
نبذة عن الكتاب:
يضم هذا الكتاب طائفة واسعة من رسائل أبي محمد علي بن أحمد بن حزم في العقيدة والفقه والأصول والمنطق ومراتب العلوم والأخلاق والنَّفس والحب والتَّاريخ والمناظرة والرَّد على المخالفين، فتُظهر جانبًا من تفكيره لا ينحصر في مصنَّفاته الفقهيَّة الكبرى. وتختلف هذه الرَّسائل في مقاصدها وأحجامها؛ فمنها أجوبة عن أسئلة وُجِّهت إليه، ومنها بحوث في مسائل مخصوصة، ومنها رسائل في تهذيب النَّفس والتجربة الإنسانيَّة، ومنها دراسات تاريخيَّة تجمع أخبار الخلفاء والفتوح والأندلس. ويذكر أحد أصول هذه المجموعة خمس عشرة رسالة متتابعة، ثمَّ تضمُّ الأجزاء الأخرى رسائل تاريخيَّة ومنطقيَّة وردودًا إضافيَّة.
ويبحث في رسائله العقديَّة حقيقة الإيمان وما يلزم المكلَّف اعتقاده، ومسائل التَّوحيد والنُّبوَّة والوعد والوعيد وأحوال النَّفس بعد الموت، مع اعتماده على القرآن والسُّنَّة وإقامة البرهان على ما يقرِّره. ومن ذلك «البيان عن حقيقة الإيمان» و«الدُّرَّة في تحقيق الكلام فيما يلزم الإنسان اعتقاده»، وما يتصل بهما من مسائل أصول الدِّين، حيث يعرض الأقوال ويخاصم التَّقليد والتعصُّب، ويؤكِّد ضرورة ردِّ الاعتقاد إلى الدَّليل بدل الاكتفاء بقول المتقدِّم أو شهرة المذهب.
ويتناول في «التوقيف على شارع النَّجاة باختصار الطَّريق» العلاقة بين علوم الأوائل وما جاءت به النُّبوَّة، بعد أن سُئل عن انقسام أهل عصره بين المشتغلين بالفلسفة والمنطق والمشتغلين بالعلوم الشَّرعيَّة. ولا يرفض المنطق والفلسفة لمجرَّد نسبتهما إلى الأوائل، بل يصف علم البرهان ومعرفة أجناس الموجودات وأنواعها بأنَّه علم حسن من حيث أداته، ثمَّ يضع لكلِّ علم منزلته وغايته، ويربط قيمة المعرفة بما توصل إليه من حقٍّ ونفع. ويعود إلى قضية العلوم في «مراتب العلوم» و«التقريب لحدِّ المنطق والمدخل إليه»، فيصنِّف المعارف، ويبحث ما يحتاج إليه طالب العلم من لغة وحساب ومنطق وشريعة، وما يكون خادمًا لغيره منها.
وفي «التلخيص لوجوه التَّخليص» يجيب عن أسئلة تتعلَّق بطريق النَّجاة والعمل الذي يرجى به عفو الله تعالى، وما ينفع المذنب في إصلاح حاله، فيجمع بين النَّصوص الشَّرعيَّة والنَّظر في أحوال النَّفس والعمل. وتدخل في هذا الجانب أيضًا «مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق»، التي يصوغ فيها خلاصةً من تجاربه مع النَّاس ومحاسبته لنفسه؛ فيبحث الطَّمع والحسد والعجب والرِّياء وحبَّ الرِّياسة والصَّداقة والعداوة والعلم والجهل، ويجعل العمل لله تعالى الغاية التي لا يلحقها ما يلحق مطالب الدُّنيا من الفقد والزَّوال.
ويخصُّ «طوق الحمامة في الألفة والألَّاف» بتحليل الحب من جهة ماهيَّته وأسبابه وعلاماته وأحوال المحبِّين، فيرتِّب أبوابه على الحب بالوصف أو النَّظرة أو طول المخالطة، ثمَّ التَّعريض والإشارة والمراسلة والسَّفير والكتمان والإذاعة والطَّاعة والمخالفة والوصل والهجر والوفاء والغدر والفراق والقناعة والضَّنى والسُّلو والموت، ويختم بقبح المعصية وفضل التعفُّف. ويعتمد فيه على ما شاهده وعاينه في المجتمع الأندلسي وما بلغه من أخبار المحبِّين، ويضمُّ إلى الحكايات شعره وشعر غيره وتحليلاته النَّفسيَّة للسُّلوك والعاطفة.
