يتناول كتاب «أخبار سلاجقة الرُّوم» المعروف باسم «مُختصر سلجوقنامه» تاريخ السَّلاجقة الذين حكموا بلاد الرُّوم في آسيا الصُّغرى، وما تعاقب على دولتهم من أحداث سياسيَّة وعسكريَّة منذ أواخر عهد السُّلطان قلج أرسلان الثَّاني سنة 588 هـ إلى سنة 679 هـ. وهو اختصار لكتاب «الأوامر العلائيَّة في الأمور العلائيَّة» الذي ألَّفه ابن البيبي بالفارسيَّة، وقد وضع المُختصِرَ أحدُ معاصريه ممَّن لم يُعرف اسمه، وبدأ عمله في شعبان سنة 683 هـ وأتمَّه في شوَّال سنة 684 هـ. وكان غرضه تهذيب الكتاب الأصليّ وتخفيف ما اشتمل عليه من الإطناب في الأوصاف والمحسِّنات البلاغيَّة والشَّواهد الشِّعريَّة، مع المحافظة على تسلسل الوقائع ومقاصد المؤلِّف. وقد نقل محمَّد السَّعيد جمال الدِّين هذا المُختصَر إلى العربيَّة بعنوان «أخبار سلاجقة الرُّوم»، معتمدًا على النَّصّ الفارسيّ المنشور، ومُستعينًا بالكتاب الأصليّ في تصحيح ما وقع في المُختصَر من تحريف أو تصحيف أو نقص.
ويبدأ السَّرد بأخبار قلج أرسلان الثَّاني واختياره ابنه غياث الدِّين كيخسرو لولاية العهد، وما أثاره هذا الاختيار من اعتراض إخوته الذين تقاسموا حكم الأقاليم التَّابعة للدَّولة. ويُفصِّل الكتاب ما جرى من منازعات على العرش بعد وفاة قلج أرسلان، واستيلاء ركن الدِّين سليمان شاه على قونية، واضطرار أخيه غياث الدِّين إلى مغادرتها والتَّنقُّل بين بلاد الأرمن والشَّام وغيرها من الجهات قبل عودته إلى السُّلطنة. ويتتبَّع بعد ذلك حروبه ومساعيه في توطيد الحكم وفتح أنطالية، ثمَّ انتقال السُّلطة إلى ابنه عزّ الدِّين كيكاوس وما وقع في عهده من صراع مع أخيه علاء الدِّين كيقباد، وحصار القلاع والمدن، واستعادة أنطالية بعد تمرُّد أهلها، وفتح سينوب على البحر الأسود. كما يورد أخبار الحملات على بلاد الأرمن، وما دار من مراسلات ومفاوضات مع ملوكها، وما ارتبط بهذه الحروب من معاهدات وضرائب وإطلاق للأسرى وترتيب لشؤون المناطق التي دخلت تحت السُّلطة السَّلجوقيَّة.
ويُفرد الكتاب حيِّزًا واسعًا لعهد السُّلطان علاء الدِّين كيقباد، فيعرض أخبار توليته وما اتَّخذه من إجراءات لتثبيت سلطانه، وصلاته بالخلافة العبَّاسيَّة، وما جرى عند وصول شهاب الدِّين السُّهرورديّ رسولًا من الخليفة النَّاصر لدين الله. ويذكر فتوحه على سواحل البحر المتوسِّط، ومنها الاستيلاء على قلعة كلونوروس التي عُرفت بعد ذلك بالعلائيَّة، وفتح قلعة آلاره، وما أُقيم من تحصينات وأسوار في قونية وسيواس. كما يتناول الحملات التي وجَّهها إلى بلاد القفجاق والسُّغداق على البحر الأسود بقيادة حسام الدِّين چوبان، وفتوحه في أرزنجان وأرزن الرُّوم وبلاد الأرمن والكرج، وما جرى بينه وبين ملوك تلك الجهات من حروب ومصالحات ومصاهرات. ويُفصِّل علاقاته بالسُّلطان جلال الدِّين خوارزمشاه، والمراسلات التي تبادلها معه، ثمَّ المواجهة العسكريَّة التي انتهت بهزيمة الخوارزميِّين في وقعة ياسي چمن. ويعرض كذلك علاقاته بالملوك الأيُّوبيِّين، ولا سيَّما الملك الأشرف موسى والملك الكامل محمَّد، وما نشأ بينها من تحالفات ومنازعات على مدن الجزيرة والشَّام.
