يتتبّع شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن ناصر الدين الدمشقي في هذا المجلس طرق حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، الذي رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه ليسمع منه حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم في القصاص والمظالم يوم القيامة. ويبدأ بسرد خبر الرحلة بإسناده، فيذكر شراء جابر بعيرًا وشدّ رحله عليه، وسفره إلى الصحابي الذي بلغه أنه يحفظ الحديث، وخشي أن يموت أحدهما قبل أن يسمعه منه. ثم يورد نص الحديث، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة حشر الله تعالى عباده عراةً غُرْلًا بُهْمًا، فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُد منهم كما يسمعه من قَرُب: أنا الملك، أنا الديّان، لا تظالموا اليوم، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار قِبَله مظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار ولأحد من أهل الجنة قِبَله مظلمة، حتى اللطمة باليد». قالوا: يا رسول الله، وكيف وإنما نأتي الله عراةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قال: «من الحسنات والسيئات». ويعرّف المؤلف بعبد الله بن أُنيس الجهني رضي الله عنه، ثم يسوق الروايات التي صرّحت باسمه، ويقابل بين ألفاظ الحديث وطرقه كما وردت في «مسند أحمد» و«المعجم الكبير» للطبراني وغيرهما من المصنفات الحديثية.
ويبحث ابن ناصر الدين أسانيد الحديث واختلاف رواته، فيبيّن أن مداره على القاسم بن عبد الواحد المكي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر رضي الله عنه، وينقل أقوال المحدّثين في حال رواتهما، ثم يحكم على الحديث بالحسن. ويذكر تعليق البخاري له في «صحيحه» ضمن كتاب التوحيد، وإشارته إلى رحلة جابر في كتاب العلم بصيغة الجزم. ويناقش اختلاف الروايات في تحديد وجهة الرحلة، إذ تذكر الرواية المشهورة أن جابرًا قصد عبد الله بن أُنيس في الشام، بينما تذكر روايات أخرى أنه رحل إلى مصر. ويرجّح الرواية الأولى، ويبيّن أن ما ورد في بعض الطرق من تسميته عبد الله بن أبي أُنيسة غير محفوظ، كما ينتقد إحدى الروايات المطوّلة التي جعلت الرحلة إلى مصر، ويصفها بأنها أوهى طرق الحديث، معلّلًا ضعفها بوجود عمر بن الصبح في إسنادها، وهو من المتهمين بوضع الحديث.
ثم يناقش المؤلف خبرًا آخر يذكر أن جابرًا رضي الله عنه رحل إلى مصر ليسأل عقبة بن عامر رضي الله عنه عن حديث واحد، ويبيّن أن المعروف في هذه الرحلة أنها كانت لأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه. ويسوق الروايات المتعلقة بسفر أبي أيوب إلى عقبة بن عامر في مصر للتحقق من حديث في فضل ستر المؤمن، وما جرى له مع مسلمة بن مخلد رضي الله عنه، ويورد اختلاف الألفاظ والأسانيد في هذه القصة. ويذكر كذلك خبر أبي عثمان الذي قصد أبا هريرة رضي الله عنه في موسم الحج ليتثبت من حديث في مضاعفة الحسنات، وكيف صحّح له أبو هريرة لفظ ما بلغه. ويورد في آخر المجلس أبياتًا شعرية في فضل الرحلة لطلب الحديث، وبذل الجهد في تحصيل العلم.