مكتبة العلوم الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة لأبي الوفاء علي بن عقيل PDF

كتاب فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة لأبي الوفاء علي بن عقيل PDF

نبذة عن الكتاب:

يُبيِّن أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي في هذا الكتاب جملةً من الآداب الشَّرعيَّة والأخلاق التي ينبغي للمسلم مراعاتها في معاشرته للنَّاس وتصرُّفاته اليوميَّة، وما يتعلَّق بها من أحكام الاستحباب والكراهة والإباحة والتَّحريم والوجوب. ويعرض هذه المسائل في فصول قصيرة، يتناول في كلِّ فصل أدبًا مخصوصًا أو عددًا من الأحكام المتقاربة، مستندًا إلى الآيات القرآنيَّة والأحاديث النَّبويَّة، وما نُقل عن الإمام أحمد بن حنبل من أقوال وروايات. ويعتني بالتَّفريق بين الأفعال المشروعة والممنوعة، وبيان ما يستحبُّ فعله أو تركه، وما تقتضيه المروءة وحسن المعاشرة من مراعاة أحوال الآخرين وحفظ حقوقهم، فيربط بين التَّحلِّي بالأخلاق الحسنة والتَّزام الأحكام الشَّرعيَّة في القول والفعل.

ويبدأ بآداب السَّلام، فيُوضِّح مَن يُستحبُّ له الابتداء به، كسلام الماشي على القاعد والرَّاكب على الماشي والجالس، ويُبيِّن حكم ابتداء السَّلام وردِّه إذا كان المسلمون جماعةً، والصِّيغة المشروعة للسَّلام والرَّدِّ عليه، وما يُستحبُّ من الزِّيادة بذكر رحمة الله تعالى وبركاته. ويتناول تكرار السَّلام عند تجدُّد اللِّقاء بعد افتراق يسير، وحكم السَّلام على النِّساء بحسب أحوالهنَّ وما يُخشى من الفتنة، واستحباب السَّلام على الصِّبيان لتعليمهم الأدب وتعويدهم حسن المعاشرة، والسَّلام عند الانصراف كما يُشرع عند الدُّخول. ثمَّ يشرح أحكام المصافحة والمعانقة وتقبيل الرَّأس واليد، وما يتعلَّق بإظهار الاحترام لأهل الدِّين والعلم وكبار السِّنِّ، واستحباب القيام لبعض مَن يستحقُّ التَّوقير، مع بيان ما يمنعه من صور المخالطة والمصافحة. ويتناول حفظ أسرار الآخرين، والنَّهي عن الدُّخول في أحاديثهم الخاصَّة بغير إذن أو استراق السَّمع إلى مشاوراتهم، ووجوب حفظ الحديث الذي تدلُّ قرائن المتكلِّم على إرادة كتمانه. ويُحذِّر من الخُيَلاء والتَّكبُّر في المشي، ويحثُّ على الاعتدال والتَّواضع، مع بيان ما استُثني من إظهار القوَّة والخُيَلاء عند لقاء العدوِّ في القتال.

ويُفصِّل في آداب النَّظافة والزِّينة وخصال الفطرة، فيذكر المضمضة والاستنشاق والسِّواك وقصَّ الشَّارب وإعفاء اللِّحية، وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء والخِتان. ويتناول كراهة نتف الشَّيب، مبيِّنًا ما فيه من التَّذكير بتقدُّم العمر واقتراب الموت والحثِّ على العمل الصَّالح، وما ذكره من كراهة حلق القفا إلَّا لحاجة كالحجامة. ثمَّ ينتقل إلى الاستئذان عند دخول البيوت، فينهى عن مباغتة الأقارب أو غيرهم بالدُّخول عليهم، خشية الاطِّلاع على ما لا يحبُّون كشفه من أحوالهم وعوراتهم، ويُبيِّن مشروعيَّة الاستئذان ثلاث مرَّات والرُّجوع عند عدم الإذن. ويتناول تحريم تناجي اثنين دون ثالث لما يُحدثه ذلك في نفسه من الوحشة وكسر القلب، مؤكِّدًا مراعاة مشاعر الجليس واجتناب ما يُؤذيه أو يُشعره بالإقصاء.

