
نبذة عن الكتاب:
ينظم أبو محمد عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشّاب في «القصيدة العجيبة والمفردة الغريبة ذات الأسئلة المفحمة والمعاني المحكمة» أسئلةً وألغازًا علميَّة متنوِّعة، يختبر بها معرفة المخاطَب في جملة من الفنون، وينتقل من مسائل الحروف واللغة والنَّحو إلى العروض والقريض والقرآن والفقه وأخبار النُّبوَّات والسِّيرة. ويجعل الأسئلة نفسها مادة القصيدة، فلا يشرح أجوبتها، بل يوردها في عبارات موهمة ومصطلحات دقيقة تتطلَّب معرفة واسعة بمصادر العلوم وألفاظها.
ويفتتح القصيدة بنسيب في ذكر الدِّيار وأهل الخيام ووصف المحبوب، ثمَّ ينتقل إلى الثناء على المخاطَب ووصف فضله، قبل أن يتحوَّل إلى امتحانه في العلم؛ فيدعوه إلى سماع ما سيورده من مسائل، ويواجهه بما يظهر منه من الثقة بفهمه ومعرفته. ومن هذا الموضع تبدأ الأسئلة التي تتوالى حتى أواخر القصيدة.
وتأتي المسائل الأولى في الكتابة والحروف، فيسأل عن صور بعض الحروف وما يحدث لها عند المدِّ والقصر والقلب والتقديم والتأخير والعكس، وعن تراكيب كتابيَّة تتغيَّر دلالاتها بتغيُّر هيئة الحروف أو مواقعها. وتقوم هذه الأسئلة على التعمية في رسم الحروف وأسمائها وما ينشأ من تركيب بعضها ببعض.
ثمَّ ينتقل إلى اللغة والبلاغة، فيورد ألفاظًا غريبة متتابعة ويطلب معرفة معانيها، مثل النَّيزبان والحجوجة والجعفرانيَّات والسيح والفوعان والخبعَر والجعدب والعنقفيس وغيرها، فتتحوَّل الأبيات في هذا الموضع إلى اختبار في غريب اللغة ومعرفة المفردات النادرة ودلالاتها.
ويلي ذلك مسائل العربيَّة والنَّحو، فيسأل عن لفظة يتغيَّر حكمها بالإعراب، وعن اسم إذا ثُنِّي وجُمع طرأ عليه تغيير، وعن حرف إذا أُعمل صار معربًا، وفعل إذا عُدِّي صار مدغمًا، وحرف عطف يأتي في صورة مخصوصة، وحروف للتوكيد، ومصدر يلزم الرَّفع، وأسماء تلزم وجهًا من الإعراب. ويعرض هذه القواعد بصيغة الألغاز، فيذكر أثر الحكم النَّحوي من غير أن يصرِّح باسم المسألة أو جوابها.
ثمَّ يختبر المخاطَب في العروض، فيسأل عن مصطلحات الوزن والزِّحاف والعلل، وما يتصل بالسَّناد والرِّفاد والهزج والخفيف والكامل والبسيط والخبل والكف والقبض والتشعيث والثَّلم والحذف. ويجمع في بعض الأبيات بين المصطلح العروضي ومعناه اللغوي، فيزداد السؤال إبهامًا ويحتاج إلى معرفة دقيقة بأوزان الشِّعر وتغيُّرات التفعيلات.
ويتبع ذلك بأسئلة في القريض وصناعة الشِّعر، فيتناول الرَّوي والقطع والرَّفع، ووصف السَّحاب وأثافي الدِّيار، والانتقال بين النَّسيب والمدح والهجاء، وما يدخل في بناء القصيدة ووصف مظاهر الطبيعة فيها. ويجعل بعض هذه المسائل في صور شعريَّة لا ينكشف المراد منها إلا بمعرفة اصطلاحات الشِّعر وطرائق العرب في أغراضه.
وينتقل بعدها إلى القرآن الكريم وعلوم القراءة، فيسأل عن أعداد آيات بعض السُّور وترتيبها، وعن بعض القرَّاء والرُّواة، وتحقيق الهمز وتليينه، والمد والإمالة والإدغام، وعدد السجدات، والتشديد والتخفيف والوصل والقطع. ويكون المطلوب في هذه الأبيات تعيين القارئ أو الرَّاوي أو القول الذي تنطبق عليه الصفة المذكورة في السؤال.
ثمَّ يورد مسائل فقهيَّة تتعلَّق بالإجماع والبيع والصَّرف والقياس وأقوال بعض الأئمَّة، فيذكر ابن عباس رضي الله عنهما، وأبا حنيفة، والشافعي، ومالكًا، وسفيان الثوري، ويسأل عن أحكام وآراء منسوبة إليهم، إلى جانب مسائل تتصل بالإحرام وغيرها من أبواب الفقه.
ويلي ذلك قسم في أخبار النُّبوَّات والشرائع، فيسأل عمَّن فُرض عليه التعفير قبل الصَّلاة، والتيمم بعد الرُّكوع، وعمَّن كانت في شريعته أحكام تتصل بالتسوُّر والتختُّم والصيام والزواج والتكبير والزَّكاة والبيع والطواف والتسليم في الصَّلاة. ويجعل معرفة أصحاب هذه الأحكام وما نُقل من أخبارهم جزءًا من الامتحان.
ثمَّ ينتقل إلى السِّيرة وأخبار الأوائل، فيسأل عن أشخاص نُسب إليهم الصيام مددًا طويلة، وكثرة الحج، وامتلاك الأموال العظيمة، وقطع البحار والمسافات في أزمنة قصيرة، وطول العمر، وملك الدنيا، وذبح الأولاد واستحياء النساء، وخوض البحر والسير في الأرض، فيحوِّل الأخبار التاريخيَّة إلى ألغاز يُراد من المخاطَب معرفة أصحابها.
وفي الأبيات الأخيرة يطلب ابن الخشّاب من المخاطَب أن يتأنَّى ويفكِّر في أجوبة المسائل، ويجعل إصابته فيها دليلًا على استحقاقه التعظيم والإكرام، ثمَّ يقابل ذلك بما يترتَّب على العجز عن الإجابة، وينهي القصيدة بقوله: «فما أنت علمٌ بالأمور وإنَّما / قصاراك أن تروي كلامًا منظَّمًا».







