مكتبة العلوم الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب الغارة التنصيرية على أصالة القرآن الكريم إعداد عبد الراضي محمد عبد المحسن PDF

كتاب الغارة التنصيرية على أصالة القرآن الكريم إعداد عبد الراضي محمد عبد المحسن PDF

نبذة عن الكتاب:

يَتَتَبَّع عبدُ الرَّاضي محمَّد عبد المُحْسِن في هذا الكتاب تاريخَ الجدل الدِّينيِّ الذي استهدف إثبات بشريَّة مصدر القرآن الكريم ونفي كونه وحيًا من الله تعالى، مُبَيِّنًا نشأة هذا الجدل وتطوُّره، وأبرز القائمين به، والمؤسَّسات التي تبنَّته، والوسائل التي استُعمِلَت في نشر دعاواه والتَّأثير في المتلقِّين لها. ويُعالج الصِّلة بين الجهود التَّنصيريَّة والدِّراسات الاستشراقيَّة المتعلِّقة بالقرآن، وما ينسبه إلى بعضها من توظيفٍ للمناهج التَّاريخيَّة والنَّقديَّة في إرجاع القرآن إلى مصادرَ يهوديَّةٍ ونصرانيَّةٍ سابقة. ولا يقف عند التَّأريخ لهذه الاعتراضات، بل يُناقش أصولها وحُجَجها، ويُقابل بينها وبين النُّصوص القرآنيَّة والكتب الدِّينيَّة السَّابقة والشَّواهد التَّاريخيَّة واللُّغويَّة، مستعينًا بمنهج المقارنة ونقد النُّصوص. وتتركَّز الدِّراسة على دعوتَيْن رئيسَتَيْن شاعتا في الكتابات التي يُناقشها: أنَّ القرآن الكريم مأخوذٌ من اليهوديَّة والنَّصرانيَّة، وأنَّ القصص القرآنيَّ تكرارٌ لقصص التَّوراة والإنجيل؛ إذ يجعل الباحث من نقضهما سبيلًا إلى تقرير أصالة القرآن الكريم واستقلال مصدره، والدِّفاع عن صدق الرِّسالة المحمَّديَّة.

وفي تحديد مفهوم التَّنصير، يُميِّز المؤلِّف بينه وبين التَّبشير بوصفه نشاطًا دينيًّا يرمي إلى نشر النَّصرانيَّة؛ فالتَّبشير عنده إحدى وسائل التَّنصير، وليس مرادفًا لجميع أنشطته. ويُناقش ترجمة المصطلحات الأجنبيَّة المتعلِّقة بالإرساليَّات الدِّينيَّة، وما يترتَّب على حصر التَّنصير في الوعظ والإرساليات من إغفال الأدوار التي يَنْسُبها إلى مؤسَّسات البحث والتَّعليم والإعلام والسِّياسة. ويُقدِّم التَّنصير في تصوُّره بوصفه نشاطًا دينيًّا وفكريًّا وحضاريًّا واسعًا، لا يتوقَّف أثره عند محاولة إدخال المسلمين في النَّصرانيَّة، بل قد يستهدف زعزعة اعتقادهم بالإسلام وصرفهم عن مصادره. ومن هنا يُفسِّر عناية بعض الدَّوائر التَّنصيريَّة بالطَّعن في القرآن الكريم؛ لأنَّه المصدر الأساسيُّ للعقيدة الإسلاميَّة، والدَّليل الأكبر على نبوَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، والمرجع الذي يستمدُّ منه المسلمون تصوُّراتهم عن الأديان السَّابقة. ويَربط دوافع الجدل ضدَّ أصالته بثلاث غاياتٍ رئيسة: إبعاد النَّاس عن قراءته والتَّأثُّر به، ومواجهة ما قرَّره من هيمنته على الكتب السَّماويَّة السَّابقة وكشف ما وقع فيها من تحريفٍ وكتمانٍ وتبديل، ثمَّ محاولة إبطال المعجزة القرآنيَّة بنفي المصدر الإلهيِّ للكتاب. وتَتَّصِل هذه الغايات بما يُورده من مواقف القرآن الكريم من عقائد التَّثليث وألوهيَّة المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام وصلبه، ومن دعاوى الاصطفاء الدِّينيِّ والامتياز القائم على الانتساب إلى طائفةٍ بعينها.