ويشرح آداب الأكل والشُّرب، فيذكر استحباب التَّسمية عند ابتداء الطَّعام وحمد الله تعالى عند الفراغ منه، والأكل باليد اليمنى وممَّا يلي الآكل إذا كان الطَّعام صنفًا واحدًا، والأكل من جوانب الطَّعام دون أعلاه طلبًا للبركة. ويتناول النَّهي عن النَّفخ في الطَّعام، وأحكام الأكل والشُّرب قائمًا أو متَّكئًا، وتقديم الإناء أو اللُّقمة لمَن على اليمين عند المشاركة. ويُورد ما يتعلَّق بغسل اليدين قبل الطَّعام وبعده، وما نُقل عن الإمام أحمد في بعض صوره، مع الإشارة إلى اختلاف ما ورد في الأخبار. ويبحث في آداب النَّوم، فيذكر إغلاق الأبواب وإيكاء الأسقية وتغطية الأواني وإطفاء السُّرج، وما يتعلَّق بالاحتياط من الهوامِّ والأذى. ويُبيِّن كراهة تناول الثُّوم والبصل والكرَّاث لمن أراد حضور المسجد مع بقاء رائحتها المؤذية. ويتناول إجابة الدَّعوة إلى وليمة العرس، وما يشترط لذلك من خلوِّها من المنكرات والمحرَّمات، وأنَّ المدعوَّ لا يلزمه الأكل إذا حضر، بل يجوز له الدُّعاء والانصراف. ويذكر حكم الولائم التي لا يراها مشروعةً، ومنها وليمة الخِتان، وما ينبغي لأهل المروءة من التَّرفُّع عن التَّهافت على الدَّعوات والطَّعام. ثمَّ يتناول عيادة المريض المسلم وحضور جنازته وتعزية أهله، وجواز عيادة غير المسلم، مستدلًّا بما ورد في عيادة النَّبي صلى الله عليه وسلم لمريض من اليهود.

ويبحث في آفات اللِّسان وما يتعلَّق بالغيبة وحفظ الأعراض، فيُقرِّر تحريم ذكر المسلم بما يكره بقصد الانتقاص منه والطَّعن فيه، ويُميِّز بين الغيبة المذمومة وبين ذكر العيوب بقصد النَّصيحة والتَّحذير من الضَّرر، كما في السُّؤال عمَّن يُراد تزويجه أو مشاركته أو معاملته. ويستدلُّ على ذلك بما نُقل عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه عند تعيين أهل الشُّورى وذكر ما يتعلَّق بأحوالهم، مبيِّنًا الفرق بين الكلام الذي يقصد به الإصلاح والكلام الذي يراد به الإزراء. ويحثُّ على ضبط اللِّسان والإقلال من الكلام الذي لا فائدة فيه، ويُفضِّل على الصَّمت الاشتغال بالقول النَّافع، كتلاوة القرآن الكريم وتعليم العلم وذكر الله تعالى والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر والإصلاح بين النَّاس.

ويتناول أحكام اللِّباس والزِّينة، فيذكر تحريم الحرير والذَّهب على الرِّجال وإباحتهما للنِّساء، وما يجوز لبسه من الأقمشة المخلوطة، وأحكام الصُّور في الثِّياب والمفارش والسُّتور. ويُبيِّن جواز التَّختُّم في اليد اليمنى أو اليسرى مع تفضيله اليسرى، وتحريم جرِّ الثَّوب خُيَلاء وبطرًا. ويتناول دخول الحمَّامات العامَّة وما يشترط فيه من ستر العورة، وما ذكره من حكم دخول النِّساء إليها عند الحاجة، وأحكام الخِضاب بالحنَّاء والكَتَم والسَّواد. وينتقل إلى آداب المخالطة، فيذكر تحريم خلوة الرَّجل بالمرأة الأجنبيَّة، والنَّهي عن اجتماع الرَّجلين أو المرأتين عاريَين تحت غطاء واحد. ويبحث في أحكام اللَّهو وآلات الطَّرب، وما ذكره من المنع من حضور بعض مجالس اللَّعب والملاهي، مع استثناء الدُّفِّ في النِّكاح، مستدلًّا بما ورد في إعلان الزَّواج. ويُبيِّن مشروعيَّة الرُّقية والتَّعوُّذ بأسماء الله تعالى، وما يجوز من الاستعانة بها في طلب الحفظ والشِّفاء.

