يستقصي شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن ناصر الدين الدمشقي في هذا المجلس أخبار عسعس بن سلامة التميمي البصري، ويحقّق ما اختلف فيه المحدّثون من كنيته وطبقته، وهل كان صحابيًّا أم تابعيًّا، ثم يتوسّع في بيان معنى اسمه ودلالاته اللغوية وشواهده من القرآن الكريم والحديث النبوي والشعر العربي. ويبدأ بإيراد حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، الذي رواه مسلم في «صحيحه»، وفيه أن جندبًا طلب من عسعس أن يجمع له نفرًا من أصحابه زمن فتنة ابن الزبير، فلما اجتمعوا حدّثهم بقصة الرجل الذي قتله أسامة بن زيد رضي الله عنهما بعدما نطق بالشهادتين، وما كان من إنكار النبي صلى الله عليه وسلم عليه وتكراره قوله: «فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟». ثم يورد طريقًا آخر للحديث اشتمل على تحذير جندب من الدخول في الفتنة وسفك الدماء، ووصيته بلزوم البيوت واجتناب القتال. ويتبع ذلك برواية عن صفوان بن محرز، يذكر فيها اجتماع عسعس وجماعة من أصحابه بجندب رضي الله عنه زمن زياد، وما وعظهم به من ضرورة موافقة العمل للقول، والتحرّز من أكل الحرام، والحذر من إراقة الدم المعصوم.
ثم ينتقل المؤلف إلى تحقيق ترجمة عسعس بن سلامة، فيذكر اتفاق أهل العلم على اسمه واختلافهم في كنيته، فيورد من كنّاه أبا صُفرة، ومن سمّاه أبا صَخرة أو أبا صَغيرة أو أبا صُفيرة أو أبا شُقرة، مع ضبط هذه الألفاظ وبيان مصادرها. ويقابل أقوال يحيى بن معين وخليفة بن خياط والبخاري ومسلم وابن منده وابن عبد البر والذهبي وغيرهم، ويبحث اختلافهم في إثبات الصحبة له، فيذكر أن بعضهم عدّه في الصحابة رضي الله عنهم، وأن آخرين جعلوه من التابعين، ثم يرجّح أنه تابعي أرسل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو القول الذي نسبه إلى جمهور أهل العلم. وينبّه إلى اختلاف الذهبي في الحكم عليه بين كتابيه «الكنى» و«تجريد أسماء الصحابة»، ويستشهد بما ذكره البخاري ومسلم وابن منده في ترجمته. ثم يسوق عددًا من الأخبار والمرويات التي ورد فيها اسم عسعس، ومنها حديث الرجل الذي اعتزل الناس للتعبد في الجبل، وحديث في فضل التحابّ في الله تعالى، وخبر يرويه عن عائشة رضي الله عنها في صلاة الناس على الميت. ويورد ما رواه عبد الله بن المبارك في «الزهد» عن عسعس، حين أنشد أصحابه بيتًا في النجاة من أهوال الآخرة، فتأثروا به وبكوا بكاءً شديدًا.
ويخصّص ابن ناصر الدين جانبًا من المجلس لتحرير المعنى اللغوي لاسم عسعس، فيذكر أنه من الأسماء المفردة النادرة بين الرواة، وأن «عسعس» يُطلق في كلام العرب على الطواف بالليل، ويأتي بمعنى إقبال الليل واشتداد ظلمته، كما يأتي بمعنى إدباره وانصرافه. ويستشهد بقوله تعالى: {والليل إذا عسعس}، وينقل أقوال أبي عبيدة والفراء وغيرهما في تفسيره، ويورد الشواهد الشعرية المؤيدة لهذه المعاني. ثم يسوق آثارًا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تلاوة الآية عند طلوع الفجر وبيان فضل الوتر في ذلك الوقت، ويُخرّج حديث عمرو بن حريث رضي الله عنه في سماعه النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة التكوير في صلاة الفجر، متتبعًا طرقه وما اختلف فيه الرواة من تحديد الآيات التي سمعها. ويتناول كذلك استعمال «عسعس» اسمًا للمواضع، فيذكر ما ورد عن حرة عسعس وجبل عسعس بحمى ضرية، وما قيل في وصفه وهيئته، ويستشهد بأبيات من الشعر في ذكر هذه المواضع. كما يبحث الألفاظ المتصلة بالاسم، ومنها «تسعسع» بمعنى اضطرب من الكبر، وما جاء في زجر الماشية من الألفاظ المشابهة، ويذكر قرية «سعسع» من أعمال دمشق.
ويعود المؤلف إلى تقرير أن عسعس بن سلامة من التابعين على الصحيح المشهور، وأن اسمه من الأسماء النادرة بين رواة الحديث، ثم يجعل من غرابة لفظه واشتراكه بين الاسم والفعل والموضع مجالًا للغز شعري نظمه على هيئة أحجية، ضمّنها إشارات إلى معاني الاسم وحروفه وتقاليبها، ووروده في القرآن الكريم، وما ارتبط به من أسماء المواضع. ويمهّد لهذه الأحجية بإيراد حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن شجرة تشبه المسلم، وبيانه أنها النخلة، مستشهدًا به على مشروعية إلقاء الألغاز العلمية لاختبار الفهم واستثارة النظر. ثم يختم المجلس بقصيدته التي صاغ فيها لغز اسم عسعس، مستثمرًا ما تقدّم من التحقيق الحديثي والبحث اللغوي والشواهد الأدبية في بناء أبياتها.