وللجدل التَّنصيريِّ تاريخٌ طويلٌ يستعيده المؤلِّف ابتداءً من المشرق الإسلاميِّ، حيث نشأت المناقشات الأولى بين المسلمين وبعض رجال الدِّين النَّصارى، وكان إتقان اللُّغة العربيَّة عاملًا مُهمًّا في تمكين المجادلين من الاستشهاد بالنُّصوص القرآنيَّة والاحتجاج بها على المسلمين. ويَخُصُّ يوحنَّا الدِّمَشْقِيَّ بمكانةٍ بارزةٍ في تأسيس الاتِّجاهات الجدليَّة التي استمرَّ أثرها في العصور اللَّاحقة، ولا سيَّما تصوير الإسلام باعتباره مذهبًا نصرانيًّا منحرفًا، والقول بأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم تعلَّم بعض الأخبار والعقائد من الرَّاهب بَحِيرَى أو من غيره من أهل الكتاب. وإلى جانب الدِّمَشْقِيِّ يَعرض آراء تيودور أبي قُرَّة، وبارثولوميو الرُّهَاوِيِّ، وعبد المسيح الكِنْدِيِّ، وبولس الأنطاكيِّ، وابن كَمُّونَة، وما تضمَّنته مؤلَّفاتهم ورسائلهم من تشكيكٍ في مصدر القرآن الكريم، أو احتجاجٍ ببعض آياته لتأييد المعتقدات النَّصرانيَّة. وتَكْشِف المقارنة بين هذه المؤلَّفات عن تكرار دعاوى سابقةٍ في صيغٍ جديدة؛ إذ يرى الباحث أنَّ كثيرًا من الاعتراضات المتأخِّرة امتدادٌ لما حكاه القرآن الكريم عن المشركين من اتِّهام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بتلقِّي الوحي من بشرٍ أو اقتباسه من أخبار الأوَّلين، مع استبدال الأشخاص الذين نُسب إليهم تعليمه بشخصيَّاتٍ من التَّاريخ اليهوديِّ والنَّصرانيِّ.

ومن المشرق انتقلت هذه المجادلات إلى البيئات البيزنطيَّة والأندلسيَّة والغربيَّة؛ فيُعَرِّف المؤلِّف بما كُتب باللغة اليونانيَّة ضدَّ الإسلام والقرآن، ومنه أعمال نِكِيتَاس البيزنطيِّ والإمبراطور يوحنَّا كَنْتَاكُوزِين، ثمَّ يشرح دور الأندلس في انتقال النُّصوص الجدليَّة إلى أوروبا، وما دار فيها من مناقشاتٍ دينيَّةٍ شارك في الرَّدِّ عليها علماءُ مسلمون، منهم ابن حَزْم والقُرْطُبِيُّ وأبو الوليد البَاجِيُّ. ومع الحروب الصَّليبيَّة ازدادت عناية بعض رجال الكنيسة بدراسة الإسلام ومجادلة المسلمين، وبرزت أعمال بطرس المُبَجَّل، وروجر بَيْكُون، ووليم الطَّرَابُلُسِيِّ، وريموند مارتِينِي، ثمَّ ريكولدو دي مونت كروس، الذي امتدَّ أثر كتاباته إلى العصور اللَّاحقة. ويُعَدُّ الانتقال إلى العمل المؤسَّسيِّ تطوُّرًا مهمًّا في تاريخ هذا الجدل؛ إذ يَعرض الباحث جهود ريموند لُول في إنشاء مؤسَّساتٍ لتعليم العربيَّة وإعداد المبشِّرين، وقرار مجمع فيينَّا الكنسيِّ سنة ١٣١١م بإنشاء كراسٍ لتدريس اللُّغات الشَّرقيَّة في عددٍ من الجامعات الأوروبيَّة. ومن هذه المبادرات يَتَتَبَّع نشأة مؤسَّستَي التَّبشير والاستشراق كما يُصوِّرهما البحث، والفروق بين وسائل كلٍّ منهما وجمهوره المستهدف؛ فالأولى اعتمدت على الوعظ والإرساليات والنَّشاط الاجتماعيِّ، بينما اتَّخذت الثَّانية من البحث العلميِّ والتَّأليف والتَّرجمة والتَّدريس الجامعيِّ وسائلَ لنشر تصوُّراتها عن الإسلام والقرآن. ويَستَعْرِض في هذا السِّياق أعمالًا لهنري لامانس، ووليم موير، وريتشارد بِل، وسانت كلير تِسْدَال، وآرثر جِفْرِي، وغيرهم ممَّن ناقشوا مصدر القرآن وتاريخ تدوينه وصلته بالكتب الدِّينيَّة السَّابقة.

وتحتلُّ ترجمةُ القرآن الكريم إلى اللُّغات الأوروبيَّة موقعًا خاصًّا في دراسة وسائل الجدل؛ فقد ارتبطت بعض التَّرجمات الأولى بالمشروعات الكنسيَّة الهادفة إلى معرفة الإسلام ونقده. ويُعَرِّف المؤلِّف بالتَّرجمة اللَّاتينيَّة التي أُنجزت بأمر بطرس المُبَجَّل في القرن السَّادس الهجريِّ، وما تفرَّع عنها من ترجماتٍ أخرى، ثمَّ يُناقش أثر المترجِم في نقل المعنى وصياغة صورة النَّصِّ القرآنيِّ لدى القارئ غير العربيِّ. ومن المآخذ التي يوردها على بعض التَّرجمات تغييرُ ترتيب الآيات، والحذفُ والإضافةُ، والتَّوسُّعُ في التَّرجمة الحرَّة بما يُبدِّل دلالات الألفاظ والتَّراكيب، فضلًا عن إلحاق مقدِّماتٍ وتعليقاتٍ تتضمَّن أحكامًا سلبيَّةً على القرآن الكريم والنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. ويَتَوَقَّف عند ترجمة لودوفيجو مَرَّتْشِي اللَّاتينيَّة، وما اشتملت عليه من تعليقاتٍ جدليَّة، وترجمة جورج سَيْل الإنجليزيَّة وما صاحبها من مقدِّمةٍ في تاريخ الإسلام ومعتقداته، مُبَيِّنًا أثر هذه الأعمال في تشكيل تصوُّرات القرَّاء الأوروبيِّين. ويمتدُّ النَّقد إلى عناوين التَّرجمات التي تُنسب القرآن إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم باعتباره مؤلِّفًا له، بدل تعريفه بالاسم الذي يعرفه به المسلمون بوصفه كتابًا مُنَزَّلًا، وما يُؤدِّيه هذا الاختيار من أثرٍ في توجيه نظرة القارئ إلى مصدر النَّصِّ قبل الاطِّلاع على محتواه.