ويفرد مسائل فقهيَّة بعينها برسائل مستقلة، فيناقش في «الغناء الملهي أمباح هو أم محظور» الأحاديث المستدلَّ بها على المنع والإباحة، وينقد أسانيد ما ورد في التَّحريم، ثمَّ يبني حكمه على ما يراه ثابتًا من الأخبار وعلى أصله في أنَّ التَّحريم يحتاج إلى دليل صحيح. وتظهر طريقته الظَّاهريَّة كذلك في «مسألة الكلب» وغيرها من الأجوبة، حيث يفصل بين ما ثبت بالنَّص وما دخلته الآراء والقياسات، ويجادل مخالفيه على ضوء ذلك.
وتكشف رسائل الرُّدود عن جانب جدلي واضح من أسلوبه؛ ففي «الرَّد على الهاتف من بُعد» و«الجواب عمَّا سُئل عنه سؤال تعنيف» وغيرها يجيب عمَّن اعترض عليه أو نسب إليه أقوالًا، ويدافع عن طريقته في الاجتهاد وموقفه من الأئمَّة والتَّقليد والقياس. وتتفاوت نبرة هذه الرُّدود بحسب المخاطب والمسألة؛ فبعضها شديد العبارة في الخصومة، وبعضها أقرب إلى جواب علمي هادئ لأصدقاء أو سائلين، مع تكرار مسائل كان يُسأل عنها كثيرًا بسبب خلافه مع المذاهب السَّائدة في الأندلس.
ويبحث حقيقة النَّفس في «معرفة النفس بغيرها وجهلها بذاتها» على هيئة محاورة داخليَّة؛ فيواجه النَّفس بقدرتها على معرفة الأجسام والعناصر والأفلاك وصفاتها، ثمَّ بعجزها عن معرفة حقيقة ذاتها وموضعها وكيفية تعلُّقها بالجسد وتدبيرها له ومفارقتها إيَّاه. ويسوق الأسئلة تباعًا حتى تقرَّ النَّفس بأنَّها تعرف كثيرًا من الأشياء الخارجة عنها بينما تجهل حقيقة نفسها، مستعملًا هذا التَّفاوت في إظهار حدود الإدراك الإنساني. ويتصل بذلك «ألم الموت» و«أرواح الأشقياء» وما فيهما من بحث أحوال الموت والنَّفس وما ورد في ذلك من النُّصوص.
وتضمُّ المجموعة جانبًا تاريخيًّا مستقلًّا يشمل «نقط العروس في تواريخ الخلفاء»، و«أمهات الخلفاء»، و«جمل فتوح الإسلام»، و«أسماء الخلفاء»، و«فضل الأندلس وذكر رجالها»، مع مواد في أوقات أمراء الأندلس وحكَّام بني إسرائيل وروايات تاريخيَّة أخرى. وفي «جمل فتوح الإسلام» يوجز حركة الفتوح، وفي «أسماء الخلفاء» يضبط أسماء الخلفاء ومدد ولاياتهم وتواريخ استخلافهم ووفاتهم وأعمارهم وأمهاتهم وبعض أبرز وقائع أيامهم، أمَّا «فضل الأندلس» فيجمع فيه ما يبرز علماءها وأدباءها وما يراه من مزاياها في العلم والثَّقافة.
وتتسع هذه الرَّسائل بذلك من أدقِّ شؤون الفرد ونفسه وعاطفته إلى قضايا الاعتقاد والعلم والبرهان والاجتهاد، ثمَّ إلى تاريخ الدُّول والخلفاء والفتوح والأندلس؛ ففي موضع يحلِّل الحب والغيرة والوفاء، وفي آخر يداوي الحسد والطَّمع والعجب، ثمَّ ينتقل إلى حقيقة الإيمان ومراتب العلوم والمنطق وحكم الغناء والإمامة والموت وأحوال الأرواح، ويؤرِّخ في جانب آخر للخلفاء والفتوح ورجال الأندلس، محتفظًا في هذه الموضوعات المختلفة بطريقته القائمة على كثرة الاستدلال، والاستقلال في النَّظر، ومقاومة التَّقليد، وردِّ المسألة إلى ما يراه من نصٍّ أو برهان.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:











