يؤرّخ أبو محمّد عبد الواحد بن عليّ المراكشيّ في كتاب «المُعجِب في تلخيص أخبار المغرب» لتاريخ الأندلس وبلاد المغرب منذ الفتح الإسلاميّ للأندلس سنة 92 هـ إلى سنة 621 هـ، مُتتبِّعًا أحوال الدُّول التي تعاقبت على حُكمها وما ارتبط بها من وقائع سياسيّة وعسكريّة وأدبيّة. وقد ألّف الكتاب استجابةً لطلب أحد أعيان عصره أن يجمع له أخبار المغرب وحدوده وأقطاره وسِيَر مُلُوكه، مع عناية خاصّة بدولة المُوحِّدين من بني عبد المؤمن، وأن يُضيف إلى ذلك أخبار من لقيهم أو روى عنهم من الشُّعراء والعلماء وأهل الأدب. واستهلّ المؤلِّف كتابه بوصف جزيرة الأندلس وحدودها الجغرافيّة ومدنها وأقاليمها وموقعها من بلاد المغرب، ثمّ انتقل إلى أخبار فتحها على يد طارق بن زياد وموسى بن نُصير، وما أعقب الفتح من تعاقب الولاة واضطراب أحوال البلاد قبل قيام الدَّولة الأمويّة فيها.
ويعرض المراكشيّ أخبار عبد الرّحمن الدّاخل وتأسيسه حُكم بني أميّة بالأندلس، ثمّ يتتبّع سِيَر الأمراء والخلفاء الذين تعاقبوا بعده وما اشتهروا به من أعمال ومواقف، مع ذكر مدّة ولاية كلّ منهم وما وقع في عهده من أحداث. ويُفصِّل أخبار الحَكَم الرَّبَضيّ وثورة أهل الرَّبَض بقرطبة وما ترتّب عليها من قتل وتغريب، ثمّ يتناول عهد الحَكَم المُستنصر وصلته بالعلماء والأدباء، وأخبار هشام المُؤيَّد واستيلاء المنصور بن أبي عامر على تدبير شؤون الدَّولة، وما انتهت إليه السُّلطة الأمويّة من ضعف وانقسام. وينتقل بعد ذلك إلى أخبار الفتنة التي أعقبت انهيار الحُكم الأمويّ، وظهور مُلُوك الطَّوائف واستقلالهم بالمدن والأقاليم، فيذكر بني حمّود وبني عباد وبني الأفطس وبني ذي النُّون وغيرهم من أصحاب الممالك. ويُولي أخبار بني عباد بإشبيلية عناية واسعة، فيعرض سيرة المُعتضِد بن عباد وابنه المُعتمِد وما جرى لهما من حروب ومنازعات وصلات بسائر مُلُوك الأندلس، وما اتّصل بحياتهما من أخبار الشِّعر والأدب ومجالس الشُّعراء.
ويتتبّع الكتاب قيام دولة المرابطين وتدخُّل يوسف بن تاشفين في شؤون الأندلس بعد اشتداد خطر الممالك النَّصرانيّة على مُلُوك الطَّوائف، فيذكر عبوره إلى الجزيرة واجتماع الجيوش الإسلاميّة ووقعة الزَّلّاقة وما أعقبها من أحداث. ثمّ يُفصِّل أخبار عودته إلى الأندلس وخلع عدد من مُلُوك الطَّوائف وإلحاق ممالكهم بسُلطانه، وفي مقدِّمتهم المُعتمِد بن عباد الذي يروي المراكشيّ أخبار أَسْره ونقله إلى أغمات وما نُظم في محنته من الشِّعر. ويذكر ما جرى في عهد عليّ بن يوسف بن تاشفين من اتِّساع أعمال الدَّولة وتولية القادة والوزراء والكُتّاب، وما طرأ على أحوال المرابطين من ضعف واضطراب. كما يتناول نشأة دعوة محمّد بن تومرت في بلاد سوس، ورحلته في طلب العلم وعودته إلى المغرب، وما أظهره من الدَّعوة إلى تغيير المنكرات ومخالفة المرابطين، ثمّ اجتماع قبائل المصامدة حوله وتنظيم أتباعه في طبقات وجماعات، وما نشب بين المرابطين والمُوحِّدين من حروب قبل انتقال قيادة الدَّعوة إلى عبد المؤمن بن عليّ.