وأمَّا الدِّراسات المتخصِّصة، فيُناقش الباحث فيها انتقالَ الشُّبُهات القديمة إلى صياغاتٍ تستند إلى مناهج النَّقد التَّاريخيِّ ونقد النُّصوص، ولا سيَّما بعد تطوُّر البحث الأوروبيِّ في تاريخ العهدَيْن القديم والجديد ومصادرهما. وقد انشغل عددٌ من المستشرقين بدراسة ما أسمَوْه «مصادر القرآن»، وسَعَوْا إلى تفسير أصول أخباره وألفاظه وعقائده في ضوء المؤثِّرات الدِّينيَّة والثَّقافيَّة السَّابقة، ومنها معتقدات العرب قبل الإسلام، والحنفاء، والصَّابئة، والزَّرادشتيَّة، والديانات الهنديَّة، فضلًا عن اليهوديَّة والنَّصرانيَّة. ويَتَتَبَّع المؤلِّف نماذجَ من هذه الدِّراسات عند إبراهام جايجر، وهيرشفيلد، وجولدتسيهر، ونولدكه، وبِرْجِشْتْرَاسَر، وفلهاوزن، وآرثر جِفْرِي، وغيرهم، وما أُثير فيها بشأن تدوين القرآن الكريم وجمعه وقراءاته، ومحاولة تفسير نشأة النَّصِّ القرآنيِّ من خلال مراحلَ تاريخيَّةٍ ومصادرَ بشريَّة. وإلى جانب الكتب والأبحاث، يُفْرِد للدَّوريَّات والقواميس ودوائر المعارف المتخصِّصة بحثًا يُبَيِّن فيه أثر انتشارها الأكاديميِّ ومرجعيَّتها في ترسيخ بعض الآراء المتعلِّقة بالإسلام، مُتَوَقِّفًا عند مجلَّة «العالم الإسلاميِّ» و«دائرة المعارف الإسلاميَّة» الأوروبيَّة، وما ينقله من انتقاداتٍ وجَّهها بعض العلماء المسلمين إلى معالجتها للعقائد والتَّاريخ الإسلاميِّ. ويُناقش كذلك أثر هذه المؤلَّفات في بعض الكتابات العربيَّة الحديثة، وما يَنْسُبه إلى طه حُسَيْن ومحمَّد أحمد خَلَف الله ومحمَّد أَرْكُون ونَصْر حامد أبي زَيْد من تأثُّرٍ باتِّجاهاتٍ غربيَّةٍ في تفسير القرآن ودراسة أصالته.

وتَتَجَمَّع هذه المسالك عند دعوتَيْن رئيسَتَيْن: الأولى أنَّ القرآن الكريم تركيبٌ من عناصرَ يهوديَّةٍ ونصرانيَّة، والثَّانية أنَّ قصصه مأخوذةٌ من قصص العهدَيْن القديم والجديد. ويُعَرِّف الباحث بأبرز القائلين بهاتَيْن الدَّعويَيْن، وما قدَّموه من تفسيراتٍ لوجود موضوعاتٍ وأخبارٍ مشتركةٍ بين القرآن والكتب السَّابقة، ومن ذلك الزَّعم بأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم تعلَّم من أهل الكتاب في مكَّة أو أثناء رحلاته إلى الشَّام، أو أفاد ممَّا كان متداولًا من أخبار الأنبياء عليهم السلام. ويُقابل هذه الدَّعاوى بما ورد في القرآن من تحدِّي المخالفين بالإتيان بمثله، والأمر بتدبُّر آياته والنَّظر في خُلُوِّها من الاختلاف والتَّناقض، والاستدلال بأُمِّيَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وعدم اشتغاله بقراءة الكتب السَّابقة أو نسخها، واختلاف لغة المعلِّمين الذين نُسب إليهم تعليمه عن اللُّغة العربيَّة التي نزل بها القرآن. وتَتَّصِل المناقشة كذلك بتاريخ نُسَخ العهدَيْن القديم والجديد وتَرْجَماتهما، والفروق بين العقائد التي يُقَرِّرها القرآن وتلك التي تتبنَّاها اليهوديَّة والنَّصرانيَّة، وما يُستَدَلُّ به من إعجاز النَّظم القرآنيِّ واستقلاله البيانيِّ والتَّشريعيِّ، بوصفها وجوهًا يحتجُّ بها المؤلِّف على بطلان دعوى الاقتباس.

