
نبذة عن الكتاب:
يجمع محمَّد بن علي الشَّوكاني في «البدر الطَّالع بمحاسن من بعد القرن السَّابع» تراجم أعيان القرن الثَّامن الهجري ومن جاء بعدهم إلى عصره، قاصدًا إلى نقض القول بانقطاع الاجتهاد أو ندرة العلماء المحقِّقين في العصور المتأخِّرة، وإثبات أنَّ الله تعالى تفضَّل على الخلف كما تفضَّل على السَّلف، وأنَّ في المتأخِّرين من أحاط بفنون من العلم وبلغ فيها مراتب عالية. ولذلك جعل عمدته تراجم أكابر العلماء، ثمَّ ضمَّ إليهم من بلغه خبره من العبَّاد والخلفاء والملوك والرؤساء والأدباء ممَّن عُرف بجلالة القدر ونبالة الذِّكر وفخامة الشَّأن.
ويرتِّب الشَّوكاني التَّراجم على حروف المعجم، مقدِّمًا من تقدَّم حرف اسمه ولو كان غيره أسبق منه زمنًا، فينشئ بذلك معجمًا تاريخيًّا يجمع بين التَّعريف بالشَّخص ورصد موقعه العلمي أو السِّياسي أو الأدبي. ويصرِّح بأنَّ غرضه لا يقتصر على زخرفة العبارة وتسجيع الألفاظ، بل يجعل من صميم علم التَّاريخ بيان أحوال المترجَم له ومولده ووفاته وما يتصل بسيرته، وينتقد من يعتني بحسن الصِّياغة ويهمل هذه الحقائق.
ويعرض في تراجم العلماء أنسابهم ومواطن ولادتهم ونشأتهم، ثمَّ شيوخهم ورحلاتهم في طلب العلم، والفنون التي قرؤوها وبرعوا فيها، وما انتهت إليه منزلتهم بين أهل عصرهم. ويذكر من تصدَّر للتَّدريس أو الإفتاء أو القضاء، ومن تخرَّج به الطَّلبة، وما عُرف به من الاستقلال في النَّظر أو الاجتهاد أو التَّقليد، ويهتمُّ خاصَّة بمن جمع بين علوم الحديث والفقه والأصول والتَّفسير واللُّغة والعقليَّات وغيرها.
ويعتني بالمصنَّفات عناية واضحة، فيسجِّل أسماء كتب المترجَم له ورسائله وشروحه ومختصراته، وقد يصف قدرها العلمي أو موضوعها أو ما تمَّ منها وما لم يتمَّ، كما يقارن أحيانًا بين مصنَّفات المتقدِّمين والمتأخِّرين في الفنِّ الواحد. ومن خلال هذه الأخبار يرسم صورةً لحركة التَّأليف والتَّدريس وانتقال العلوم بين الأقاليم، ولا سيَّما اليمن والحجاز ومصر والشَّام وغيرها.
ولا يقتصر على العلماء المحض، بل يترجم للعبَّاد والزُّهَّاد، فيذكر عباداتهم وزهدهم وأخلاقهم وما اشتهروا به بين النَّاس، كما يترجم للشُّعراء والأدباء فيورد نماذج من أشعارهم ويقيِّم منزلتهم في النَّظم والنَّثر. ويضمُّ كذلك تراجم الخلفاء والسَّلاطين والأمراء والرؤساء، فيذكر ما يتصل بولاياتهم وحروبهم وسياساتهم وأحوال دولهم، وما عُرف عنهم من عدل أو ظلم أو شجاعة أو كرم أو غير ذلك، بحيث تتجاوز التَّراجم الحياة العلميَّة إلى جوانب من التَّاريخ السِّياسي والاجتماعي.
