يفنّد شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن ناصر الدين الدمشقي في هذا الكتاب قول من زعم أن كل من سمّى تقي الدين أحمد بن تيمية «شيخ الإسلام» فهو كافر لا تصح الصلاة خلفه، ويحتج لبطلان هذا الحكم بالنصوص الشرعية وأقوال الأئمة وشهادات العلماء الذين أثنوا على ابن تيمية ولقّبوه بذلك. ويمهّد لرده ببيان وجوب اتباع السنة النبوية، والتحذير من التكفير بغير حق، فيناقش حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة، ويفرّق بين استحقاق الوعيد والجزم بمصير المسلم المعيّن، موضحًا ما قد يمنع نفاذ الوعيد من التوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفّرة والشفاعة. ثم يتناول النهي عن لعن المسلم المعيّن ورميه بالكفر، ويستشهد بالأحاديث والآثار الواردة في خطورة ذلك، وما يترتب عليه من الإثم وإثارة العداوة بين المسلمين. وينتقل إلى ضوابط الجرح والتعديل، فيشترط في الناقد المعرفة بأحوال الرجال ومراتبهم، والعدل والورع والتجرد من العصبية والهوى، ويسرد طبقات نقاد الحديث من الأئمة المتقدمين إلى علماء عصره، مبيّنًا أن نقد الرجال لا يسوّغ إطلاق الأحكام بالكفر، وأن الخصومات المذهبية وما ينشأ عنها من التحامل لا يُعتمد عليها في تجريح الأئمة. وينقل في هذا السياق كلام الذهبي في التحذير من التعصب والتبديع والتكفير بلوازم الأقوال التي لا يلتزمها أصحابها.
ثم يشرح ابن ناصر الدين معاني لقب «شيخ الإسلام» واستعمالاته، فيذكر أنه قد يُطلق على من تقدّم في السن داخل الإسلام، أو على من يرجع إليه الناس في أمورهم، أو على من اشتهر بالاستقامة والصلاح، ثم يبيّن معناه عند أهل العلم والحديث، وهو وصف من تبحّر في معرفة الكتاب والسنة وعلومهما، وتمكّن من الاستنباط، واقتدى بالهدي النبوي علمًا وعملًا. ويذكر طائفة من الأئمة الذين أُطلق عليهم هذا اللقب في مختلف العصور والأمصار والمذاهب، ومنهم النووي وجماعة من فقهاء الشافعية والحنابلة، مؤكدًا أن إطلاقه على ابن تيمية لا يقتضي تكفير قائله. ثم يصرّح بسبب تصنيف الكتاب، وهو الرد على ذلك الحكم من خلال إيراد أسماء العلماء الذين وصفوا ابن تيمية بشيخ الإسلام أو شهدوا له بالإمامة، ورتّب تراجمهم على حروف المعجم، مبتدئًا بالمسمّين محمدًا تبركًا باسم النبي صلى الله عليه وسلم.
ويترجم المؤلف لجمع كبير من المحدّثين والفقهاء والقضاة والمؤرخين الذين أثنوا على ابن تيمية، ومنهم ابن سيد الناس وابن عبد الهادي والذهبي وابن دقيق العيد وابن قيم الجوزية وأبو حيان الأندلسي وابن كثير والعلائي والعراقي والبرزالي والمزي وغيرهم. ويذكر أنسابهم ومذاهبهم وشيوخهم ومؤلفاتهم وتواريخ وفياتهم، ثم ينقل شهاداتهم في علم ابن تيمية وحفظه وإمامته وزهده وعبادته، وعنايته بالتفسير والحديث والفقه والأصول، وما اشتهر به من قوة الاستحضار والمناظرة والتصنيف. ويعتمد في إثبات هذه الشهادات على مؤلفات أصحابها وتراجمهم وما وجده بخطوطهم من نصوص وقيود سماع وإجازات، مستشهدًا كذلك بما نقله عنهم تلاميذهم ومعاصروهم. ويورد أخبارًا عن مجالس ابن تيمية العلمية، وما وقع له من منازعات ومحن واعتقال، وما قيل في وفاته وجنازته، مع إيراد أشعار في مدحه ورثائه. ويعتني خصوصًا بشهادات علماء من غير المذهب الحنبلي، لما فيها من إبطال دعوى أن تلقيبه بشيخ الإسلام مقصور على أتباع مذهبه أو الموافقين له في آرائه. ويختتم الكتاب بالتنبيه إلى أنه ترك ذكر كثير ممن أثنى على ابن تيمية وشهد بإمامته، ثم يسوق قصيدة لعلي بن محمد المقدسي في رثائه، أُنشدت عند قبره يوم دفنه، تضمّنت الثناء على علمه وزهده وفضله، ووصف حزن الناس على وفاته.