
نبذة عن الكتاب:
يشرح ابن رجب الحنبلي في هذا الكتاب حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، ويبيِّن ما يتفرَّع عنه من الأحكام التي تمنع إيقاع الضَّرر بالغير أو التَّعسُّف في استعمال الحقوق. ويبدأ بجمع طُرُق الحديث عن أبي سعيد الخدري وعبادة بن الصَّامت وابن عبَّاس وعائشة وجابر وأبي هريرة وعمرو بن عوف رضي الله عنهم، ويتكلَّم على أسانيدها وعللها، ثمَّ يقرِّر أنَّ بعض هذه الطُّرُق يقوِّي بعضًا، وأنَّ جماهير أهل العلم تلقَّوا الحديث بالقبول واحتجُّوا به.
ثمَّ يحرِّر معنى لفظي «الضَّرر» و«الضِّرار»، وينقل الأقوال في الفرق بينهما؛ فمنهم من يجعلهما بمعنى واحد للتَّأكيد، ومنهم من يجعل الضَّرر إيقاع الأذى ابتداءً، والضِّرار مقابلة الضَّرر بضرر غير جائز، ومنهم من يفرِّق بين ما يعود على فاعله بمنفعة وما لا منفعة له فيه. ثمَّ يقيِّد الحديث بأنَّ المنفيَّ هو الضَّرر بغير حقٍّ، أمَّا ما يلحق الإنسان بسبب عقوبة مشروعة على تعدِّيه أو بسبب استيفاء المظلوم حقَّه بالعدل فلا يدخل في النَّهي.
ويطبِّق القاعدة أوَّلًا على ما يقع فيه قصد المضارَّة المحض؛ فيذكر الإضرار في الوصيَّة، كزيادة بعض الورثة على فرضه أو الوصيَّة لأجنبي بما يتجاوز الثُّلث، وما يترتَّب على ذلك من نقص حقوق بقيَّة الورثة. ثمَّ يذكر المضارَّة في الرَّجعة، كمن يراجع زوجته قرب انتهاء عدَّتها بقصد تطويلها والإضرار بها، وما ترتَّب على ذلك من منع استعمال الرَّجعة وسيلةً لحبس المرأة وتعليقها.
ويمتدُّ البحث إلى الإيلاء وترك الوطء وطول غيبة الزَّوج، فيذكر تحديد مدَّة الإيلاء وما يترتَّب على استمرار الامتناع، ثمَّ ينقل أقوال الفقهاء فيمن ترك وطء زوجته بقصد الإضرار أو بغير عذر، وفيمن طال سفره وطلبت زوجته قدومه فأبى. ويجعل هذه الفروع من تطبيقات إزالة الضَّرر الذي يلحق الزَّوجة من استعمال حقِّ الزَّوج على وجه يفضي إلى إضرارها.
ويذكر كذلك أحكام الرَّضاع، مستدلًّا بقوله تعالى: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ}، فيبحث حقَّ الأمِّ في إرضاع ولدها، وحقَّ الأب في الاستمتاع بزوجته، وحقَّ الطِّفل في الرَّضاع من غير تعسُّف من أحد الأبوين. ويبيِّن أنَّ الأم إذا طلبت أجرة المثل على إرضاع ولدها كانت أحقَّ به، أمَّا إذا قصدت المضارَّة بطلب زيادة فاحشة مع وجود من يرضعه بأجرة المثل فلا يلزم الأب إجابتُها.
ثمَّ ينتقل إلى المعاملات الماليَّة، فيذكر النَّهي عن استغلال حاجة المضطرِّ في البيع، وينقل عن الإمام أحمد كراهة أن يُباع المحتاج ما يساوي 10 بثمن 20، كما يتناول الغبن الفاحش وخيار المغبون إذا كان لا يحسن المماكسة. ويذكر مسألة التَّورُّق عند من يحتاج إلى النَّقد، ثمَّ العِينة إذا أعاد المشتري بيع السِّلعة إلى بائعها الأوَّل، وما نُقِلَ عن السَّلف والفقهاء في حكم ذلك. كما يُلحق بهذه المسائل النَّهي عن التَّفريق بين الأمِّ وولدها في البيع.
ويقسِّم صور الضَّرر بعد ذلك إلى نوع آخر يكون للمتصرِّف فيه غرض صحيح في أصل فعله، لكنَّ تصرُّفه يتعدَّى بالضَّرر إلى غيره، أو يمنع غيره من الانتفاع بملكه من غير أن يلحقه هو ضرر. ويمثِّل للأوَّل بمن يوقد نارًا في أرضه في يوم عاصف فتحرق مال جاره، أو يفتح في بنائه كُوَّةً تكشف بيت جاره، أو يرفع بناءً يحجب عنه الضَّوء والهواء، أو يحفر بئرًا تذهب بماء بئر جاره، أو يحدث في ملكه ما يؤذي المجاورين من هزٍّ أو دقٍّ أو رائحة خبيثة. وينقل الخلاف في مدى منع المالك من تصرُّف مأذون فيه أصلًا إذا ترتَّب عليه ضرر ظاهر بغيره.
ويخصِّص موضعًا للتَّعسُّف في استعمال الملك، فيورد خبر صاحب النَّخلة الذي كان دخوله إلى حائط جاره يشقُّ عليه، وما ترتَّب على امتناعه من البيع أو المعاوضة من الأمر بإزالة النَّخلة. ويستنبط من ذلك إمكان إجبار المالك على المعاوضة أو إزالة ملكه إذا صار بقاؤه سببًا لضرر مستمرٍّ لا يندفع بغير ذلك، ويربط به مسائل الشُّفعة وإجبار الشَّريك على العمارة وبيع المال المشترك إذا تعذَّرت قسمته من غير ضرر.
ثمَّ يبحث منع الجار من الانتفاع بملك جاره إذا لم يترتَّب على ذلك ضرر بالمالك، فيذكر حديث وضع الخشب على جدار الجار، وقضاء عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه بإجراء ماء الجار في أرض محمَّد بن مسلمة رضي الله عنه. وينتقل من ذلك إلى منع فضل الماء والكلأ والنَّار، ويعرض أقوال الفقهاء في وجوب بذل الماء للشُّرب وسقي البهائم والزَّرع، وفي حكم الكلأ والنَّار والملح والمعادن الظَّاهرة التي تتعلَّق بها مصالح عامَّة.
ويجعل من عموم «لا ضرر» رفعَ التَّكاليف التي يترتَّب عليها ضرر بالعبد، فيذكر إسقاط الطَّهارة بالماء عن المريض، والفطر للمريض والمسافر، والرُّخصة في محظورات الإحرام عند الأذى مع الفدية، مستدلًّا بأنَّ الشَّريعة لم تأمر بما يضرُّ الإنسان في بدنه، وأنَّ ما شُرِعَ له إنَّما هو صلاح في دينه ودنياه. ويذكر في هذا السِّياق حكم من نذر المشي إلى البيت مع عجزه أو مشقَّته، وما نُقِلَ في ذلك من أقوال الفقهاء.
ويختم بتطبيق القاعدة على المدين المعسر، فيقرِّر أنَّه لا يُطالَب بالدَّين حال عسره، استنادًا إلى قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}، ولا يُكلَّف في الوفاء ما يوقعه في ضرر بإخراج ما يحتاج إليه من لباس ومسكن وخادم، ولا ما يحتاج إليه للتِّجارة التي تقوم بها نفقته ونفقة عياله.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:









