يسجّل مصطفى السباعي في هذا الكتاب خلاصة تجاربه وتأملاته في الحياة، من خلال خواطر وحِكَم ومواعظ مستمدة من معايشته للناس ومواقفه من أحداث عصره، وما مرّ به من مرض وألم وكفاح في ميادين التعليم والدعوة والإصلاح. ويبيّن في مقدمته أنه بدأ تدوين هذه الخواطر أثناء إقامته في مستشفى المواساة بدمشق سنة 1962م، ثم واصل كتابتها في أوقات متفرقة، دون أن يتقيد بترتيب موضوعي أو تقسيم منهجي، رغبةً في نقل أفكاره كما خطرت له. وتتنوّع نصوص الكتاب بين العبارات الموجزة والتأملات المطوّلة، والمناجاة الوجدانية والمحاورات الرمزية والمقطوعات الشعرية، بأسلوب يجمع بين الموعظة والنقد الاجتماعي والتصوير الأدبي. ويتأمل المؤلف طبيعة الحياة وتقلّب أحوالها، ومعاني السعادة والشقاء والنجاح والإخفاق، وأثر الألم والمرض في تهذيب النفس وكشف حقيقة الإنسان، ويوازن بين متاع الدنيا الزائل وقيمة الأعمال التي يبقى أثرها بعد الموت.
ويتناول السباعي منزلة الإيمان بالله تعالى في حياة الإنسان، وأثر اليقين بالقضاء والقدر في الصبر على الشدائد، وأهمية التوكل والرجاء والتوبة والإخلاص ومجاهدة النفس. ويحذّر من اتباع الهوى والاغترار بالطاعات، ومن الرياء والنفاق والعجب والكبر والحسد والحقد والطمع، ويحث على الصدق والأمانة والقناعة والتواضع والعفو وحسن الظن وبذل المعروف. كما يناقش العلاقات الإنسانية وما يعتريها من محبة وخصومة ووفاء وخيانة، ويبيّن أثر حسن الخلق في استمرار الصداقة، وأهمية التسامح مع أخطاء الآخرين ومعرفة طبائعهم دون إفراط في الثقة أو إساءة الظن. ويتطرق إلى الحياة الزوجية وتربية الأبناء وبر الوالدين، وما يترتب على صلاح الأسرة من استقامة المجتمع. ويعرض تأملات في العلم والعقل والحكمة والتربية، فيؤكد أن قيمة المعرفة تظهر في الانتفاع بها والعمل بمقتضاها، وينتقد من يتخذ العلم أو الدين وسيلة للجاه والمنفعة. ويتوسع في نقد مظاهر التدين المصطنع، واستغلال الدين لخداع الناس، والتناقض بين الأقوال والأفعال، محذّرًا من أثر هذه الممارسات في إفساد الأخلاق وتنفير الناس من الدين. ويتناول كذلك بعض مظاهر الحضارة الحديثة، وما يراه فيها من اختلال الموازين الأخلاقية، وتقديم المصالح والشهوات على المبادئ، مع الدعوة إلى الجمع بين التقدم العلمي والارتقاء الخلقي.
ويمتد الكتاب إلى قضايا الإصلاح الاجتماعي وأحوال الأمة، فيناقش مسؤولية العلماء والدعاة والمربين في توجيه الناس، وأثر القدوة الصالحة في نشر القيم، وأسباب ضعف المجتمعات حين يسودها الجهل والظلم والتفرّق وفساد الضمائر. ويؤكد أهمية العمل المنظّم ووحدة الصف والوعي بالحقوق والواجبات، ويحذّر من الشعارات التي تتستر بها المصالح الشخصية، ومن استغلال الفقر والدين والوطنية لتحقيق المكاسب. ويضم الكتاب خواطر ونصوصًا سياسية ينتقد فيها الاستبداد والتسلط على الشعوب، ويبحث العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ومقومات الحكم الصالح القائم على العدل واحترام الحقوق والحريات. ويتناول مسؤولية القادة عن أحوال الأمة، وأثر ضعف الإرادة السياسية في إعاقة التحرر والتقدم، وضرورة إعداد الأجيال بالعلم والإيمان والأخلاق. كما يناقش قضية فلسطين وأسباب إخفاق القيادات العربية في مواجهتها، وينتقد أداء الجامعة العربية وتغليب المصالح القطرية والشخصية على المصلحة المشتركة، داعيًا إلى بناء قوة الأمة على الحرية والعدل والتنظيم والعلم والتضامن، والاستفادة من طاقاتها الروحية والأخلاقية في مواجهة الاستعمار والتخلّف والانقسام.