كتاب فصول في الدعوة والإصلاح لعلي الطنطاوي PDF
أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة
يستقصي علي الطنطاوي في هذا الكتاب أسباب ضعف المسلمين وما أصاب حياتهم الدِّينيَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة من خلل ويبحث في وسائل الإصلاح التي تُعيد للعقيدة أثرها في النُّفوس وللشَّريعة مكانتها في الحياة. وتقوم فصوله على نقد المظاهر التي يراها مناقضةً للإسلام ومناقشة طرائق الدَّعوة والتَّربية والتَّعليم ومواجهة المذاهب والأفكار التي يُعارضها مع الاستعانة بالحُجَّة والمثال والتَّجربة الشَّخصيَّة واستحضار الوقائع التي شهدها في بلادٍ إسلاميَّة مختلفة. وقد جمع حفيد المؤلِّف مجاهد مأمون ديرانية هذه المقالات والأحاديث من الصُّحف والمجلَّات والخُطب والتَّسجيلات الإذاعيَّة التي تعود إلى المدَّة الممتدَّة بين سنتَي 1936 و1990 وأضاف إليها نصوصًا كتبها جدُّه ولم يسبق نشرها. ويستهلُّ الكتاب بمقالة «التَّقدُّميَّة والرَّجعيَّة» فيُناقش دلالة المصطلحين وينتقد اتِّخاذهما وسيلةً للحكم على الأفكار والأشخاص دون النَّظر في حقيقتها ويُقرِّر أنَّ قِدَم المبدأ لا يدلُّ على بطلانه كما أنَّ حداثته لا تُثبت صوابه. ويُفرِّق بين الرُّجوع إلى وسائل العيش القديمة والرُّجوع إلى المبادئ التي قامت عليها قوَّة المسلمين وحضارتهم ويَدعو إلى الاستفادة من منجزات العصر دون التَّفريط في الأصول الثَّابتة. وفي «الإسلام والحياة» ينتقد اقتصار الاحتفال بالمولد النبوي على الزِّينة والأناشيد والخُطب الحماسيَّة التي لا تُغيِّر واقع المجتمع ويَدعو إلى تحويل المناسبة إلى عملٍ إصلاحيٍّ يستلهم هدي النبي صلى الله عليه وسلم. ويُبيِّن حاجة المسلمين إلى علماء يجمعون بين المعرفة بالشَّريعة وفهم أحوال العصر ويجتهدون في استنباط الأحكام المناسبة للمسائل المستجدَّة مع التَّمييز بين النُّصوص القطعيَّة التي لا تتغيَّر والأحكام المبنيَّة على أعرافٍ قابلة للتَّبدُّل ويُطالب بنقل العلوم الحديثة والانتفاع بها بدل الجمود على وسائل الماضي أو التَّقليد المطلق للغرب.
