يُوجِّه أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحيم بن علي بن حاتم البعليّ المعروف بابن الحبَّال في كتاب «النَّصيحة المختصَّة» وصيَّةً إلى أحد تلاميذه تتناول حفظ القلب والجوارح وصيانة الوقت وتحقيق التَّوحيد ومراقبة الله تعالى والاستقامة على السُّنَّة. ويُبيِّن أنَّ النُّصح يقتضي مراعاة أحوال المنصوح وما يحتاج إليه من التَّوجيه ولذلك اختار أن يُفصِّل له بعض المسائل المتعلِّقة بصلاح باطنه وظاهره. ويبدأ بالتَّنبيه إلى منزلة القلب والوقت وخطورة إضاعتهما في الاشتغال بالأمور الفانية ويدعو إلى اغتنام العمر في الطَّاعات ومحاسبة الجوارح على أعمالها ومراقبة خواطر القلب وما يعرض له من النيَّات والأفكار. ويُفرِّق بين المحاسبة المتعلِّقة بالأعمال الظَّاهرة والمراقبة المتعلِّقة بالأحوال الباطنة ويحثُّ على ملازمتهما لحفظ النَّفس من الغفلة والتَّفريط.
ويُحذِّر المؤلِّف من الاسترسال في الخيالات والآمال والانشغال بالماضي والمستقبل عمَّا يجب القيام به في الوقت الحاضر ثمَّ يُفصِّل في تحقيق التَّوحيد وتجريد العبوديَّة لله تعالى. ويُؤكِّد اختصاص الله بالخلق والرِّزق والنَّفع والضُّرِّ والعطاء والمنع وإجابة الدُّعاء والعلم بالغيب ويستشهد بالآيات القرآنيَّة وما ورد من أخبار إبراهيم عليه السَّلام والنَّبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم في كمال التَّوكُّل على الله وإفراده بالاستعانة. ويُحذِّر من الغلوِّ في الصَّالحين ونسبة شيء من خصائص الرُّبوبيَّة إليهم ويُناقش معنى الوسائط في الدِّين فيُفرِّق بين وساطة الرُّسل في تبليغ الشَّريعة وبيان أحكامها وبين ما اختصَّ الله به من الخلق والرِّزق وإجابة الدُّعاء. وينتقد اعتقاد بعض النَّاس أنَّ الصَّالحين يسمعون نداء المستغيثين بهم من الأماكن البعيدة أو يطَّلعون على الغيب ويملكون قضاء الحاجات ويستدلُّ على ذلك بالقرآن الكريم والأحاديث النَّبويَّة.
ويتناول ابن الحبَّال أثر التَّعلُّق بمدح النَّاس وذمِّهم في فساد القصد وضعف الإخلاص ويذكر وصيَّة تلقَّاها من شيخه ابن تيمية سنة 703هـ تحثُّ على تقديم رضا الله تعالى على رضا الخلق والإقدام على الطَّاعة وإن ذمَّها النَّاس واجتناب المعصية وإن أثنوا على فاعلها. ويُبيِّن أنَّه وجد لهذه الوصيَّة آثارًا نافعة في حياته ثمَّ يُتبعها بتوجيهات موجزة تدعو إلى السَّير إلى الله بين الخوف والرَّجاء مع المحبَّة والحياء والأدب. ويحثُّ على أداء العبادات بروح التَّعظيم والمراقبة واستحضار اطِّلاع الله على العبد في جميع أحواله وملازمة السُّنَّة الصَّحيحة في الأقوال والأفعال. كما يُنبِّه إلى ضرورة عدم الغفلة عن الله أثناء الاشتغال بالعمل الصَّالح والحذر من الانشغال بالعبادة عن استحضار المعبود. ويختتم بالنَّهي عن إضاعة الزَّمان والإكثار من فضول الكلام والمأكل والملبس وسائر الشُّؤون مع التَّذكير بقصر الحياة والاستعداد للموت والاقتصار من الدُّنيا على ما يُعين على تحقيق العبوديَّة لله تعالى.