ويُفصِّل في أحكام التَّداوي، فيذكر جواز الحجامة والفَصْد والكَيِّ واستعمال الأدوية المباحة، وتحريم التَّداوي بالمحرَّمات والنَّجاسات، ويعرض ما رُوي عن الإمام أحمد من كراهة الكَيِّ وقطع العروق، مع بيان ترجيحه للرِّواية المجيزة. ويتناول آداب التَّعامل مع الحيوان والهوامِّ، فيذكر حكم الحيَّات التي تظهر في البيوت ووجوب إنذارها قبل قتلها في الأحوال التي ذكرها، وما يُستثنى من ذلك من أنواع مخصوصة. ويُبيِّن جواز قتل الأوزاغ، والنَّهي عن قتل النَّمل وتخريب أجحاره، وكراهة إحراق القمل بالنَّار، وتحريم قتل الضَّفادع. ويتناول ما أورده من أحكام إخصاء البهائم ووسمها بالنَّار، وما يجوز من مداواتها عند الحاجة. ثمَّ ينتقل إلى آداب المساجد، فيذكر كراهة تقليم الأظفار وقصِّ الشَّارب ونتف الإبط فيها، وما يتعلَّق بمزاولة بعض الصِّناعات والتِّجارات داخلها إذا كثرت، مع التَّفريق بين الأعمال اليسيرة والحِرَف التي تشغل المسجد عن مقصوده.

ويُقرِّر وجوب برِّ الوالدين والإحسان إليهما، ويذكر ما نُقل عن الإمام أحمد في ذلك، مع التَّأكيد على أنَّ طاعتهما لا تجوز في معصية الله تعالى. ويتناول بعض هيئات الجلوس المكروهة، ومنها الاتِّكاء على اليد اليسرى من وراء الظَّهر والجلوس بين الشَّمس والظِّلِّ، ثمَّ يذكر استحباب دعاء كفَّارة المجلس عند القيام منه، وما يتضمَّنه من تنزيه الله تعالى وحمده والاستغفار والتَّوبة إليه. ويورد ما ذكره من كراهة الجلوس في ظلِّ المنارة، وكنس البيت بالخِرقة، والشُّرب من ثُلمة الإناء.



إحصائيات الكتاب
قُرئ 0 مرة حُمِّل 0 مرة
يقرأه 0 الآن انضم معهم
يحمّله 0 الآن انضم معهم

أبو الوفاء علي بن عقيل

الإمام العلامة البحر، شيخ الحنابلة، أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظَّفَرِي الحنبلي المتكلم، صاحب التصانيف، كان يسكن الظَّفَرِيَّة، ومسجده بها مشهور.

ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة.

وسمع أبا بكر بن بِشْرَان، وأبا الفتح بن شِيطَا، وأبا محمد الجوهري، والحسن بن غالب المقرئ، والقاضي أبا يعلى ابن الفَرَّاء، وتفقه عليه، وتلا بالعشر على أبي الفتح بن شِيطَا، وأخذ العربية عن أبي القاسم بن بَرْهَان، وأخذ علم العقليات عن شيخي الاعتزال أبي علي بن الوليد، وأبي القاسم بن التَّبَّان، صاحبي أبي الحسين البصري، فانحرف عن السنة.

وكان يتوقد ذكاء، وكان بحر معارف، وكنز فضائل، لم يكن له في زمانه نظير على بدعته، وعلق كتاب «الفنون»، وهو أزيد من أربعمائة مجلد، حشد فيه كل ما كان يجري له مع الفضلاء والتلامذة، وما يسنح له من الدقائق والغوامض، وما يسمعه من العجائب والحوادث.

حدث عنه: أبو حفص المَغَازِلِي، وأبو المَعْمَر الأنصاري، ومحمد بن أبي بكر السَّنْجِي، وأبو بكر السَّمْعَانِي، وأبو طاهر السِّلَفِي، وأبو الفضل خطيب الموصل، وابن ناصر، وآخرون.

أنبؤونا عن حماد الحَرَّانِي، سمع السِّلَفِي يقول: ما رأت عيني مثل أبي الوفاء بن عقيل الفقيه، ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه، وحسن إيراده، وبلاغة كلامه، وقوة حجته. تكلم يومًا مع شيخنا إِلْكِيَا أبي الحسن، فقال له إِلْكِيَا: هذا ليس مذهبك. فقال: أكون مثل أبي علي الجُبَّائِي، وفلان وفلان، لا أعلم شيئًا؟! أنا لي اجتهاد، متى ما طالبني خصم بالحجة، كان عندي ما أدفع به عن نفسي، وأقوم له بحجتي. فقال إِلْكِيَا: كذاك الظن بك.