ويخصُّ أعلام اليمن بمساحة واسعة، بحكم قربه من أخبارهم واتصاله بكثير من أهل عصره، فيترجم لشيوخه ومن أخذ عنهم، ولمن أخذ عنه، ولرفقائه في الطَّلب، ولمن جرت بينه وبينهم مراسلات ومباحثات علميَّة. ويصرِّح بأنَّه قد يذكر بعض أبناء عصره ممَّن لا يبلغ في الشُّهرة منزلة من تقدَّمهم، لما جُبل عليه الإنسان من محبَّة أهل عصره ومصره، وهو تصريح يكشف وعيه بطبيعة مادته وقربه من بعض المترجَمين.
ويستفيد في تراجم القرون السَّابقة من كتب التَّاريخ والتَّراجم التي وصلت إليه، وينقل عن أصحابها، لكنه لا يلتزم قبول أحكامهم من غير مناقشة؛ فقد يعترض على مؤرِّخ أو مترجِم إذا رأى أنَّه جانب الإنصاف، ويوازن بين الأقوال المتعارضة في الشَّخص الواحد، وينبِّه إلى ما يراه ناشئًا من منافسات الأقران أو الخصومات الشَّخصيَّة. ومن أمثلة ذلك ردُّه على انتقاص السَّخاوي لبعض الأعلام حين يرى أنَّ مصنَّفاتهم وآثارهم تشهد بخلاف ما نُسب إليهم.
ويهتمُّ بتحديد تواريخ المولد والوفاة وتصحيح ما وقع فيه الخلاف متى تيسَّر له ذلك، وقد يصرِّح بعدم وقوفه على تاريخ مولد بعض الأعلام أو وفاتهم إذا لم يجد خبرًا يطمئنُّ إليه، فلا يملأ الفراغ بتخمين. كما يذكر المواطن التي عاش فيها المترجَم له، ورحلاته، والوظائف التي تقلَّدها، وأبرز الوقائع التي اتصلت بحياته، وما تركه من أثر علمي أو أدبي أو سياسي.
ويورد من شعر المترجَمين ورسائلهم وكلماتهم ما يراه دالًّا على طريقتهم أو منزلتهم الأدبيَّة أو أخلاقهم، وقد يعلِّق على جودة الشِّعر أو النَّثر ويقارن بين شعراء العصر، كما ينقل أخبار الزُّهَّاد والعبَّاد وما أُثر عنهم من مواعظ وحِكَم. ولا يخلو عرضه من أحكام نقديَّة صريحة؛ فقد يمدح عالمًا أو أديبًا، وينتقد آخر، ويصحِّح حكمًا اشتهر في كتب التَّراجم، أو يبيِّن أثر التَّعصُّب والمنافسة في بعض ما نُقل.
ويجعل الشَّوكاني من تراجم العلماء خاصَّة شاهدًا على استمرار الاجتهاد والحياة العلميَّة بعد القرون الأولى، فيبرز من لم يتقيَّد بمذهب معيَّن، ومن عمل بما ترجَّح له من نصوص الكتاب والسُّنَّة، ومن بلغ مرتبةً عالية في علوم الاجتهاد. ومن هنا يرتبط البناء التَّاريخي للكتاب بغرضه الأصلي؛ فالتَّراجم عنده ليست أخبارًا متفرِّقة فحسب، بل براهين متتابعة على أنَّ العصور المتأخِّرة لم تخلُ من علماء قادرين على البحث والتَّحقيق والتَّجديد.
ويقدِّم «البدر الطَّالع» بذلك سجلًّا واسعًا لأعيان القرون المتأخِّرة، يجمع بين التَّاريخ العلمي والأدبي والسِّياسي والاجتماعي، ويرصد الشيوخ والتَّلاميذ والمصنَّفات والرِّحلات والوظائف والوفيات والخصومات العلميَّة ومجالس الدَّرس والإفتاء، مع عناية ظاهرة بأهل اليمن وعلمائه. ويكشف الكتاب في الوقت نفسه عن نظرة الشَّوكاني إلى التَّاريخ العلمي بوصفه وسيلةً لإظهار امتداد المعرفة والاجتهاد من السَّلف إلى الخلف، لا مجرَّد حفظ أسماء الرِّجال وأخبارهم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