ويُعنى المؤلِّف بتحديد أصول الدَّعوة وترتيب أولويَّاتها فيجعل في «أساس الدَّعوة إلى الإسلام» توحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له منطلقًا للتَّربية الدِّينيَّة ويَدعو إلى مخاطبة الفطرة والوجدان والاستدلال بالقرآن الكريم بدل إشغال النَّاشئة بالمسائل الكلاميَّة المعقَّدة والشُّبَه التي لا يحتاجون إليها. ويُؤكِّد أنَّ سيرة المعلِّم واستقامته وحُسن خلقه أبلغ أثرًا من كثرة ما يُلقيه من المعلومات وأنَّ تدريس الدِّين ينبغي أن يكون جزءًا جادًّا من التَّعليم لا درسًا هامشيًّا لا يُحاسَب الطُّلاب على إهماله. ويبحث في «أين الخلل» سبب ضعف أثر المواعظ والأحاديث الدِّينيَّة في سلوك سامعيها مع كثرتها وتنوُّع أساليبها ويَتساءل عن جدوى الخطاب الذي يُثير المشاعر حين سماعه ثم لا يُغيِّر شيئًا من معاملات النَّاس وعاداتهم وأحوال بيوتهم. ويعود إلى هذه المشكلة في «بلا عنوان» فينتقد الاكتفاء بالخُطب والمقالات والمؤتمرات من غير عملٍ منظَّم ويَدعو إلى دراسة أحوال المجتمع ووضع خططٍ واضحة للدَّعوة وتوزيع الواجبات بين القائمين عليها بدل الارتجال وإضاعة الجهود في تكرار الكلام. وفي «اتِّفاق الدُّعاة» يُناقش ما يقع بين العلماء من خلافاتٍ مذهبيَّة وشخصيَّة تنتقل آثارها إلى الشَّباب وتُفرِّق بينهم ويَحثُّ على التَّعاون فيما اتَّفقوا عليه وترك التَّنازع في المسائل الاجتهاديَّة التي لا ينبغي أن تصرفهم عن مقاصد الدَّعوة الكبرى. ويُحذِّر في «منهج الدَّعوة وواجب الدُّعاة» و«الدَّعوة إلى الأصول قبل الفروع» من البدء بتفاصيل الهيئات والعادات والمسائل الخلافيَّة قبل ترسيخ العقيدة وتعليم الفرائض والمحرَّمات الأساسيَّة ويَستشهد بطريقة النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم الوافدين عليه أصول الإسلام. ثم يُفصِّل في «الأحاديث الدِّينيَّة في الإذاعة» ما ينبغي للمُحدِّث من إخلاصٍ وصدقٍ وحُسن اختيار الموضوعات ومراعاة أحوال المستمعين والحديث بلسانٍ واضحٍ يجمع بين سهولة الفهم وصحَّة المعنى ويَنتقد تحويل الحديث الدِّيني إلى تلاوةٍ آليَّة من الكتب أو تكرارٍ للمعلومات من غير صلةٍ بحاجات النَّاس ومشكلاتهم.
ويتَّسع البحث إلى إصلاح المجتمع ومؤسَّساته فيُصوِّر الطنطاوي في «حقائق مؤلمة» ما يراه من اضطراب العلاقات الأسريَّة وتراجع التَّربية في المدارس وانتشار الاحتكار والغشِّ في الأسواق والوساطة والرِّشوة في الإدارات الحكوميَّة وضعف استقلال العلماء وانصراف بعض الأدباء والصَّحفيِّين إلى استرضاء الجمهور على حساب التَّوجيه والإصلاح. ويُنبِّه إلى أنَّ هذه المظاهر لا تُعالَج بتبادل الاتِّهامات وحده بل بمعرفة أسبابها وتقويم ما أفسدته في أخلاق الأفراد ونُظُم المجتمع. ويقترح في «الطَّريقة الصَّحيحة للإصلاح» التَّمييز بين معالجة انحراف الكبار وتربية الصِّغار قبل أن تستحكم فيهم العادات السَّيِّئة فيُشبِّه الانحراف بالمرض الذي يحتاج إلى منع ضرره العاجل ومعرفة أسبابه وإزالة العوامل التي تُغذِّيه ثم تقوية النَّفس بما يحول دون عودته. ويُفرِّق بين واجبات حُماة الأمن وعلماء الاجتماع والمربِّين والوعَّاظ ويَدعو إلى الاستفادة من وسائل العلاج النَّفسي والاجتماعي مع استعمال الموعظة الحسنة التي تحفظ كرامة المخاطَب وتُراعي استعداده لقبول النَّصيحة. ويُخصِّص لتربية الأبناء حديثًا عن أثر غياب الوالدين وضعف إشرافهما على الأسرة وخطر رفاق السُّوء ويَدعو إلى إتاحة التَّرفيه المباح داخل البيت وتنويع حياة الأسرة ومشاركة الأب أبناءه اهتماماتهم وألعابهم وتنشئتهم على تقديم الواجب على اللَّذَّة. ويُناقش في «ماذا يصنع الصَّالحون» ما يواجهه الآباء من صعوبة المحافظة على التَّربية الدِّينيَّة لأبنائهم في بيئةٍ تتعارض بعض عاداتها مع ما يُعلِّمونهم إيَّاه ويَدعو إلى تكاتف الأسر المتديِّنة ومساندة بعضها بعضًا.