وقال ابن عقيل: عصمني الله في شبابي بأنواع من العصمة، وقصر محبتي على العلم، وما خالطت لَعَّابًا قط، ولا عاشرت إلا أمثالي من طلبة العلم، وأنا في عشر الثمانين أجد من الحرص على العلم أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين، وبلغت لاثنتي عشرة سنة، وأنا اليوم لا أرى نقصًا في الخاطر والفكر والحفظ، وحدة النظر بالعين لرؤية الأهلة الخفية، إلا أن القوة ضعيفة.

قال ابن الجوزي: كان ابن عقيل دينًا، حافظًا للحدود، توفي له ابنان، فظهر منه من الصبر ما يتعجب منه، وكان كريمًا ينفق ما يجد، وما خلف سوى كتبه وثياب بدنه، وكانت بمقدار. توفي بكرة الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وكان الجمع يفوت الإحصاء. قال ابن ناصر شيخنا: حزرتهم بثلاثمائة ألف.

قال المبارك بن كامل: صلي على شيخنا بجامع القصر، فأمهم ابن شافع، وكان الجمع ما لا يحصى، وحمل إلى جامع المنصور، فصلي عليه، وجرت فتنة، وتجارحوا، ونال الشيخ تقطيع كفن، ودفن قريبًا من الإمام أحمد.

وقال ابن الجوزي أيضًا فيه: هو فريد فنه، وإمام عصره، كان حسن الصورة، ظاهر المحاسن. قال: قرأت على القاضي أبي يعلى من سنة سبع وأربعين وإلى أن توفي، وحظيت من قربه بما لم يحظ به أحد من أصحابه مع حداثة سني، وكان أبو الحسن الشيرازي إمام الدنيا وزاهدها، وفارس المناظرة وواحدها، يعلمني المناظرة، وانتفعت بمصنفاته، ثم سمى جماعة من شيوخه.

ثم قال: وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علمًا نافعًا.

قلت: كانوا ينهونه عن مجالسة المعتزلة، ويأبى، حتى وقع في حبائلهم، وتجسر على تأويل النصوص، نسأل الله السلامة.

قال: وأقبل علي الشيخ أبو منصور بن يوسف، وقدمني على الفتاوى، وأجلسني في حلقة البرامكة بجامع المنصور لما مات شيخنا في سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وقام بكل مؤنتي وتجملي.

وأما أهل بيتي، فإنهم أرباب أقلام وكتابة وأدب، وعانيت من الفقر والنسخ بالأجرة مع عفة وتقى، ولم أزاحم فقيهًا في حلقة، ولا تطلب نفسي رتبة من رتب أهل العلم القاطعة عن الفائدة، وأوذيت من أصحابي، حتى طلب الدم، وأوذيت في دولة النظام بالطلب والحبس.

وفي «تاريخ» ابن الأثير، قال: كان قد اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته على ابن الوليد، فأراد الحنابلة قتله، فاستجار بباب المراتب عدة سنين، ثم أظهر التوبة.

وقال ابن عقيل في «الفنون»: الأصلح لاعتقاد العوام ظواهر الآي؛ لأنهم يأنسون بالإثبات، فمتى محونا ذلك من قلوبهم، زالت الحشمة.

قال: فتهافتهم في التشبيه أحب إلينا من إغراقهم في التنزيه؛ لأن التشبيه يغمسهم في الإثبات، فيخافون ويرجون، والتنزيه يرمي بهم إلى النفي، فلا طمع ولا مخافة في النفي، ومن تدبر الشريعة، رآها غامسة للمكلفين في التشبيه بالألفاظ الظاهرة التي لا يعطي ظاهرها سواه، كقول الأعرابي: أويضحك ربنا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، فلم يكفهر لقوله، تركه وما وقع له.

قلت: قد صار الظاهر اليوم ظاهرين: أحدهما حق، والثاني باطل. فالحق أن يقول: إنه سميع بصير، مريد متكلم، حي عليم، كل شيء هالك إلا وجهه، خلق آدم بيده، وكلم موسى تكليمًا، واتخذ إبراهيم خليلًا، وأمثال ذلك، فنمره على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول: له تأويل يخالف ذلك.

