. كما يتعرَّض لما نُقل عن أئمَّة الحديث في منزلة هذا العلم وصلته بحفظ الشَّريعة وصيانة الأسانيد والمتون من التحريف والوضع.
ويأتي الفصل الثَّاني في تاريخ تدوين الحديث والسُّنن، فيشرح معنى التدوين، ويتتبَّع من بدأ بجمع الحديث ومن جاء بعده من المصنِّفين، وما انتقل إليه التأليف من الجمع العام إلى المصنَّفات والموطآت والمسانيد والجوامع والسُّنن. ويستفيد في ذلك من أخبار المحدِّثين وطبقاتهم، مع شرح ما يرد من أسماء الكتب وأنواع التصنيف وطرائق أصحابها.
ويخصِّص الفصل الثَّالث لمصطلح الحديث، فيعرِّف علم الحديث درايةً بأنَّه القواعد التي تُعرف بها أحوال السَّند والمتن من حيث الصِّحَّة والحسن والضَّعف والعلو والنزول، وكيفيَّة التحمُّل والأداء وصفات الرِّجال، ثمَّ يفصِّل الأنواع التي تندرج تحت ذلك. ويشرح شروط الحديث الصَّحيح من اتصال السَّند وعدالة الرُّواة وضبطهم والسلامة من الشُّذوذ والعلَّة، ثمَّ الحسن والضَّعيف وما يتفرَّع عنهما.
ويفصِّل أثر تعدُّد الطُّرق في تقوية الحديث، فيفرِّق بين الصَّحيح لذاته والصَّحيح لغيره، والحسن لذاته والحسن لغيره، وينبِّه إلى أنَّ قاعدة تقوية الأحاديث الضَّعيفة بعضها ببعض ليست مطلقة؛ فالضَّعف الناشئ من سوء حفظ راوٍ صدوق، أو من إرسال أو تدليس أو جهالة محتملة، قد ينجبر بطرق أخرى، بخلاف ما كان منشؤه الكذب أو الفسق الشَّديد.
ويمتد الكلام في أنواع الأسانيد والمتون، فيتناول المسلسل والعالي والنازل، والمتصل والمنقطع والمرسل والمعضل والمعلَّق، وما يقع في الرِّوايات من الشُّذوذ والعلل والاضطراب والقلب والإدراج والتصحيف والتحريف. ويشرح أمثلة الأنواع وسبب تسميتها، وما يتعلَّق بها من اختلاف الرُّواة في الوصل والإرسال والرَّفع والوقف أو تقديم بعض ألفاظ الإسناد والمتن وتأخيرها.
ويعرض كذلك أبواب التحمُّل والأداء وصيغ الرِّواية، وما تدل عليه ألفاظ السَّماع والإخبار والعنعنة، وما يشترط في اتصالها، مع الكلام على صفات الرُّواة والعدالة والضَّبط والجرح والتعديل. ولا يكتفي بتعريف الاصطلاح، بل يستطرد إلى مناقشة عبارات أهل الفن وضبط الألفاظ وتوجيهها نحويًّا ولغويًّا إذا احتاجت إلى ذلك.
ثمَّ يجعل الفصل الرَّابع لما يتصل بالإمام البخاري و«الجامع الصَّحيح»، فيبحث شرط البخاري في صحيحه، ومكانة الكتاب ووجه ترجيحه على غيره، ولا سيَّما صحيح مسلم، وما أُخذ على بعض أحاديثه أو رجال أسانيده. وينقل في هذا القسم كثيرًا من مباحث مقدمة «فتح الباري» لابن حجر، ويشرح ما أورده القسطلاني منها، مع تفصيل مواضع الاعتراض والجواب عنها.
ويتناول رجال الصَّحيح الذين تكلَّم فيهم بعض النُّقاد، ويميِّز بين من أخرج لهم البخاري في الأصول ومن أخرج لهم في المتابعات والشَّواهد والتعاليق، ويناقش ما انتقده الدارقطني وغيره من الأحاديث، وما وقع فيها من اختلاف في الوصل والإرسال أو الرَّفع والوقف أو زيادة راوٍ ونقصه. ويبيِّن أنَّ البخاري قد يورد الوجهين إذا صحَّ عنده سماع الرَّاوي الحديث من أكثر من طريق، أو يورد طريقًا مصرِّحًا بالسَّماع لدفع احتمال الانقطاع في طريق آخر.
ويشرح كذلك طريقة البخاري في تراجم الأبواب، وتقطيع الحديث الواحد وتوزيعه على مواضع مختلفة بحسب الأحكام المستنبطة منه، واختصار الأسانيد والمتون، وإعادة الحديث في أكثر من كتاب أو باب مع اختلاف الطريق أو اللفظ أو موضع الاستدلال. ويذكر أمثلة لأحاديث كرَّرها البخاري بسندها ومتنها، ويعرض سبب هذا التكرار وصلته باستخراج الفوائد الفقهيَّة والحديثيَّة من الخبر الواحد.
وتنتهي مباحث المقدمة بالكلام على عدد أحاديث «الجامع الصَّحيح» واختلاف من أحصاها؛ فيذكر قول ابن الصلاح ومن تابعه في عددها مع المكرَّر، ثمَّ ما نُقل في عددها من غير تكرار، ويشرح أنَّ المقصود بهذا العد الأحاديث المسندة، مع اختلاف بعض روايات «الصحيح» في مقدار ما اشتملت عليه من الأحاديث.