ويُفصِّل الطنطاوي في إصلاح التَّعليم الشَّرعي وطرائق تقديم المعرفة الإسلاميَّة للنَّاشئة ففي «المدرسة الدِّينيَّة» يُناقش إنشاء مدرسةٍ إسلاميَّة في حلب ويقترح أن يجمع نظامها بين مزايا التَّعليم الحديث ومحاسن التَّلقِّي القديم مع العناية باختيار المعلِّمين وتنظيم الدُّروس واحترام شخصيَّة الطَّالب وإفساح المجال أمامه للسُّؤال والمناقشة. ويُفرِّق بين حفظ عبارة الكتاب وفهم المسألة التي يبحثها ويُطالب بإعداد معلِّمٍ يجمع بين العلم والتَّديُّن والقدرة على التَّفهيم والتَّربية. ويستكمل ذلك في «في نقد المناهج الدِّينيَّة» فينتقد الكتب التي تُقدِّم للصِّغار تعريفاتٍ واصطلاحاتٍ لا تُناسب أعمارهم ويَستشهد بما وجده في كتابٍ مدرسيٍّ مقرَّرٍ على ابنته من عباراتٍ عسيرة في التَّوحيد والفقه ويَدعو إلى اختبار صلاح الكتاب بمقدار ما يفهمه التِّلميذ وينتفع به في سلوكه لا بمقدار ما يحويه من معلوماتٍ وتفريعات. ويُحذِّر في «عدوان فظيع ودعوة صالحة» و«عدوان أفظع» من أثر ما رآه من أخطاءٍ في تدريس التَّاريخ الإسلامي وتفسير القرآن الكريم ويستحضر واقعة مدرسٍ في دمشق اعترض على آرائه وما دار حولها من مناقشات. ولا يقتصر على المطالبة بالرَّدِّ على هذه الأخطاء بل يدعو إلى تأليف كتبٍ جديدة تُبيِّن الإسلام بأسلوبٍ علميٍّ واضح وإلى تعاون الهيئات الإسلاميَّة في إعداد مناهج تُيسِّر للشَّباب معرفة دينهم. ويتناول في «تعليق مختصر على خبر» الجدل الذي أثارته رسالةٌ جامعيَّة عن القصص القرآني وما نُسب إلى صاحبها ومُشرفه من آراء يُعارضها المؤلِّف فيدافع عن صدق القرآن الكريم وينتقد ما يراه تجاوزًا لحدود البحث العلمي. وفي «حركة طيِّبة في لبنان» يُشيد بنقد عمر فرُّوخ وآخرين لكتابٍ مدرسيٍّ في تاريخ لبنان ويُناقش ما اتُّهم به من تحريف الوقائع والتَّعصُّب وما ترتَّب على الاعتراض عليه من مراجعة قرار تدريسه. ويُخصِّص «كلمة في الأدب» لنقد المؤلَّفات التي تتَّخذ من الإثارة الجنسيَّة سبيلًا إلى الشُّهرة ويُقرِّر أنَّ جمال الأسلوب لا يُسوِّغ ما يراه من إفساد الأخلاق أو انتهاك المقدَّسات.
ويبحث المؤلِّف موقف المسلمين من الحضارة الحديثة وما يصحبها من تيَّاراتٍ فكريَّة وتغيُّراتٍ اجتماعيَّة ففي «نحن وهذه الحضارة» يستحضر زيارته للرِّياض بعد غيابٍ طويل وما شاهده من تحوُّلها العمراني ثم يُناقش الموقف من الحضارة الغربيَّة ويُعارض رفضها جملةً أو قبولها دون تمييز. ويُفرِّق بين العلوم التَّطبيقيَّة التي يدعو إلى تحصيلها وإتقانها وبين المذاهب الفلسفيَّة والفنون والعادات التي يُطالب بوزنها بميزان الإسلام ويُنوِّه بما يمكن الإفادة منه من الأخلاق الاجتماعيَّة النَّافعة كاحترام المواعيد وإتقان العمل وحفظ الحقوق. ويُلحق بذلك ردًّا على من ينسبون نشأة الحضارة الإسلاميَّة إلى العبقريَّة العربيَّة بمعزلٍ عن أثر الدِّين فيُناقش دور الإسلام في توحيد العرب وتوجيه نشاطهم العلمي والحضاري ويُنبِّه إلى ضرورة تمحيص الأخبار التَّاريخيَّة ونقد أسانيدها بدل الاكتفاء بنقل الرِّوايات من كتب المؤرِّخين دون تمييز. وفي «كلمة في الاشتراكيَّة» يعرِّف بنشأة المذهب الاشتراكي وتطوُّره ويُفرِّق بين الاشتراكيَّات التي قامت على تصوُّراتٍ مثاليَّة للمجتمع وبين الماركسيَّة التي اتَّخذت من الصِّراع الطَّبقي والتَّفسير المادِّي للتَّاريخ أساسًا لها. ويَشرح أفكار كارل ماركس وما يُسمَّى بالجدل المادِّي وحتميَّة التَّاريخ والثَّورة الاجتماعيَّة ثم يُناقش تعارض هذه الأصول مع العقيدة الإسلاميَّة وينتقد استعمال شعارات العدالة والمساواة لترويج المذاهب الإلحاديَّة. ويُؤكِّد ضرورة فهم المذهب من مصادر أصحابه قبل الرَّدِّ عليه ويستحضر طريقة الغزالي في دراسة الفلسفة قبل نقدها ثم يُناقش إطلاق وصف الاشتراكيَّة على الإسلام مُعترضًا على هذا التَّعبير مع إقراره بما بينه وبين صاحبه مصطفى السِّباعي من مودَّةٍ وتقدير رغم اختلافهما في المسألة. ويبحث في «الحكم بالقوانين الشَّرعيَّة» ما يجوز الأخذ به من الأنظمة الحديثة وما يجب رفضه لمخالفته النُّصوص الشَّرعيَّة فيُفرِّق بين التَّنظيمات الإداريَّة التي لم يرد فيها حكمٌ يمنعها وبين القوانين التي تُحلُّ ما حرَّمه الله تعالى أو تُسقط ما أوجبه ويَدعو إلى استنباط التَّشريعات من الأدلَّة الشَّرعيَّة مع الاستفادة من خبرات التَّقنين الحديث.
ويتناول الطنطاوي ما يعترض الدَّعوة الإسلاميَّة من خلافاتٍ دينيَّة وسياسيَّة فيُناقش في «إلى علماء الشِّيعة» محاولات التَّقريب بين المذاهب الإسلاميَّة وما يراه من عقباتٍ تعترضها بسبب الخلافات العقديَّة والتَّاريخيَّة ويُطالب علماء الشِّيعة بتوضيح مواقفهم من الصَّحابة رضي الله عنهم ومن بعض المسائل التي يُعدُّها من أسباب استمرار النِّزاع بين الفريقين. ويستحضر في «إلى أين تمشي مصر» زيارته حسن البنَّا في المستشفى وما شاهده من تعلُّق الشَّباب به ثم يتتبَّع نموَّ الجمعيَّات الإسلاميَّة في مصر منذ أواخر عشرينيَّات القرن العشرين ويُقابل بين اتِّساع الدَّعوة الدِّينيَّة وانتشار بعض المظاهر الاجتماعيَّة التي يُعارضها. وفي «مات شيخ الأزهر» يُهاجم موقف شيخ الأزهر عبد الرحمن تاج من جماعة الإخوان المسلمين وينتقد ما رآه من توظيفٍ للمكانة الدِّينيَّة في الصِّراع السِّياسي وإصدار أحكامٍ على المخالفين استجابةً لأصحاب السُّلطة. ويُوجِّه في «وصيَّة وإنذار» تحذيرًا إلى أهل الحجاز ممَّا يخشاه من انتقال بعض المظاهر الفكريَّة والاجتماعيَّة التي عرفها في بلادٍ أخرى إلى مجتمعهم مع اتِّساع التَّعليم والاتِّصال بالعالم الخارجي. ويُحذِّر في «بيان وإنذار» من استمرار آثار الاستعمار بعد زوال الاحتلال العسكري من خلال المناهج والأفكار ووسائل الإعلام ويَدعو الشَّباب إلى المحافظة على هويَّتهم الدِّينيَّة والعمل على نهضة مجتمعاتهم.
