
نبذة عن الكتاب:
يشرح ابن رجب الحنبلي في هذا الكتاب الدُّعاء الذي علَّمه النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم زيد بن ثابت رضي الله عنه، وأمره أن يتعاهده وأهلَه كلَّ يوم، فيتناول ألفاظه جملةً جملة، ويستخرج ما تضمَّنته من معاني الاستجابة لله تعالى، والتسليم لمشيئته، والتبرُّؤ من الحول والقوَّة، والرِّضا بقضائه، والتوكُّل عليه، وإثبات أصول الإيمان، وسؤال حسن الخاتمة ومغفرة الذُّنوب. ويبدأ بقوله: «لبَّيك اللهم لبَّيك وسعديك»، فيبيِّن أنَّ التلبية إجابةٌ لدعوة الله عزَّ وجلَّ مرَّةً بعد مرَّة، مع لزوم هذه الإجابة وسرعة المبادرة إليها، وأنَّ «سعديك» تدلُّ على الطَّاعة بعد الطَّاعة؛ فالمؤمن يعلن في أوَّل يومه استجابته لربِّه وإقامته على طاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ولا يصدق قوله إلا إذا وافقه عمله.
ويفسِّر قوله: «والخير في يديك ومنك وبك وإليك» بأنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يدعو عباده إلا إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم وآخرتهم، وأنَّ الخير كلَّه بيده تعالى، فهو مبدؤه وواهبه، وبه دوامه وثباته، وإليه تصير عاقبته. ويذكر احتمالًا آخر في «ومنك وبك وإليك»، وهو أنَّ العبد نفسه من الله تعالى وبالله وإلى الله؛ فقد أوجده بعد العدم، وقيامه وبقاؤه بتدبيره وإمداده، ثمَّ مرجعه إليه بعد الموت. ويصل بذلك إلى معنى الافتقار التَّام إلى الله عزَّ وجلَّ، وأنَّ العبد لا يستقلُّ بوجوده ولا ببقائه ولا بما يناله من خير.
ويفصِّل قوله: «اللهم ما قلت من قول أو نذرت من نذر أو حلفت من حلف فمشيئتك بين يديه، ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن»، فيناقش تفسير الخطَّابي للمشيئة والاستثناء، ويرى أنَّ المقصود تقديم مشيئة الله تعالى على ما يصدر من العبد في يومه من قول وحلف ونذر، تحقيقًا لكون أفعال العباد وأقوالهم لا تقع استقلالًا عن مشيئة ربِّهم. ويتعرَّض لمسألة الاستثناء بالمشيئة إذا انفصل عن الكلام، وما رُوي فيها عن ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء ومجاهد وغيرهم، ويفرِّق بين حصول الامتثال بذكر المشيئة بعد النِّسيان وبين أثر ذلك في الحِنث والكفَّارة، ويربط المسألة بقوله تعالى: {ولا تقولنَّ لشيء إنِّي فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله}.
ويقرِّر في قوله: «ولا حول ولا قوَّة إلا بك إنَّك على كلِّ شيء قدير» تجرُّد العبد من دعوى الاستقلال بالحول والقوَّة والمشيئة؛ فما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يستطيع العبد شيئًا إلا بما أقدره الله عليه. ويرى في ذلك إفرادًا للرَّبِّ عزَّ وجلَّ بالحول والقوَّة والقدرة والمشيئة، ويصفه بأنَّه منتهى تحقيق توحيد الرُّبوبيَّة. كما ينبِّه في سياق الحديث عن الأقوال المستقبلة إلى قبح أن يعد الإنسان بشيء وهو عازم من الأصل على خلافه، وأنَّ تعليق القول بالمشيئة لا يكون حيلةً لتسويغ الكذب والخلف.
ويبحث قوله: «اللهم ما صلَّيت من صلاة فعلى من صلَّيت، وما لعنت من لعن فعلى من لعنت»، فيجعل المراد تفويض ما يصدر من العبد من ثناء أو لعن إلى حكم الله تعالى؛ فلا يقع ثناؤه إلا على مستحقِّ الثَّناء، ولا لعنُه إلا على مستحقِّ اللَّعن. وينبِّه إلى خطورة اللِّسان؛ لأنَّ الإنسان قد يمدح عند الرِّضا من لا يستحقُّ المدح، ويلعن عند الغضب من لا يستحقُّ اللَّعن، واللَّعن دعاء قد يعود على قائله إذا لم يكن الملعون أهلًا له. ويحمِل هذا الشرط على ما يقع من الإنسان خطأً أو سهوًا أو لغلبة الغضب، مع تمييز ذلك عمَّن يتعمَّد الظُّلم في مدحه وذمِّه مع علمه بالحال.