والظاهر الآخر، وهو الباطل والضلال: أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد، وتمثل البارئ بخلقه، تعالى الله عن ذلك، بل صفاته كذاته، فلا عدل له، ولا ضد له، ولا نظير له، ولا مثل له، ولا شبيه له، وليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، وهذا أمر يستوي فيه الفقيه والعامي، والله أعلم.

قال السِّلَفِي: سمعت ابن عقيل يقول: كان جدي كاتب بهاء الدولة بن بويه، وهو الذي كتب نسخة عزل الطائع، وتولية القادر، وهي عندي بخط جدي.

وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزي: حكى ابن عقيل عن نفسه، قال: حججت، فالتقطت عقد لؤلؤ في خيط أحمر، فإذا شيخ أعمى ينشده، ويبذل لملتقطه مائة دينار، فرددته عليه، فقال: خذ الدنانير. فامتنعت، وخرجت إلى الشام، وزرت القدس، وقصدت بغداد، فأويت بحلب إلى مسجد، وأنا بردان جائع، فقدموني، فصليت بهم، فأطعموني، وكان أول رمضان، فقالوا: إمامنا توفي، فصل بنا هذا الشهر. ففعلت، فقالوا: لإمامنا بنت، فزوجت بها، فأقمت معها سنة، وأولدتها ولدًا ذكرًا، فمرضت في نفاسها، فتأملتها يومًا، فإذا في عنقها العقد بعينه بخيطه الأحمر، فقلت لها: لهذا قصة. وحكيت لها، فبكت، وقالت: أنت هو والله، لقد كان أبي يبكي، ويقول: اللهم ارزق بنتي مثل الذي رد العقد علي. وقد استجاب الله منه، ثم ماتت، فأخذت العقد والميراث، وعدت إلى بغداد.

وحكى عن نفسه، قال: كان عندنا بالظَّفَرِيَّة دار، كلما سكنها ناس أصبحوا موتى، فجاء مرة رجل مقرئ، فاكتراها، وارتضى بها، فبات بها وأصبح سالمًا، فعجب الجيران، وأقام مدة، ثم انتقل. فسئل، فقال: لما بت بها، صليت العشاء، وقرأت شيئًا، وإذا شاب قد صعد من البئر، فسلم علي، فبهت، فقال: لا بأس عليك، علمني شيئًا من القرآن. فشرعت أعلمه، ثم قلت: هذه الدار، كيف حديثها؟ قال: نحن جن مسلمون، نقرأ ونصلي، وهذه الدار ما يكتريها إلا الفساق، فيجتمعون على الخمر، فنخنقهم. قلت: ففي الليل أخافك، فجيء نهارًا. قال: نعم. فكان يصعد من البئر في النهار، وألفته، فبينما هو يقرأ، إذا بمعزم في الدرب يقول: المرقي من الدبيب، ومن العين، ومن الجن. فقال: أيش هذا؟ قلت: معزم. قال: اطلبه. فقمت وأدخلته، فإذا بالجني قد صار ثعبانًا في السقف، فعزم الرجل، فما زال الثعبان يتدلى حتى سقط في وسط المندل، فقام ليأخذه ويضعه في الزنبيل، فمنعته، فقال: أتمنعني من صيدي؟! فأعطيته دينارًا وراح، فانتفض الثعبان، وخرج الجني، وقد ضعف واصفر وذاب، فقلت: ما لك؟ قال: قتلني هذا بهذه الأسامي، وما أظنني أفلح، فاجعل بالك الليلة، متى سمعت في البئر صراخًا، فانهزم. قال: فسمعت تلك الليلة النعي، فانهزمت. قال ابن عقيل: وامتنع أحد أن يسكن تلك الدار بعدها.

أخبرنا إسحاق بن طارق، أخبرنا أبو البقاء يعيش، أخبرنا عبد الله بن أحمد الخطيب، أخبرنا علي بن عقيل الفقيه، أخبرنا أبو محمد الجوهري، أخبرنا القَطِيعِي، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا هَوْذَة، حدثنا عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، قال: كنت عند ابن عباس، إذ أتاه رجل، فقال: إنما معيشتي من التصاوير. فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صور صورة، عذبه الله يوم القيامة حتى ينفخ فيها، وليس بنافخ فيها أبدًا».

المصدر: كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي.

عرض النبذة وكتب المؤلف