ويُوسِّع المراكشيّ الحديث عن دولة المُوحِّدين، فيذكر تثبيت عبد المؤمن سُلطانه بالمغرب، واستيلاءه على مراكش وإنهاء دولة المرابطين، ثمّ امتداد حُكمه إلى بجاية وقلعة بني حمّاد وإفريقيّة، واستعادة المهدية من الصِّقلّيّين وعبور جيوشه إلى الأندلس. ويُفصِّل أعماله في تنظيم الدَّولة وتولية أبنائه وأمرائه، ويذكر وزراءه وكُتّابه وقضاته وما كان له من صلة بأهل العلم. ثمّ ينتقل إلى أخبار أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن وما جرى في عهده من توسُّع في بلاد الأندلس ومواجهة الممالك النَّصرانيّة، وصلته بأبي بكر بن طفيل وأبي الوليد بن رُشد وغيرهما من أهل العلم والأدب. ويتناول بعده عهد أبي يوسف يعقوب المنصور، فيعرض صفاته وتدبيره لشؤون المملكة، وما وقع في أيّامه من حروب مع بني غانية في إفريقيّة، ووقعة الأرك بالأندلس، وأعماله العمرانيّة وفي مقدِّمتها بناء مدينة الرِّباط. ثمّ يروي أخبار ابنه محمّد النّاصر وحملاته على بلاد الأندلس، وما انتهت إليه وقعة العِقاب سنة 609 هـ من هزيمة جيوش المُوحِّدين، ثمّ انتقال السُّلطة إلى يوسف المُستنصر وما وقع في عهده من اضطرابات، وأخبار من تولّى الحُكم بعد وفاته إلى سنة 621 هـ.
وتتخلّل هذه الوقائع تراجم لعدد من الشُّعراء والفقهاء والقضاة والكُتّاب والفلاسفة الذين ارتبطت حياتهم بتاريخ الأندلس والمغرب، ومنهم ابن حزم وابن زيدون وابن عمّار وابن عبدون وابن طفيل وابن رُشد. ويذكر المراكشيّ ما عُرفوا به من مؤلَّفات ومذاهب علميّة وصلات بالمُلُوك والأمراء، ويُورِد من أشعارهم قصائد ومقطوعات قد يطيل في نقلها إذا رأى فيها ما يتّصل بأخبار أصحابها أو يوضّح مناسبة من مناسبات عصرهم. كما يُضمِّن الكتاب أخبارًا عن العلماء والأدباء الذين لقيهم بنفسه في المغرب والأندلس، وما دار بينه وبين بعضهم من أحاديث ومُطارحات أدبيّة، ويذكر شيوخه وأصدقاءه وما عاينه في مجالس الأمراء والقضاة. ويُصرِّح أحيانًا بما بقي في حفظه من الأشعار، ويعتذر عمّا نسيه منها، ويُورد أحكامًا على جودة بعض القصائد ومعانيها، وما وقف عليه من اختلاف في الأخبار أو نسبة الأقوال إلى أصحابها.
ويعتمد المراكشيّ في أخبار العصور المتقدِّمة على ما نقله من كتب التّاريخ والتّراجم، ولا سيّما كتاب الحميديّ، الذي صرّح بأنّه أخذ عنه جانبًا من أخبار الأندلس، مع استدراكه بعض ما تبيّن له من أخطائه. أمّا أخبار المُوحِّدين وأعيان عصره فيعتمد فيها على السَّماع ممّن يثق بهم وعلى مشاهداته واتِّصاله ببعض أصحاب الدَّولة، ويُميِّز في مواضع بين ما رآه بنفسه وما بلغه عن غيره، وقد يُصرِّح بعدم علمه بتفاصيل بعض الوقائع أو تردُّده في تحديد تاريخها. ويُلحق بأخبار المُوحِّدين فصلًا في قبائل المصامدة وأحوالهم وأنساب الجماعات التي قامت عليها الدَّولة، ثمّ يتناول أقاليم المغرب ومدنه وما اشتهر به بعضها من عمران وزراعة ومعادن، ويذكر مواضع الفِضّة والحديد والكبريت والرَّصاص والزَّئبق وأسماء الأنهار الكبرى. ويعود في آخر الكتاب إلى جغرافية الأندلس، فيُحدِّد مواضع مدنها وأنهارها وممرّ العبور إليها، ويُميِّز بين المدن التي كانت بأيدي المسلمين سنة 621 هـ والمدن التي استولى عليها النَّصارى، مع ذكر مواقعها والمسافات بين بعضها وما يتّصل بها من أخبار.