ويعرض قوله: «أنت وليِّي في الدُّنيا والآخرة توفَّني مسلمًا وألحقني بالصَّالحين» في ضوء دعاء يوسف عليه السَّلام، ويجعل ولاية الله تعالى لعباده المؤمنين شاملةً لحفظهم وهدايتهم ورعايتهم في حياتهم، ثمَّ توفِّيهم على الإسلام وإلحاقهم بالصَّالحين بعد الموت. ويتناول مسألة تمنِّي الموت والدُّعاء به، فيذكر القول بأنَّ يوسف عليه السَّلام دعا بالموت، والقول بأنَّ مراده سؤال الوفاة على الإسلام عند حلول الأجل، ويبيِّن جواز تمنِّي الموت عند خوف الفتنة في الدِّين، كما يذكر حال من يغلب عليه الشوق إلى لقاء الله عزَّ وجلَّ.
ويتوسَّع في قوله: «اللهم إنِّي أسألك الرِّضا بعد القضاء»، فيجعل الرِّضا بالقضاء من علامات صدق المحبَّة لله تعالى؛ فالقلب إذا امتلأ بمحبَّة مولاه رضي بما يرد عليه من أحكامه وأقداره، مؤلمًا كان أو ملائمًا. ويؤكِّد دقَّة التعبير بـ«بعد القضاء»، لأنَّ الرِّضا الحقيقي يظهر بعد وقوع المقدور، أمَّا قبله فقد يكون مجرَّد عزم ينفسخ عند نزول البلاء. ولا يعني ذلك أن يطلب الإنسان البلاء أو يستعجله؛ بل يسأل الله تعالى العافية، فإذا نزل به ما يكره تلقَّى قضاء ربِّه بالصَّبر والرِّضا.
ويفسِّر «برد العيش بعد الموت» بطيب العيش ونعيمه وقُرَّة العين به، ثمَّ يفرِّق بين عيش الجسد وعيش الرُّوح. فالجسد يتنعَّم بالمآكل والمشارب والملابس وسائر اللَّذَّات الحسِّيَّة، أمَّا الرُّوح فقوتها ولذَّتها في معرفة خالقها، ومحبَّته وذكره وطاعته والأنس به والشوق إلى لقائه. وإذا حُرمت الرُّوح هذا الغذاء أصابها من المرض والألم ما هو أعظم من مرض الجسد بفقد غذائه، ولهذا قد تتوافر للإنسان أسباب التَّنعُّم الحسِّي ويبقى قلبه في وحشة لا تزيلها زيادة الشَّهوات.
ويربط ابن رجب بين التوسُّع في شهوات الجسد ونقص حظِّ القلب من حياته، فيذكر أنَّ الأنبياء والصَّالحين اقتصدوا في حظوظ أبدانهم ليتوافر نصيب أرواحهم من المعرفة والطَّاعة والمناجاة. ويعرض أثر قلَّة الطَّعام في رقَّة القلب، وما يحدثه الشِّبع من الغفلة والقسوة وكثرة النَّوم، ويصل ذلك بحكمة الصِّيام. ولا يجعل المقصود تعذيب البدن، بل أخذ حاجته من المباح من غير أن تستغرق شهواته الإنسان وتقطعه عن الله تعالى. أمَّا الجنَّة فتجتمع فيها لذَّات الجسد والرُّوح على أكمل وجه؛ فلا ينقص نعيم الأبدان فيها من نعيم القلوب، ويبلغ نعيم الرُّوح غايته في رضا الله عزَّ وجلَّ وقربه والنَّظر إلى وجهه الكريم.
ويفصِّل لذلك قوله: «ولذَّة النَّظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك من غير ضرَّاء مضرَّة ولا فتنة مضلَّة»، فيجعل النَّظر إلى وجه الله عزَّ وجلَّ أعلى نعيم أهل الجنَّة، ويستدلُّ بالنُّصوص الواردة في إثبات رؤية المؤمنين لربِّهم في الآخرة. ويربط الشوق إلى لقاء الله تعالى بالمحبَّة؛ فمن أحبَّ الله اشتاق إلى لقائه، لكنَّ الدُّعاء قيَّد هذا الشوق بألَّا يكون ناشئًا عن ضرَّاء تحمل الإنسان على تمنِّي الموت لشدَّة ما أصابه، ولا عن فتنة في الدِّين تضلُّه، بل يكون شوقًا صادقًا مقرونًا بالعافية والثَّبات.
ويشرح الاستعاذة «أن أظلم أو أُظلم، أو أعتدي أو يُعتدى عليَّ، أو أكتسب خطيئة محبطة أو ذنبًا لا تغفره» بوصفها استعاذةً من شرِّ الإنسان على نفسه وشرِّ غيره عليه، ومن أن يكون ظالمًا أو مظلومًا، معتديًا أو واقعًا عليه الاعتداء. ويتناول معنى الخطيئة المحبطة، وما يحبط الأعمال أو يذهب بثوابها، ثمَّ يفسِّر الذَّنب الذي لا يُغفر بما يلقى العبد ربَّه به من غير سبب يمحوه من توبة أو حسنات مكفِّرة أو مصائب أو عفو من الله تعالى، مع تقرير أنَّ نجاة العبد قائمة على فضل الله عزَّ وجلَّ ورحمته، وأنَّ من عومل بمحض العدل خاف الهلاك، ومن شمله الفضل والرَّحمة نجا.