وللقصص القرآنيِّ نصيبٌ واسعٌ من التَّحليل المقارن؛ إذ يجعل المؤلِّف اختلافَ منهجه عن القصص التَّوراتيِّ والإنجيليِّ دليلًا على استقلاله وأصالته. ويبدأ ببيان أنَّ القصَّ في القرآن الكريم يأتي خطابًا من الله تعالى إلى عباده، بينما تتَّخذ النُّصوص القصصيَّة في العهدَيْن القديم والجديد عنده صورةَ الرِّواية التَّاريخيَّة التي تتحدَّث عن الله تعالى والأنبياء والأحداث. ويُناقش أثر الخيال والأسطورة في بعض الأخبار المنقولة في الكتاب المقدَّس، مُقابِلًا ذلك بما يَستَدِلُّ به على صدق القصص القرآنيِّ وواقعيَّته. وتبرز في هذه المقارنة خصائصُ التَّصوير البيانيِّ في القرآن، وما يَتَّسِم به من إحياء المشاهد والأحداث، وإظهار الحالات النَّفسيَّة والشُّعوريَّة للشَّخصيَّات، والتَّلميح إلى الأسماء بدل التَّصريح بها حين لا يتوقَّف الغرض على تعيينها، والتَّجرُّد من تفاصيل الزَّمان والمكان إلَّا حيث تقتضيها العبرة. ويَتَتَبَّع كذلك تنوُّع القصص بين الإيجاز والتَّفصيل، واختلاف بداياته وخواتيمه بحسب المقصود من عرضه، وما ينتهي إليه غالبًا من موعظةٍ أو حكمةٍ أو تقريرٍ لحقيقةٍ عقديَّةٍ وأخلاقيَّة. ومن هذه الخصائص ينتقل إلى اختلاف الأهداف؛ فبينما يغلب التَّأريخ للأحداث والأنساب والسِّيَر على جانبٍ من قصص العهدَيْن، يَرُدُّ أغراضَ القصص القرآنيِّ إلى تقرير التَّوحيد، وتثبيت النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، والاعتبار بمصائر الأمم، والتَّرغيب والتَّرهيب، وإقامة الحُجَّة والإقناع، وإظهار قدرة الله تعالى على الخلق والإحياء والبعث.

ولا يقتصر اختلافُ القصص على طريقة العرض ومقاصده، بل يشمل ما انفرد القرآن الكريم بالإخبار عنه من وقائعَ وشخصيَّاتٍ وتفاصيل؛ فيَستَعْرِض المؤلِّف قصصَ هودٍ وصالحٍ وشُعَيْبٍ عليهم السلام، والخَضِر وذي القرنَيْن، وما ورد في القرآن من امتناع إبليس عن السُّجود لآدم عليه السلام، وحوار نوحٍ عليه السلام مع ابنه، وقصَّة امرأة العزيز والنِّسوة في خبر يوسف عليه السلام، وإيمان سَحَرَة فرعون، وخبر السَّامِرِيِّ والعجل، ومؤمن آل فرعون، والبقرة التي أُمِر بنو إسرائيل بذبحها، وأصحاب السَّبت، وما سُخِّر لداود وسليمان عليهما السلام من المخلوقات والقُدُرات، وقصَّة الهُدْهُد وملكة سَبَأ، وما ورد من معجزات عيسى عليه السلام في المهد وصنع هيئة الطَّير من الطِّين بإذن الله تعالى. ويُقابل بعض هذه الأخبار بما ورد في التَّوراة والإنجيل، مُبَيِّنًا اختلاف الشَّخصيَّات والأحداث والتَّفصيلات، وما يَستَخْلِصه من أنَّ الاشتراك في أصل القصَّة لا يقتضي اقتباس القرآن من النُّصوص السَّابقة. ويَجْعَل هذا الاختلاف مقدِّمةً لمقارنةٍ تفصيليَّةٍ بين القصص المتناظرة، تقوم على البحث في مدى اتِّفاق الرِّوايات مع الشَّواهد العلميَّة والتَّاريخيَّة، ومدى تفسير كلِّ روايةٍ للأحداث وأسبابها ونتائجها.