ويُفصِّل المؤلِّف في الفصول الأخيرة موقفه من القوميَّة العربيَّة والدَّعوة إلى الوحدة الإسلاميَّة ففي «الدَّعوة إلى الوحدة» يُوازن بين الرَّوابط الإقليميَّة والقوميَّة والدِّينيَّة ويبحث المقوِّمات التي تنشأ بها الأمم من اللُّغة والتَّاريخ والعادات والمشاعر والمصالح المشتركة ثم يُقرِّر أنَّ الرَّابطة الإسلاميَّة أوسع من الرَّابطة العربيَّة وأقدر على تأليف الشُّعوب المختلفة في وحدةٍ تتجاوز الأنساب والأوطان. ويُميِّز في «الدَّعوة القوميَّة والإسلام» بين القوميَّة التي تدعو إلى إحياء اللُّغة العربيَّة وصيانة تاريخ العرب وجمع كلمتهم وإقامة دولةٍ قويَّة وبين العصبيَّة التي تجعل الدَّم واللِّسان أصل الانتماء وتُقصي الدِّين عن التَّشريع والحياة العامَّة فيُؤيِّد المعنى الأوَّل ويُعارض الثَّاني. ويُوضِّح في «موقف الإسلام من العربيَّة» منزلة القرآن الكريم في حفظ اللُّغة العربيَّة واتِّصال أجيالها ويَدعو إلى الاعتزاز بها دون تفضيل المسلم العربي على أخيه غير العربي بسبب النَّسب. ويُبيِّن في «فضل الإسلام على العربيَّة» أثر الإسلام في توحيد اللِّسان العربي ونشره خارج الجزيرة وجعله لغةً للعلم والتَّأليف والإدارة والثَّقافة ويستحضر أسماء علماء وأدباء من أصولٍ غير عربيَّة كانت لهم إسهاماتٌ بارزة في خدمته. وفي «القوميَّة والإسلام» يردُّ على مقالةٍ منشورةٍ في الصَّحافة سنة 1987 فيبحث العلاقة المنطقيَّة بين العروبة والإسلام ويُبيِّن أنَّهما ليسا متطابقَين ولا متناقضَين بل بينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجه إذ يوجد العربي المسلم والعربي غير المسلم والمسلم غير العربي ويُقرِّر أنَّ أخوَّة الإيمان عنده مُقدَّمة على رابطة الجنس واللِّسان مع تأكيد وجوب البرِّ والعدل في معاملة غير المسلمين الذين يعيشون مع المسلمين في سلام وعدم الاعتداء عليهم.
محمد علي بن مصطفى الطنطاوي، المعروف بعلي الطنطاوي: فقيه وأديب وقاضٍ وداعية سوري، وُلد في دمشق يوم 23 جمادى الأولى سنة 1327هـ الموافق 12 يونيو 1909م، في أسرة عُرفت بالعلم؛ فكان أبوه مصطفى الطنطاوي من علماء دمشق وانتهت إليه أمانة الفتوى فيها، وكان جده من أهل العلم، وخاله الكاتب والصحفي محب الدين الخطيب. وترجع أصول أسرته إلى طنطا في مصر.
