
نبذة عن الكتاب:
يجمع الحكيم التِّرمذي في "نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم" طائفةً كبيرةً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويرتِّبها في 291 أصلًا، يجعل كلَّ أصل منها قائمًا على حديث أو جملة من الأحاديث، ثمَّ يتوسَّع في تفسير ألفاظها واستنباط ما وراءها من الحِكَم والمعاني المتعلِّقة بالإيمان والعبادة والأخلاق وأعمال القلوب وآداب السُّلوك. ويبدأ بالأحاديث الواردة في الاستعاذة بكلمات الله تعالى التَّامَّات، فيشرح معنى «كلمات الله»، وصلتها بالقضاء والقدر، وحقيقة استعاذة العبد بربِّه عز وجل، وما يختلف فيه أهل اليقين وأهل الغفلة في حضور القلب وصدق الالتجاء.
ويمتدُّ في الأصول الأولى إلى آداب المعاملة والسُّلوك، فيشرح النَّجوى والاستئذان وحرمة المؤمن وتجنُّب إثقاله، ثمَّ يتناول الغضب وأثره في الإيمان، ويفرِّق بين الغضب للنَّفس والغضب لله تعالى، ويربطه بالكِبر ونزغ الشَّيطان. ويتناول كذلك آداب الانتعال والأكل والشُّرب والتَّيامن في الأعمال، ثمَّ النَّهي عن القزع والتَّشبُّه، وينتقل منه إلى الكلام على حقيقة الزُّهد، والفرق بين صدق التَّقلُّل من الدُّنيا وبين اتِّخاذ هيئة الزُّهَّاد وسيلةً للرِّياء واكتساب الدُّنيا.
ويجعل القلب والنَّفس والإيمان واليقين من أكثر المحاور دورانًا في الكتاب؛ فيفرِّق بين ما يصدر عن القلب من نور الإيمان وما تنزع إليه النَّفس من الشَّهوات، ويشرح أثر اليقين في انشراح الصَّدر وزوال الشَّكِّ، وأثر الإخلاص في تخليص القلب من التَّعلُّق بالأسباب والمخلوقين. ويتكرَّر عنده تفسير أحوال المؤمن من خلال مراتب المعرفة والتَّوحيد والتَّوكُّل والرِّضا والخوف والرَّجاء والمحبَّة، مع بيان ما يطرأ على القلب من الغفلة والوسوسة والهوى، وكيف تُدافَع هذه الآفات بالذِّكر والمجاهدة وصدق الإنابة إلى الله عز وجل.
ويتناول جملةً واسعةً من العبادات وأسرارها؛ فيشرح الصَّلاة وأوقاتها والقنوت والخشوع، والصِّيام ومضاعفة حسناته، والوضوء والطَّهارة والذِّكر والدُّعاء، والحجَّ وما يتعلَّق ببعض أعماله، كما يعرض الصَّدقة والإنفاق والحقوق الماليَّة. ولا يقف غالبًا عند ظاهر الحكم، بل ينتقل إلى المعنى الذي يراه وراء التَّشريع، وما تحدثه العبادة في القلب والنَّفس، وما تكشفه من صدق العبوديَّة أو ضعفها.
ويشرح أحاديث المعاملات والحقوق الاجتماعيَّة، فيتناول تعجيل أجرة الأجير، وحقوق المملوك واليتيم، وآداب المجالس والطَّعام واللِّباس، وحقوق الجار والإخوان، والحبَّ في الله تعالى والبغض فيه، وحسن الخلق والرِّفق. ويجعل كثيرًا من هذه الأحكام متَّصلًا بأصل تزكية النَّفس؛ فصلاح المعاملة عنده لا ينفصل عن صلاح النيَّة والقلب، كما يفرِّق بين الفعل الذي يُقصَد به وجه الله تعالى والفعل المشابه له في الظَّاهر إذا كان باعثه الهوى أو طلب المنزلة عند الخلق.
ويتناول مسائل في النبوَّة والشَّرائع والقدر والخلق، فيذكر تعدُّد شرائع الرُّسل عليهم السلام، ووحدة أصل التَّوحيد مع اختلاف الشَّرائع، ويتكلَّم على الميثاق وأهل اليمين وأهل الشِّمال، وعلى القضاء والقدر والعمل، وما يتعلَّق بهداية الله تعالى لعباده. ويعرض كذلك مراتب بعض الصَّالحين وما ورد في الأبدال وصفاتهم، ويربط منزلتهم بسلامة القلوب وحسن الخلق وصدق الورع والنَّصيحة للمسلمين، لا بمجرَّد كثرة الصَّلاة والصِّيام.
ويخصِّص أصولًا لأحوال الإنسان في بدنه ومعاشه، فيشرح أحاديث التَّداوي، ويقرِّر أنَّ لكلِّ داء دواءً قد يعلمه بعض النَّاس ويجهله آخرون، ويتكلَّم على تغيُّر البدن بالأطعمة والأزمنة والحرِّ والبرد والتَّعب والسَّهر والهموم، ويرى التَّداوي من جملة تدبير الجسد الذي لا ينافي التَّوكُّل. ويمتدُّ هذا النَّظر إلى الطَّعام والشَّراب والنِّعمة والرِّزق وآداب الانتفاع بما سخَّره الله تعالى للإنسان، وما يراه من وجوب شكر النِّعمة وعدم امتهانها.
ويتناول كذلك الموت والبعث وأحوال القيامة والجنَّة والنَّار والحوض والشَّفاعة، ويشرح ما ورد في حوض النبي صلى الله عليه وسلم وورود أمَّته عليه وعلامتهم من آثار الطُّهور، ويتكلَّم على الحساب والميزان ومنازل أهل السَّعادة وأهل الشَّقاء. ويربط أخبار الآخرة بأثرها في القلب في الدُّنيا، فيجعل استحضار الموت والبعث باعثًا على انقطاع التَّعلُّق بالدُّنيا والاستعداد للقاء الله عز وجل، ويشرح علامات دخول النُّور إلى القلب من الإنابة إلى دار الخلود، والتَّجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت.
وتتنوَّع الأصول بين مسائل عقديَّة وتعبُّديَّة وأخلاقيَّة ولغويَّة واجتماعيَّة؛ فقد ينطلق من لفظةٍ واحدة في الحديث إلى بيان أصلها اللُّغوي، ثمَّ يصلها بمعنى إيماني أو سلوكي، وقد يجمع عدة أخبار حول المعنى الواحد ليكشف ما يراه من حكمة اجتماعها. ولهذا يتكرَّر في الكتاب تفسير الألفاظ من جهة اشتقاقها ودلالاتها، وربط الظَّاهر بالباطن، والجوارح بالقلب، والعمل بالنيَّة، والحكم الشَّرعي بأثره في تهذيب الإنسان.
وينتهي في الأصل 291 إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم في أنَّ لهو المؤمن باطل إلَّا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، فيفسِّر استثناء هذه الثَّلاثة بما فيها من عون على الدِّين وتقوية للنَّفس والجسد وحفظ للعفَّة. ويرى أنَّ المؤمن قد يحتاج مع ما يحمله قلبه من أثقال الخشية والعظمة إلى قدر من التَّرويح المباح يعينه على الاستمرار، فيجعل الرَّمي والفروسيَّة وملاعبة الأهل متنفسًا مشروعًا لا يخرجه عن مقصود العبوديَّة، وهو آخر معنى يختم به الكتاب.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














