يُحرِّر عبد الرحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذه الرسالة ضوابط الحكم على رواة الحديث من جهة العدالة والضَّبط، وشروط قبول أخبارهم، وأثر أحوالهم في تصحيح الرِّوايات وتضعيفها. ويستدلُّ بقوله تعالى: {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 61]، وقوله: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]، على وجوب تصديق مَن عُرفت استقامته ووُثِق بصدقه، والتَّثبُّت من خبر مَن ظهرت منه أسباب الرِّيبة. ويُبيِّن أنَّ العدالة لا تقتضي العصمة من الذُّنوب، بل تُعرف بغلبة الطَّاعة والاستقامة، وأنَّ المعصية العارضة لا تُسقط عدالة مَن اشتهر بالصَّلاح إذا ظهرت توبته، مع التَّنبيه إلى أثر الإصرار على الصَّغائر وما يدلُّ منها على الخِسَّة وسوء الأمانة.
ويُناقش اختلاف العلماء في رواية المبتدع الذي لا تُوجب بدعته الكفر، وهل يُقبل حديثه مطلقًا، أو يُردُّ إذا كان داعيةً إلى بدعته، أو روى ما يؤيِّد مذهبه. ويختار اعتبار قوَّة التُّهمة ودرجة الثِّقة بالرَّاوي، فيُميِّز بين مَن اشتهر بالصِّدق والأمانة وكثر ثناء العلماء عليه، ومَن ثبت توثيقه دون بلوغ تلك المنزلة، ومَن لم تثبت عدالته، مُقرِّرًا أنَّ احتمال التَّساهل أو التَّدليس لنصرة المذهب يختلف باختلاف أحوال الرُّواة. ويستشهد بأمثلة من الخلاف بين أهل السُّنَّة والشِّيعة، وما قد يترتَّب على التَّعصُّب من قبول أخبار الموافقين وردِّ أخبار المخالفين، ويُبيِّن أنَّ العدالة تتفاوت قوَّةً وضعفًا، وأنَّ مقدار الثِّقة المطلوب يتأثَّر بموضع الخبر وما تحفُّ به من دواعي التُّهمة.
ويشرح حقيقة الضَّبط والإتقان، مُحدِّدًا ثلاثة مواضع يحتاج فيها الرَّاوي إلى التَّيقُّظ: عند تلقِّي الخبر والتَّثبُّت من قائله وألفاظه وكتابته أو حفظه، وفي المدَّة الفاصلة بين التَّحمُّل والأداء بالمحافظة على المحفوظ والمكتوب من التَّغيير، وعند أداء الرِّواية والتَّأكُّد من نقلها كما تلقَّاها. ويُفرِّق بين صلاح الرَّاوي في دينه وإتقانه للرِّواية، مُوضِّحًا أنَّ الغفلة وكثرة الوهم قد تمنعان قبول خبر العدل، وأنَّ القرائن الدَّالَّة على الخطأ تستوجب التَّثبُّت ولو كان الرَّاوي معروفًا بالضَّبط. ثمَّ يُحدِّد مراتب الأخبار المحتجِّ بها، من المقطوع بصحَّته، وما استوفى شروط العدالة والضَّبط والاتِّصال والسَّلامة من الشُّذوذ والعلَّة، وما تقوَّى بالشَّواهد والمتابعات، ويُبيِّن أثر تفاوت مراتب الرُّواة في التَّرجيح بين الأخبار وتقوية بعضها ببعض. وينتقد ضعف التَّحقيق في علم الحديث عند المتأخِّرين، والاكتفاء بالتَّقليد أو المعرفة السَّطحيَّة بكتب المصطلح والرِّجال، وتقف الرِّسالة في صورتها الباقية عند عنوان «المجهول» دون استكمال البحث فيه.