وتتناول الفصول التَّالية ما وقع بعد وفاة علاء الدِّين كيقباد وتولية ابنه غياث الدِّين كيخسرو، وما صاحب ذلك من اضطراب داخل البلاط وصراع بين الأمراء وأصحاب المناصب. ويعرض الكتاب استبداد الأمير سعد الدِّين كوبك ببعض شؤون الدَّولة وما نُسب إليه من تدبير قتل الأمراء وإبعاد خصومه، ثمَّ مصرعه بأمر السُّلطان. كما يذكر تمرُّد البابائيِّين والحملة التي أُرسلت لقمعهم، ثمَّ اتِّساع خطر المغول على بلاد الرُّوم، وما انتهت إليه المواجهة معهم في وقعة كوسه داغ من هزيمة الجيش السَّلجوقيّ. ويُفصِّل ما أعقب هذه الهزيمة من دخول المغول إلى سيواس وقيصريَّة، وما أصاب المدينتين من خراب وقتل ونهب، ثمَّ المفاوضات التي أجراها الصَّاحب مهذَّب الدِّين مع القائد المغوليّ بايجو لترتيب الصُّلح وإقرار ما فُرض على السَّلاجقة من التزامات.
ويستمرّ الكتاب في تتبُّع الضَّعف الذي أصاب السُّلطنة نتيجة تدخُّل المغول وتنازع الأمراء على الحكم، فيذكر انتقال السُّلطة إلى عزّ الدِّين كيكاوس وأخيه ركن الدِّين قلج أرسلان، وما دار بينهما من حروب ومصالحات، وما قام به بعض الوزراء والأمراء من مساعٍ لاسترضاء البلاط المغوليّ والحصول على المناصب والتَّفويضات. وترد فيه أخبار جلال الدِّين قراطاي وشمس الدِّين الإصفهانيّ ومعين الدِّين پروانه، وما كان لهم من نفوذ في إدارة الدَّولة وتوجيه سياستها. كما يتناول تجدُّد الحملات المغوليَّة وخروج عزّ الدِّين من بلاده والتجاءه إلى القسطنطينيَّة، ثمَّ ما وقع في عهد غياث الدِّين كيخسرو الثَّالث من اضطرابات وثورات، ومنها استيلاء القرمانيِّين على قونية وإظهارهم رجلًا عُرف بالجمريّ ومنازعته السُّلطان على الحكم، ثمَّ هزيمته وأسره. وينتهي السَّرد بأخبار غياث الدِّين مسعود بن عزّ الدِّين كيكاوس، وما أوصاه به أبوه قبل وفاته، ورحلته من بلاد القفجاق عبر البحر الأسود إلى سينوب، ومساعيه للوصول إلى البلاط الإيلخانيّ في سنة 679 هـ.
ويتخلَّل أخبار الحروب وتقلُّبات السُّلطة وصفٌ لنظام الحكم والإدارة في الدَّولة السَّلجوقيَّة، وما كان يتولَّاه الوزراء وأمراء الجيوش وأصحاب الدَّواوين من أعمال، وفي مقدِّمتها ديوان الإنشاء والطُّغرا الذي اختصَّ بتحرير المراسيم والأوامر السُّلطانيَّة. وترد في الكتاب أخبار بناء القلاع والأسوار والقصور وعمارة المدن، وما اتَّخذه السَّلاطين من تدابير لتحصين الممالك وتأمين الطُّرق والمرافئ. كما يذكر مراسم استقبال الرُّسل والوفود وتبادل الهدايا والخِلَع، وما كان يجري في مجالس السَّلاطين من مشاورات ومفاوضات واحتفالات. وتظهر في أثناء ذلك أخبار العلاقات مع الخلافة العبَّاسيَّة والملوك الأيُّوبيِّين والأرمن والكرج والخوارزميِّين والمغول، مع إثبات كثير من أسماء المدن والقلاع والأمراء والقادة، ونصوص بعض الرَّسائل والعهود والمحادثات التي ارتبطت بالحوادث المذكورة.