وتَتَّضِح هذه المقارنة في ثلاثة نماذجَ رئيسة: خلق العالم، والطُّوفان، وقصَّة يوسف عليه السلام. ففي خلق العالم يُقابل المؤلِّف بين ما جاء في سفر التَّكوين من ترتيب الخلق وأيَّامه، وما قرَّرته الآيات القرآنيَّة من خلق السَّماوات والأرض في ستَّة أيَّام، والرَّتْق والفَتْق، ووصف السَّماء بالدُّخَان، وما تعلَّق بذلك من مراحلَ في تكوين الكون. ويَستَعِين ببعض النَّظريَّات الفلكيَّة والجيولوجيَّة لتأييد التَّفسير الذي يقدِّمه للآيات، وينتقد ما ورد في الرِّواية التَّوراتيَّة من ترتيب ظهور النُّور والنَّبات والشَّمس والأجرام السَّماويَّة، ومن نسبة الاستراحة إلى الله تعالى بعد الخلق. وأمَّا الطُّوفان، فيُناقش اختلافَ نطاقه في الرِّوايتَيْن؛ إذ يُفَسِّر الخبر القرآنيَّ على أنَّه عقابٌ لقوم نوحٍ عليه السلام، ويقابله بما ورد في سفر التَّكوين من تصوير الطُّوفان عقابًا يشمل البشريَّة، ثمَّ يبحث اختلاف تحديد موضع استقرار السَّفينة بين الجُودِيِّ وأَرَارَاط، مستعينًا بما ينقله من دراساتٍ جيولوجيَّةٍ واكتشافاتٍ أثريَّةٍ في بلاد الرَّافدَيْن.

وفي قصَّة يوسف عليه السلام، يُفَصِّل أوجه الاختلاف بين السَّرد القرآنيِّ والرِّواية التَّوراتيَّة؛ فيتناول رؤيا يوسف، وموقف إخوته منه، وما وقع عند إلقائه في الجُبِّ، وخبر القميص الذي جاؤوا به إلى أبيهم، وطريقة تصوير حزن يعقوب عليه السلام، ثمَّ ما اختصَّ به القرآن من خبر مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام، وتمزيق القميص، وشهادة الشَّاهد، واجتماع النِّسوة، وما يتعلَّق بالسِّجن وتأويل الرُّؤى ولقاء الإخوة في مصر. ويُقابل بين ختام القصَّة في القرآن، بما تضمَّنه من اعتراف يوسف عليه السلام بنعمة الله تعالى ودعائه، وبين امتداد الرِّواية التَّوراتيَّة إلى أخبار وفاة يعقوب ويوسف عليهما السلام. كما يناقش الفروق المتعلِّقة بوسائل سفر إخوة يوسف إلى مصر، وتسمية حاكم مصر في القرآن «مَلِكًا» بدل «فِرْعَوْن»، مستعينًا بما يورده من أبحاثٍ في التَّاريخ المصريِّ القديم وعصر الهِكْسُوس. ومن مجموع هذه المقارنات يُقَرِّر أنَّ اختلاف النَّصِّ القرآنيِّ عن بعض التَّفاصيل التَّوراتيَّة، وما يَعُدُّه من موافقته للشَّواهد العلميَّة والتَّاريخيَّة، يُقَوِّض دعوى نقله من الكتب السَّابقة. وبذلك يجمع البحث بين التَّأريخ للجدل التَّنصيريِّ، ونقد وسائل نشره وحُجَجه، والموازنة بين النُّصوص الدِّينيَّة، في محاولةٍ لإثبات استقلال القرآن الكريم عن المصادر البشريَّة التي نُسب إليها، وتقرير أصالته بوصفه وحيًا من الله تعالى إلى نبيِّه محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.




إحصائيات الكتاب
قُرئ 0 مرة حُمِّل 0 مرة
يقرأه 0 الآن انضم معهم
يحمّله 0 الآن انضم معهم

عبد الراضي محمد عبد المحسن

عبد الراضي محمد عبد المحسن: أستاذ مساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. له: “الغارة التنصيرية على أصالة القرآن الكريم”.

عرض النبذة وكتب المؤلف