ويعرض بعد ذلك العهد الذي يشهد فيه العبد ربَّه على أصول إيمانه: توحيد الله تعالى وإفراده بالملك والحمد والقدرة، والشَّهادة بأنَّ محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّم عبدُه ورسولُه، والإقرار بأنَّ وعد الله ولقاءه والجنَّة والنَّار والسَّاعة والبعث كلَّها حقٌّ. ويرى أنَّ هذه الشَّهادة تستجمع أصول الإيمان؛ لأنَّ الشَّهادة برسالة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم تتضمَّن تصديقه فيما جاء به من الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبيِّن معنى أن يعهد العبد إلى ربِّه بهذا الإيمان في حياته ويسأله الوفاء به عند لقائه.
ويجعل قوله: «وأشهد أنَّك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضيعة وعورة وذنب وخطيئة، وإنِّي لا أثق إلا برحمتك» من أصرح ألفاظ الافتقار والتوكُّل؛ فالعبد يسأل ربَّه ألَّا يتركه إلى نفسه طرفة عين، لأنَّ النَّفس أمَّارة بالسُّوء، ولا يملك الإنسان هدايتها وحفظها إلا بتوفيق الله تعالى. ويفسِّر أوصاف النَّفس الأربعة؛ فالضَّيعة هي الضَّياع، والعورة ما يقبح ويحتاج إلى السَّتر، والذَّنب والخطيئة وصفان لما تجرُّ إليه النَّفس إذا أُطلقت مع هواها. ومن هنا يبيِّن ضرورة مجاهدة النَّفس وقهر شحِّها ومخالفة هواها، وأنَّ هذه المجاهدة نفسها لا تُنال إلا بمعونة الله عزَّ وجلَّ.
ويصل معنى «لا أثق إلا برحمتك» بحقيقة التوكُّل؛ وهي تفويض الأمور إلى من بيده تدبيرها، والاعتماد عليه في الهداية والحفظ والتوفيق والرِّزق وسائر مصالح الدِّين والدُّنيا. فمن وثق برحمة الله تعالى ولم يعتمد على نفسه ولا على الخلق تولَّاه الله عزَّ وجلَّ، أمَّا من وُكل إلى نفسه غلبته أهواؤها وقادته إلى ما يضرُّه. ولهذا يجعل سؤال العبد ألَّا يُوكل إلى نفسه من أعظم حاجاته؛ لأنَّ انتصاره على نفسه لا يكون بقوَّته المستقلَّة، وإنَّما بعصمة ربِّه وتسديده.
ويقرِّر في قوله: «فاغفر لي ذنوبي إنَّه لا يغفر الذُّنوب إلا أنت، وتب عليَّ إنَّك أنت التَّواب الرَّحيم» أنَّ التَّوبة والاستغفار أصل نجاة العبد بعد وقوع التَّقصير، وأنَّ ترك الإصرار على الذَّنب هو حقيقة التَّوبة. ويقدِّم التَّوحيد والإقرار لله تعالى بالملك والقدرة والرُّبوبيَّة على سؤال المغفرة؛ لأنَّ التَّوحيد أعظم أسباب المغفرة، والشِّرك مانع منها لمن مات عليه. كما يبيِّن أنَّ معرفة العبد بأنَّ ربَّه وحده يغفر الذُّنوب، واعترافه بخطيئته وعودته إلى الاستغفار كلَّما أذنب، من أعظم أبواب الرَّجاء.
ويبيِّن أنَّ باب التَّوبة مفتوح في آناء اللَّيل والنَّهار، مع اختصاص أوقات بمزيد رجاء، ولا سيَّما الأسحار وثلث اللَّيل الآخر، حين يتوجَّه العبد إلى ربِّه بالاستغفار والدُّعاء. والمذنب لا يجد مهربًا من الله تعالى إلا إليه؛ فهو سبحانه أرحم بعباده، يقبل توبة من رجع إليه ولا يملك العبد إذا أبعدته معصيته أن يلجأ إلى غير مولاه. ويصوِّر ابن رجب هذا الافتقار بحال من أُغلق دونه الباب فلم يجد مأوى إلا الرجوع إليه والتذلُّل على عتبته، لتستقرَّ المسألة في معنى العبوديَّة الذي ينساب في الدُّعاء كلِّه: دوام الإجابة لله تعالى، والافتقار إلى مشيئته وقوَّته، والثِّقة برحمته، ومجاهدة النَّفس، والرجوع إليه بالتَّوبة كلَّما وقع العبد في التَّقصير.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