نشأ في دمشق، وجمع في تعليمه بين الدراسة النظامية وحضور مجالس العلماء. تنقل في عدد من مدارسها الابتدائية، ثم درس المرحلة الثانوية في مكتب عنبر، ونال شهادة البكالوريا سنة 1928م. وسافر بعد ذلك إلى مصر فالتحق بدار العلوم العليا، لكنه لم يتم السنة الأولى، وعاد إلى دمشق سنة 1929م، فالتحق بكلية الحقوق في الجامعة السورية وتخرج فيها سنة 1933م.
بدأ نشاطه العام مبكرًا، وشارك وهو طالب في العمل الوطني في مواجهة الانتداب الفرنسي، وأسهم في تأسيس اللجنة العليا لطلاب سوريا وتولى رئاستها نحو 3 سنوات، وكانت تنظم المظاهرات والإضرابات وتشارك في النشاط السياسي والطلابي في البلاد.
بدأ الكتابة الصحفية وهو في نحو 17 سنة، فنشر أول مقالة له في جريدة «المقتبس» سنة 1926م، ثم كتب في عدد كبير من الصحف والمجلات، ومنها «الفتح» و«الزهراء» لخاله محب الدين الخطيب، و«فتى العرب»، و«ألف باء»، وعمل مديرًا لتحرير جريدة «الأيام». وكان من أبرز كتّاب مجلة «الرسالة» لأحمد حسن الزيات، فكتب فيها منذ سنة 1933م واستمر نحو 20 سنة حتى احتجابها سنة 1953م، كما كتب في «المسلمون» وغيرها، وظل نشاطه الصحفي متصلًا في مراحل حياته المختلفة.
اشتغل بالتعليم منذ شبابه، فدرّس في بعض المدارس الأهلية وهو في المرحلة الثانوية، ثم عُيّن معلمًا في المدارس الحكومية سنة 1931م، وتنقل بين مناطق عديدة من سوريا. وانتقل إلى العراق سنة 1936م، فدرّس في الثانوية المركزية ببغداد، والثانوية الغربية، ودار العلوم الشرعية في الأعظمية، كما درّس في كركوك والبصرة. وقضى سنة 1937م في بيروت مدرسًا في الكلية الشرعية، ثم عاد إلى دمشق، واستمر في التعليم حتى سنة 1940م.
انتقل بعد ذلك إلى القضاء، وأمضى فيه نحو 25 سنة. بدأ قاضيًا في النبك، ثم انتقل إلى دوما، وبعدها إلى دمشق، فصار القاضي الممتاز فيها من سنة 1943م إلى سنة 1953م. ثم عُيّن مستشارًا في محكمة النقض في الشام، وعمل مستشارًا في محكمة النقض بالقاهرة في فترة الوحدة بين سوريا ومصر.
وكان له إسهام في تنظيم الأحوال الشخصية، إذ اقترح وضع قانون متكامل لها، فكُلّف سنة 1947م إعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية، وأوفد إلى مصر لدراسة مشروعات قوانين المواريث والوصية وغيرها، فأعد المشروع الذي أصبح أساسًا لقانون الأحوال الشخصية. كما شارك في شؤون الأوقاف والتعليم الشرعي، ووضع سنة 1960م مناهج للدروس في الثانويات الشرعية بعد اطلاعه على تجربة التعليم في الأزهر.
شارك في عدد من المؤتمرات والرحلات العلمية والدعوية، منها المؤتمر الإسلامي الشعبي في القدس سنة 1953م، ثم قام برحلة إلى باكستان والهند والملايا وإندونيسيا للدعوة إلى قضية فلسطين، ودوّن بعض مشاهداته في كتاب «في إندونيسيا». كما شارك سنة 1935م في الرحلة الأولى لكشف طريق الحج البري بين دمشق ومكة، وسجل جانبًا منها في «من نفحات الحرم».
انتقل سنة 1963م إلى المملكة العربية السعودية، فدرّس أولًا في الرياض في الكليات والمعاهد التي صارت بعد ذلك جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم انتقل سنة 1964م إلى مكة المكرمة، فدرّس في كلية التربية، قبل أن يتفرغ للعمل الدعوي والإعلامي. وأقام في مكة وجدة نحو 35 سنة، وحصل هو وبناته على الجنسية السعودية.
كان له حضور واسع في الإذاعة والتلفاز، وسبق ذلك عمله الإذاعي منذ الثلاثينيات؛ فأذاع من إذاعة الشرق الأدنى، وإذاعة بغداد سنة 1937م، وإذاعة دمشق منذ سنة 1942م، ثم قدم في المملكة عددًا من البرامج التي اشتهرت طويلًا، منها البرنامج الإذاعي «مسائل ومشكلات»، والبرنامج التلفازي «نور وهداية»، وبرنامج «على مائدة الإفطار». وكان يستقبل كذلك أسئلة الناس وفتاويهم في الحرم وفي بيته.
جمع الطنطاوي بين الفقه والأدب والصحافة والقضاء والتعليم والدعوة، وعُرف بأسلوبه الأدبي السهل القريب، الذي مزج فيه بين البيان والطرافة والقصة والموعظة، وكانت له عناية كبيرة باللغة والأدب والتاريخ وقضايا المجتمع. كما كتب في أدب الأطفال، وشارك في تأليف الكتب المدرسية، وحقق بعض كتب التراث، وكانت له مساجلات ومقالات في عدد من القضايا الفكرية والاجتماعية.
ترك عددًا كبيرًا من المؤلفات، منها «أبو بكر الصديق»، و«قصص من التاريخ»، و«رجال من التاريخ»، و«صور وخواطر»، و«قصص من الحياة»، و«في سبيل الإصلاح»، و«دمشق: صور من جمالها وعبر من نضالها»، و«أخبار عمر»، و«مقالات في كلمات»، و«من نفحات الحرم»، و«حكايات من التاريخ»، و«هتاف المجد»، و«من حديث النفس»، و«الجامع الأموي»، و«في إندونيسيا»، و«فصول إسلامية»، و«فكر ومباحث»، و«مع الناس»، و«بغداد: مشاهدات وذكريات»، و«تعريف عام بدين الإسلام»، و«فتاوى علي الطنطاوي»، و«ذكريات علي الطنطاوي» في 8 أجزاء، كما حقق وعلق على «صيد الخاطر» لابن الجوزي.
وجُمعت بعد وفاته مواد أخرى من مقالاته وأحاديثه في كتب، منها «فصول اجتماعية»، و«سيد رجال التاريخ»، و«نور وهداية»، و«فصول في الثقافة والأدب»، و«فصول في الدعوة والإصلاح»، و«البواكير»، و«كلمات صغيرة»، و«أعلام من التاريخ».
رُزق 5 بنات، منهن بنان الطنطاوي زوجة عصام العطار، وقد قُتلت في مدينة آخن الألمانية، وكان لفقدها أثر بالغ في نفسه. وعُرف بعنايته بتربية بناته وأحفاده، وقد كتب بعض أحفاده عن منهجه في التربية وحياته ومواقفه.
اعتزل الإذاعة والتلفاز بعد بلوغه نحو 80 سنة، ثم قلل من الكتابة والاختلاط بالناس، وظل في أواخر حياته ملازمًا لبيته في جدة مع استمرار مجالسه العلمية والأدبية. وأصيب بضعف في القلب وتكررت مراجعاته للمستشفى في سنواته الأخيرة.
توفي بعد عشاء يوم الجمعة 18 يونيو سنة 1999م الموافق 4 ربيع الأول سنة 1420هـ، في مستشفى الملك فهد بجدة، عن نحو 90 سنة، وصُلي عليه في المسجد الحرام، ثم دُفن في مكة المكرمة.